والولد أقرب من يكون إلى العون في هذه الأحوال . والبشر يستكثرون من المال الذي يجلبونه لأنفسهم بالجهد الذي يبذلونه , والولد يعين على الجهد الذي يجلب المال . . .
وهكذا إلى سائر ما اقتضته حكمة الخالق لعمارة هذه الأرض , حتى ينقضي الأجل , ويقضي اللّه أمراً كان مفعولاً .
وليس شيء من ذلك كله متعلقاً بالذات الإلهية , فلا الحاجة إلى الامتداد , ولا الحاجة إلى العون عند الشيخوخة , ولا الحاجة إلى النصير , ولا الحاجة إلى المال . ولا الحاجة إلى شيء ما مما يخطر أو لا يخطر على البال متعلقة بذات اللّه تعالى . .
ومن ثم تنتفي حكمة الولد , لأن الطبيعة الإلهية لا يتعلق بها غرض خارج عن ذاتها , يتحقق بالولد . وما قضت حكمة اللّه أن يتوالد البشر إلا لأن طبيعتهم قاصرة تحتاج إلى هذا النوع من التكملة . فهي تقتضي الولد اقتضاء . وليست المسألة جزافاً .
ومن ثم كان الرد على فرية: (قالوا اتخذ اللّه ولداً). . هو:
(سبحانه ! هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض).
(سبحانه ! . .)تنزيها لذاته العلية عن مستوى هذا الظن أو الفهم أو التصور . (هو الغنى). . بكل معاني الغنى , عن الحاجات التي أسلفنا وعن سواها مما يخطر ومما لا يخطر على البال . مما يقتضي وجود الولد . والمقتضيات هي التي تسمح بوجود المقتضيات , فلا يوجد شيء عبثاً بلا حاجة ولا حكمة ولا غاية . (له ما في السماوات وما في الأرض). فكل شيء ملكه . ولا حاجة به - سبحانه - لأن يملك شيئاً بمساعدة الولد . فالولد إذن عبث . تعالى اللّه سبحانه عن العبث !
ولا يدخل القرآن الكريم في جدل نظري حول الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية , مما جد عند المتكلمين , وفي الفلسفات الأخرى . لأنه يلمس الموضوعات في واقعها القريب إلى الفطرة . ويتعامل مع الموضوع ذاته لا مع فروض جدلية قد تترك الموضوع الحاضر نهائياً وتصبح غرضاً في ذاتها !
فيكتفي هنا بهذه اللمسة التي تمس واقعهم , وحاجتهم إلى الولد , وتصورهم لهذه الحاجة , وانتفاء وجودها بالقياس إلى اللّه الغني الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض , ليبلغ من نفوسهم موضع الاقتناع أو موضع الإفحام , بلا جدل نظري يضعف أثر اللمسة النفسية التي تستجيب لها الفطرة في يسر وهوادة .
ثم يجبههم بالواقع , وهو أنهم لا يملكون برهاناً على ما يدعون . ويسمي البرهان سلطاناً , لأن البرهان قوة , وصاحب البرهان قوي ذو سلطان:
(إن عندكم من سلطان بهذا). .
ما عندكم من حجة ولا برهان على ما تقولون .
أتقولون على اللّه ما لا تعلمون ? . .
وقول الإنسان ما لا يعلم منقصة لا تليق . فكيف إذا كان هذا القول بلا علم على اللّه - سبحانه - ! إنه جريمة إذن أكبر من كل جريمة . فهو أولاً ينافي ما يستحقه اللّه من عباده من تنزيه وتعظيم , لأنه وصف له بمقتضيات الحدوث والعجز والنقص والقصور . تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً . ولأنه ضلال في تصور العلاقة بين