ولا يقف المشهد عند هذا الموقف المؤذي ويطويه . بل يستطرد العرض فإذا مشهد جديد عجيب:
(اليوم نختم على أفواههم , وتكلمنا أيديهم , وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون). .
وهكذا يخذل بعضهم بعضاً , وتشهد عليهم جوارحهم , وتتفكك شخصيتهم مزقاً وآحاداً يكذب بعضها بعضاً . وتعود كل جارحة إلى ربها مفردة , ويثوب كل عضو إلى بارئه مستسلماً .
إنه مشهد عجيب رهيب تذهل من تصوره القلوب !
الدرس السابع 66 - 67 مشاهد ساخرة للكفار يوم القيامة
كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة وأيديهم تتكلم , وأرجلهم تشهد , على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم وعلى غير ما كانوا ينتظرون . ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك , ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد . . ويعرض هنا نوعين من هذا البلاء لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء:
(ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط , فأنى يبصرون ; ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون). .
وهما مشهدان فيهما من البلاء قدر ما فيهما من السخرية والاستهزاء . السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين , الذين كانوا يقولون: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ?). .
فهم في المشهد الأول عميان مطموسون . ثم هم مع هذا العمى يستبقون الصراط ويتزاحمون على العبور , ويتخبطون تخبط العميان حين يتسابقون ! ويتساقطون تساقط العميان حين يسارعون متنافسين ! (فأنى يبصرون)
وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأة في مكانهم , واستحالوا تماثيل لا تمضي ولا تعود ; بعد أن كانوا منذ لحظة عمياناً يستبقون ويضطربون !
وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمى واللعب , في حال تثير السخرية والهزء . وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون !
الدرس الثامن:68 شيخوخة منكسة للكفار
ذلك كله حين يحين الموعد الذي يستعجلون . . فأما لو تركوا في الأرض , وعمروا طويلاً وأمهلهم الوعد المرسوم بعض حين ; فإنهم صائرون إلى شر يحمدون معه التعجيل . . إنهم صائرون إلى شيخوخة وهرم , ثم إلى خرف ونكسة في الشعور والتفكير:
(ومن نعمره ننكسه في الخلق . أفلا يعقلون). .
والشيخوخة نكسة إلى الطفولة . بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة ! وما يزال الشيخ يتراجع , وينسى ما علم , وتضعف أعصابه , ويضعف فكره , ويضعف احتماله , حتى يرتد طفلاً . ولكن الطفل محبوب اللثغة , تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة . والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة , وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز . وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون !
فهذه العاقبة كتلك تنتظر المكذبين , الذين لا يكرمهم الله بالإيمان الراشد الكريم . .