|
في ظلال القرآن
الكريم
يونس من الاية 69 الى الاية 70 قُلْ إöنَّ الَّذöينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهö الْكَذöبَ لاَ يُفْلöحُونَ (69) مَتَاعñ فöي الدُّنْيَا ثُمَّ إöلَيْنَا مَرْجöعُهُمْ ثُمَّ نُذöيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدöيدَ بöمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70)
الخالق والمخلوق , ينشأ عنه ضلال في تصور كل علاقات الحياة والناس والمعاملات . فكلها فرع من تصور هذه العلاقة . وكل ما ابتدعه الكهنة لأنفسهم في الوثنيات من سلطان ; وكل ما ابتدعته الكنيسة لها من سلطان , إنما نشأ عن تصور العلاقة بين اللّه تعالى وبناته الملائكة ! أو بين اللّه تعالى وعيسى بن مريم من صلة الأبوة والنبوة , وحكاية الخطيئة , ومنها نشأت مسألة الاعتراف , ومسألة قيام كنيسة المسيح بتوصيل الناس بأبي المسيح [ بزعمهم ] . . إلى نهاية السلسلة التي متى بدأت الحلقة الأولى فيها بفساد تصور العلاقة بين الخالق والمخلوق فسدت الحلقات التالية كلها في كل ضروب الحياة . فليست المسألة مجرد فساد في التصور الاعتقادي , ولكنه مسألة الحياة برمتها . وكل ما وقع بين الكنيسة وبين العلم والعقل من عداء , انتهى إلى تخلص المجتمع من سلطان الكنيسة بتخلصه من سلطان الدين نفسه ! إنما نشأ من هذه الحلقة . حلقة فساد تصور العلاقة بين اللّه وخلقه . وجر في ذيوله شراً كثيراً تعاني البشرية كلها ويلاته في التيارات المادية وما وراءها من بلايا وأرزاء . ومن ثم كان حرص العقيدة الإسلامية على تجلية هذه العلاقة تجلية كاملة لا لبس فيها ولا إبهام . . اللّه خالق أزلي باق , لا يحتاج إلى الولد . والعلاقة بينه وبين الناس جميعاً هي علاقة الخالق بخلقه دون استثناء . وللكون والحياة والأحياء سنن ماضية لا تتخلف ولا تحابي . فمن اتبع هذه السنن أفلح وفاز , ومن حاد عنها ضل وخسر . . الناس في هذا كلهم سواء . وكلهم مرجعهم إلى اللّه . وليس هنالك من شفعاء ولا شركاء . وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً . ولكل نفس ما عملت . ولا يظلم ربك أحداً . عقيدة بسيطة واضحة , لا تدع مجالاً لتأويل فاسد , ولا تنحني أو تنحرف بالقلب في دروب ومنحنيات , ولا في سحب وضباب ! ومن ثم يقف الجميع سواء أمام اللّه وكلهم مخاطب بالشريعة , وكلهم مكلف بها , وكلهم حفيظ عليها . وبذلك تستقيم العلاقات بين الناس بعضهم وبعض , نتيجة استقامة العلاقة بينهم وبين اللّه . (قل:إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون). . لا يفلحون أي فلاح . لا يفلحون في شöعب ولا طريق . لا يفلحون في الدنيا ولا في الأخرى . والفلاح الحقيقي هو الذي ينشأ من مسايرة سنن اللّه الصحيحة , المؤدية إلى الخير وارتقاء البشر وصلاح المجتمع , وتنمية الحياة , ودفعها إلى الإمام . وليس هو مجرد الإنتاج المادي مع تحطم القيم الإنسانية , ومع انتكاس البشر إلى مدارج الحيوانية . فذلك فلاح ظاهري موقوت , منحرف عن خط الرقي الذي يصل بالبشرية إلى أقصى ما تطيقه طبيعتها من الاكتمال . (متاع في الدنيا . ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون). . مجرد متاع واط . وهو متاع قصير الأمد . وهو متاع مقطوع لأنه لا يتصل بالمتاع اللائق بالبشرية في الدار الآخرة . إنما يعقبه (العذاب الشديد)ثمرة للانحراف عن سنن اللّه الكونية المؤدية إلى المتاع العالي اللائق ببني الإنسان . الوحدة الثالثة:71 - 103 الموضوع:إهلاك الكافرين واستخلاف الآخرين من خلال القصص القرآني مقدمة الوحدة الإشارة في هذه السورة إلى القرون الخالية , وما كان من عاقبة تكذيبهم لرسلهم , واستخلاف من بعدهم لاختبارهم: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات , وما كانوا ليؤمنوا , كذلك نجزي القوم المجرمين , ثم جعناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون . . كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولاً فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط:(ولكل أمة رسول , فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون). فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين , فيسوق طرفاً من قصة نوح مع قومه , وطرفاً من قصة موسى مع فرعون وملئه , تتحقق فيهما عاقبة التكذيب , والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها , وإبلاغها رسالته , وتحذيرها عاقبة المخالفة . كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب , فرفع عنها ونجت منه بالإيمان . . وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين , لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون . ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين . وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - [ ص ] - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على اللّه الكذب وينسبون إليه شركاء:(قل إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون , متاع في الدنيا , ثم إلينا مرجعهم , ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون). وذلك بعد تطمين الرسول: (ولا يحزنك قولهم . إن العزة للّه جميعاً)وبأن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . واستمر السياق بتكليف جديد:أن يقص عليهم - [ ص ] - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض , وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً . والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة , وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها . والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه ; ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق , والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع , وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر , لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة . وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - [ ص ] - والقلة المؤمنة معه , واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان . كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه . الدرس الأول:71 - 73 مشهد من قصة نوح واتل عليهم نبأ نوح , إذ قال لقومه:يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات اللّه فعلى اللّه توكلت , فأجمعوا أمركم وشركاءكم , ثم لا يكن أمركم عليكم غمة , ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون . فإن توليتم فما سألتكم من أجر , إن أجري إلا على اللّه , وأمرت أن أكون من المسلمين . فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك , وجعلناهم خلائف , وأغرقنا الذين كذبوا بآيانتا , فانظر كيف كان عاقبة المنذرين . . إن الحلقة التي تعرض هنا من قصة نوح , هي الحلقة الأخيرة:حلقة التحدي الأخير , بعد الإنذار الطويل والتذكير الطويل والتكذيب الطويل . ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان , ولا التفصيلات في تلك الحلقة , لأن الهدف هو إبراز التحدي والاستعانة باللّه وحده , ونجاة الرسول ومن معه وهم قلة , وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة . لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة إلى حلقة واحدة . ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة , لأن هذا هو مقتضى السياق في هذا الموضع . (واتل عليهم نبأ نوح , إذ قال لقومه:يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات اللّه فعلى اللّه توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم . ثم لا يكن أمركم عليكم غمة . ثم اقضوا إلي ولا تنظرون). . إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق , فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم ; وتذكيري لكم بآيات اللّه . فأنتم وما تريدون . وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على اللّه: (فعلى اللّه توكلت). . عليه وحده فهو حسبي دون النصراء والأولياء . (فأجمعوا أمركم وشركاءكم). . وتدبروا مصادر أمركم وموارده , وخذوا أهبتكم متضامنين: ثم ولا يكن أمركم عليكم غمة . . بل ليكن الموقف واضحاً في نفوسكم , وما تعتزمونه مقرراً لا لبس فيه ولا غموض , ولا تردد فيه ولا رجعة . (ثم اقضوا إلي). . فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم , بعد الروية ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه . . (ولا تنظرون). . ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد , فكل استعدادي , هو اعتمادي على اللّه وحده دون سواه . إنه التحدي الصريح المثير , الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته , واثق كل الوثوق من عدته , حتى ليغري خصومه بنفسه , ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه ! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة ? وماذا كان معه من قوى الأرض جميعاً ? كان معه الإيمان . . القوة التي تتصاغر أمامها القوى , وتتضاءل أمامها الكثرة , ويعجز أمامها التدبير . وكان وراءه اللّه الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان ! إنه الإيمان باللّه وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه . فليس هذا التحدي غروراً , وليس كذلك تهوراً , وليس انتحاراً . إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان . وأصحاب الدعوة إلى اللّه لهم أسوة حسنة في رسل اللّه . . وإنه لينبغي لهم أن تمتلئ قلوبهم بالثقة حتى تفيض . وإن لهم أن يتوكلوا على اللّه وحده في وجه الطاغوت أياً كان ! ولن يضرهم الطاغوت إلاّ أذى - ابتلاء من اللّه لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه , ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه . ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف . ثم تعود الكرة للمؤمنين . ويحق وعد اللّه لهم بالنصر والتمكين . واللّه سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح . فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب , (فإن توليتم فما سألتكم من أجر . إن أجري إلا على اللّه . وأمرت أن أكون من المسلمين). . السابق - التالي
|