الدرس السادس:21 - 23 لجوء الناس إلى الله عند الشدة ونسيانه عند الرخاء وحين ينتهي السياق من عرض ما يقول المستخلفون وما يفعلون , يعود إلى الحديث عن بعض طبائع البشر , حين يذوقون الرحمة بعد الضر . كما تحدث من قبل عنهم حين يصيبهم الضر ثم ينجون منه . ويضرب لهم مثلا مما يقع في الحياة يصدق ذلك , فيقدمه في صورة مشهد قوي من مشاهد القرآن التصويرية:
(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم , إذا لهم مكر في آياتنا . قل:الله أسرع مكراً , إن رسلنا يكتبون ما تمكرون . هو الذي يسيركم في البر والبحر , حتى إذا كنتم في الفلك , وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف , وجاءهم الموج من كل مكان , وظنوا أنهم أحيط بهم , دعوا الله مخلصين له الدين:لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق . يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا , ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون). .
عجيب هذا المخلوق الإنساني لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة , ولا يثوب إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة . فإذا أمن فإما النسيان وإما الطغيان . . ذلك إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن , مجلوة دائما بجلاء الإيمان . .
(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم , إذا لهم مكر في آياتنا). .
كذلك صنع قوم فرعون مع موسى . فكلما أخذوا بعذاب استغاثوا به ووعدوا بالعدول عما هم فيه . فإذا ذاقوا الرحمة مكروا في آيات الله وأولوها على غير وجهها , وقالوا:إنما رفع عنا الرجز بسبب كذا وكذا . . وكذلك صنعت قريش وقد أجدبت وخافت الهلاك , فجاءت محمدا تناشده الرحم أن يدعو الله فدعاه فاستجاب له بالسقيا , ثم مكرت قريش بآية الله وظلت فيما هي فيه ! وهي ظاهرة مطردة في الإنسان ما لم يعصمه الإيمان .
(قل:الله أسرع مكرا . إن رسلنا يكتبون ما تمكرون). .
فالله أقدر على التدبير وإبطال ما يمكرون . ومكرهم مكشوف لديه ومعروف , والمكر المكشوف إبطاله مضمون:
(إن رسلنا يكتبون ما تمكرون). .
فلا شيء منه يخفى , ولا شيء منه ينسى . أما من هم هؤلاء الرسل وكيف يكتبون , فذلك غيب من الغيب الذي لا نعرف عنه شيئا إلا من مثل هذا النص , فعلينا أن ندركه دون ما تأويل ولا إضافة لدلالة اللفظ الصريح .
ثم ذلك المشهد الحي , الذي يعرض كأنه يقع , وتشهده العيون , وتتابعه المشاعر , وتخفق معه القلوب . يبدأ بتقرير القدرة المسيطرة المهيمنة على الحركة والسكون:
(هو الذي يسيركم في البر والبحر). .
ذلك أن السورة كلها معرض لتقرير هذه القدرة التي تسيطر على أقدار الكون كله بلا شريك .
ثم ها نحن أولاء أمام المشهد القريب:
(حتى إذا كنتم في الفلك). .
وها هي ذي الفلك تتحرك رخاء . .
(وجرين بهم بريح طيبة). .