فواجبك كله أن تنذرهم - وأبرز صفة النذير هنا لأن المقام يستوجبها مع أمثال هؤلاء - فأد واجبك: (والله على كل شيء وكيل). .
فهو الموكل بهم , يصرفهم كيف يشاء وفق سنته , ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون . ولست أنت موكلا بكفرهم أو إيمانهم . إنما أنت نذير .
وهذه الآية تشي بجو تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة ; وما كان يعتور صدر رسول الله [ ص ] من الضيق . كما تشي بثقل المواجهة للجاهلية المتمردة المعاندة , في الوقت الذي هلك فيه العشير والنصير ; وغمرت الوحشة قلب رسول الله [ ص ] وغشى الكرب على قلوب المؤمنين القلائل في هذه الجاهلية المحيطة . .
ومن بين كلمات الآية نحس جوا مكروبا تتنزل فيه هذه الكلمات الربانية بالبشاشة , وتسكب فيه الطمأنينة , وتريح الأعصاب والقلوب !
الدرس السابع:13 - 16 تحدي الكفار لإثبات مصدر القرآن وإسلامهم وإلا فهي النار
وقولة أخرى يقولونها . وقد قالوها مرارا:إن هذا القرآن مفترى . فتحدهم إذن أن يفتروا عشر سور كسوره , وليستعينوا بمن يشاءون في هذا الافتراء:
(أم يقولون افتراه ? قل:فأتوا بعشر سور مثله مفتريات . وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). .
ولقد سبق أن تحداهم بسورة واحدة في سورة يونس , فما التحدي بعد ذلك بعشر سور ?
قال المفسرون القدامى:إن التحدي كان على الترتيب:بالقرآن كله , ثم بعشر سور , ثم بسورة واحدة . ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل . بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة , وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور . وحقيقة إن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور . فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول . إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبته . وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود . والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز .
ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد (عشر سور)علة , فأجهد نفسه طويلا - رحمة الله عليه - ليقول:إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني , وأنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا . فتحداهم بعشر . . لأن تحديهم بسورة واحدة فيه يعجزهم أكثر من تحديهم بعشر نظرا لتفرق القصص وتعدد أساليبه , واحتياج المتحدي إلى عشر سور كالتي ورد فيها ليتمكن من المحاكاة إن كان سيحاكى . . الخ
ونحسب - والله أعلم - أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد . وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول , لأن القرآن كان يواجه حالات واقعة محددة مواجهة واقعة محددة . فيقول مرة:ائتوا بمثل هذا القرآن . أو ائتوا بسورة , أو بعشر سور . دون ترتيب زمني . لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن . كله أو بعضه أو سورة منه على السواء . فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره . والعجز كان عن النوع لا عن المقدار . وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة . ولا يلزم ترتيب , إنما هو