هم يشركون به غيره . . ثم يشقون في النهاية بهذا كله . . يشقون لأنهم لا ينتفعون بهذا الذي هو شفاء لما في الصدور ! وإنه لتعبير عجيب عن حقيقة عميقة . . إن هذا القرآن شفاء لما في الصدور بكل معنى من معاني الشفاء . . إنه يدب في القلوب فعلاً دبيب الشفاء في الجسم المعلول ! يدب فيها بإيقاعه ذي السلطان الخفي العجيب . ويدب فيها بتوجيهاته التي توقظ أجهزة التلقي الفطرية , فتهتز وتتفتح وتتلقى وتستجيب . ويدب فيها بتنظيماته وتشريعاته التي تضمن أقل احتكاك ممكن بين المجموعات البشرية في الحياة اليومية . ويدب فيها بإيحاءاته المطمئنة التي تسكب الطمأنينة في القلوب إلى الله , وإلى العدل في الجزاء , وإلى غلبة الخير , وإلى حسن المصير . .
وإنها لعبارة تثير حشداً وراء حشد من المعاني والدلائل , تعجز عنها لغة البشر ويوحي بها هذا التعبير العجيب !
الدرس الثامن:61 - 67 اطلاع الله على كل شيء وطمأنينة أولياء الله أمام الأعداء
لا يشكرون . . والله هو المطلع على السرائر , المحيط بكل مضمر وظاهر , الذي لا يغيب عن علمه ولا يبعد عن متناوله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . . هذه هي اللمسة الجديدة للمشاعر والضمائر في السياق , ليخرج منها إلى طمأنة الرسول [ ص ] ومن معه بأنهم في رعايته وولايته , لا يضرهم المكذبون , الذين يتخذون مع الله شركاء وهم واهمون:
وما تكون في شأن , وما تتلو منه من قرآن , ولا تعملون من عمل , إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ; وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء , ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة , لا تبديل لكلمات الله , ذلك هو الفوز العظيم . ولا يحزنك قولهم , إن العزة لله جميعاً , هو السميع العليم , ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض , وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء , إن يتبعون إلا الظن , وإن هم إلا يخرصون . هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً , إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون .
إن الشعور بالله على النحو الذي تصوره الآية الأولى من هذا السياق:
وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن , ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . . شعور مطمئن ومخيف معاً , مؤنس ومرهب معاً . . وكيف بهذا المخلوق البشري وهو مشغول بشأن من شؤونه يحس أن الله معه , شاهدً أمره وحاضر شأنه . الله بكل عظمته , وبكل هيبته , وبكل جبروته , وبكل قوته . الله خالق هذا الكون وهو عليه هين . ومدبر هذا الكون ما جل منه وما هان . . الله مع هذا المخلوق البشري . الذرة التائهة في الفضاء لولا عناية الله تمسك بها وترعاها ! إنه شعور رهيب . ولكنه كذلك شعور مؤنس مطمئن . إن هذه الذرة التائهة ليست متروكة بلا رعاية ولا معونة ولا ولاية . . إن الله معها:
(وما تكون في شأن , وما تتلو منه من قرآن , ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . .)
إنه ليس شمول العلم وحده , ولكن شمول الرعاية , ثم شمول الرقابة . .
(وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين). .