والإحاطة أقصى الصور الحسية للعلم بالشيء والقدرة عليه .
إنها غضبة العبد المؤمن لربه أن يستباح جلاله - سبحانه - ووقاره . الغضبة التي لا يقوم إلى جوارها شيء من الاعتزاز بنسبه ورهطه وعشيرته وقومه . . إن شعيبا لم ينتفخ ولم ينتفش أن يجد القوم يرهبون رهطه , فلا تمتد إليه أيديهم بالبطش الذي يريدونه ! ولم يسترح ولم يطمئن إلى أن يكون رهطه هم الذين يحمونه ويمنعونه من قومه - الذين افترق طريقهم عن طريقه - وهذا هو الإيمان في حقيقته . . أن المؤمن لا يعتز إلا بربه ; ولا يرضى أن تكون له عصبة تخشى ولا يخشى ربه ! فعصبية المسلم ليست لرهطه وقومه , إنما هي لربه ودينه . وهذا هو مفرق الطريق في الحقيقة بين التصور الإسلامي والتصور الجاهلي في كل أزمانه وبيئاته !
ومن هذه الغضبة لله . والتنصل من الاعتزاز أو الاحتماء بسواه , ينبعث ذلك التحدي الذي يوجهه شعيب إلى قومه ; وتقوم تلك المفاصلة بينه وبينهم - بعد أن كان واحدا منهم - ويفترق الطريقان فلا يلتقيان:
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم). .
وامضوا في طريقكم وخطتكم , فقد نفضت يدي منكم .
(إني عامل). .
على طريقتي ومنهجي .
(سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب). .
أنا أم أنتم ?
(وارتقبوا إني معكم رقيب). .
للعاقبة التي تنتظرني وتنتظركم . . وفي هذا التهديد ما يوحي بثقته بالمصير . كما يوحي بالمفاصلة وافتراق الطريق . .
ويسدل الستار هنا . على هذه الكلمة الأخيرة الفاصلة وعلى هذا الافتراق والمفاصلة , ليرفع هناك على مصرع القوم , وعلى مشهدهم جاثمين في ديارهم , أخذتهم الصاعقة التي أخذت قوم صالح , فكان مصيرهم كمصيرهم , خلت منهم الدور , كأن لم يكن لهم فيها دور , وكأن لم يعمروها حينا من الدهر . مضوا مثلهم مشيعين باللعنة , طويت صفحتهم في الوجود وصفحتهم في القلوب:
(ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا , وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين , كأن لم يغنوا فيها . ألا بعدا لمدين , كما بعدت ثمود . . .).
وطويت صفحة أخرى من الصفحات السود , حق فيها الوعيد على من كذبوا بالوعيد .