العظام وهي رميم ? قل:يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون . أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ? بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له:كن . فيكون). . ويبدأ هذا المقطع بمواجهة الإنسان بواقعه هو ذاته في خاصة نفسه . وهذا الواقع يصور نشأته وصيرورته مما يراه واقعا في حياته , ويشهده بعينه وحسه مكرراً معاداً . ثم لا ينتبه إلى دلالته , ولا يتخذ منه مصداقاً لوعد الله ببعثه ونشوره بعد موته ودثوره . .
(أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين). .
فما النطفة التي لا يشك الإنسان في أنها أصله القريب ? إنها نقطة من ماء مهين , لا قوام ولا قيمة ! نقطة من ماء تحوي ألوف الخلايا . . خلية واحدة من هذه الألوف هي التي تصير جنينا . ثم تصير هذا الإنسان الذي يجادل ربه ويخاصمه ويطلب منه البرهان والدليل !
والقدرة الخالقة هي التي تجعل من هذه النطفة ذلك الخصيم المبين . وما أبعد النقلة بين المنشأ والمصير ! أفهذه القدرة يستعظم الإنسان عليها أن تعيده وتنشره بعد البلى والدثور ?
(وضرب لنا مثلاً - ونسي خلقه - قال:من يحيي العظام وهي رميم . قل:يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم). .
يا للبساطة ! ويا لمنطق الفطرة ! ومنطق الواقع القريب المنظور !
وهل تزيد النطفة حيوية أو قدرة أو قيمة على العظم الرميم المفتوت ? أو ليس من تلك النطفة كان الإنسان ? أو ليست هذه هي النشأة الأولى ? أو ليس الذي حول تلك النطفة إنساناً , وجعله خصيماً مبيناً بقادر على أن يحول العظم الرميم مخلوقاً حياً جديداً ?
إن الأمر أيسر وأظهر من أن يدور حوله سؤال . فما بال الجدل الطويل ?!
(قل:يحييها الذي أنشأها أول مرة . وهو بكل خلق عليم). .
ثم يزيدهم إيضاحاً لطبيعة القدرة الخالقة , وصنعها فيما بين أيديهم وتحت أعينهم مما يملكون:
(الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون). .
والمشاهدة الأولية الساذجة تقنع بصدق هذه العجيبة ! العجيبة التي يمرون عليها غافلين . عجيبة أن هذا الشجر الأخضر الريان بالماء , يحتك بعضه ببعض فيولد ناراً ; ثم يصير هو وقود النار . بعد اللدونة والاخضرار . . والمعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة التي يختزنها الشجر الأخضر من الطاقة الشمسية التي يمتصها , ويحتفظ بها وهو ريان بالماء ناضر بالخضرة ; والتي تولد النار عند الاحتكاك , كما تولد النار عند الاحتراق . . هذه المعرفة العلمية تزيد العجيبة بروزاً في الحس ووضوحاً . والخالق هو الذي أودع الشجر خصائصه هذه . والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . غير أننا لا نرى الأشياء بهذه العين المفتوحة ولا نتدبرها بذلك الحس الواعي .
فلا تكشف لنا عن أسرارها المعجبة . ولا تدلنا على مبدع الوجود . ولو فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها , ولعشنا معها في عبادة دائمة وتسبيح !
ثم يستطرد في عرض دلائل القدرة وتبسيط قضية الخلق والإعادة للبشر أجمعين:
(أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ? بلى وهو الخلاق العليم). .