(ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون). .
فهي تأخذهم بغتة وهم في جدالهم وخصامهم في معترك الحياة , لا يتوقعونها ولا يحسبون لها حساباً . فإذا هم منتهون . كل على حاله التي هو عليها . لا يملك أن يوصي بمن بعده . ولا يملك أن يرجع إلى أهله فيقول لهم كلمة . . وأين هم ? إنهم مثله في أماكنهم منتهون !
ثم ينفخ في الصور فإذا هم ينتفضون من القبور . ويمضون سراعاً , وهم في دهش وذعر يتساءلون: (من بعثنا من مرقدنا ?). ثم تزول عنهم الدهشة قليلاً , فيدركون ويعرفون: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)!
ثم إذا الصيحة الأخيرة . صيحة واحدة . فإذا هذا الشتيت الحائر المذهول المسارع في خطاه المدهوش . يثوب: (فإذا هم جميع لدينا محضرون). . وتنتظم الصفوف , ويتهيأ الاستعراض في مثل لمح البصر ورجع الصدى . وإذا القرار العلوي في طبيعة الموقف , وطبيعة الحساب والجزاء يعلن على الجميع:
(فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون). .
وفي هذه السرعة الخاطفة التي تتم بها تلك المشاهد الثلاثة تناسق في الرد على أولئك الشاكين المرتابين في يوم الوعد المبين !
ثم يطوي السياق موقف الحساب مع المؤمنين , ويعجل بعرض ما صاروا إليه من نعيم:
إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون . هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون . لهم فيها فاكهة ولهم فيها ما يدعون . سلام قولاً من رب رحيم . .
إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم , ملتذون متفكهون . وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها . . وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم . لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون ; وهم ملاك محقق لهم فيها كل ما يدعون . ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم:(سلام). . يتلقونه من ربهم الكريم: (قولاً من رب رحيم). .
فأما الآخرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم , بل يعرضه ويبرز فيه التبكيت والتنكيل:
وامتازوا اليوم أيها المجرمون . ألم أعهد إليكم - يا بني آ دم - ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً . أفلم تكونوا تعقلون ? هذه جهنم التي كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون . .
إنهم يتلقون التحقير والترذيل:(وامتازوا اليوم أيها المجرمون). . انعزلوا هكذا بعيداً عن المؤمنين !
ألم أعهد إليكم - يا بني آدم - ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ? . .
ونداؤهم هنا (يا بني آدم). . فيه من التبكيت ما فيه . وقد أخرج الشيطان أباهم من الجنة ثم هم يعبدونه , وهو لهم عدو مبين .
(وأن اعبدوني). . (هذا صراط مستقيم). .
واصل إليّ مؤد إلى رضاي .
فلم تحذروا عدوكم الذي أضل منكم أجيالاً كثيرة . . (أفلم تكونوا تعقلون ?).
وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يعلن الجزاء الأليم , في تهكم وتأنيب:
(هذه جهنم التي كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون)!