حد الاعتدال والاستقامة على طريق الهدى , ذلك أنهم يعطلون مداركهم التي أعطاها اللّه لهم ليتدبروا بها ويتبينوا . وبمثل هذا التعطيل , تغلق قلوبهم وتوصد منافذها:(كذلك نطبع على قلوب المعتدين). .
حسب سنة اللّه القديمة في أن القلب الذي يغلقه صاحبه ينطبع على هذا ويجمد ويتحجر , فلا يعود صالحاً للتلقي والاستقبال . . لا أن الله يغلق هذه القلوب ليمنعها ابتداء من الاهتداء . فإنما هي السنة تتحقق مقتضياتها في جميع الأحوال .
الدرس الثالث:75 - 77 اتهام آل فرعون لموسى بأنه ساحر مفسد
فأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي , وينهيها عند غرق فرعون وجنوده , على نطاق أوسع مما في قصة نوح , ملماً بالمواقف ذات الشبه بموقف المشركين في مكة من الرسول - [ ص ] - وموقف القلة المؤمنة التي معه .
وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى , مقسمة إلى خمسة مواقف , يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به . . وهذه المواقف الخمسة تتتابع في السياق على هذا النحو:
(ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا , فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين . فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا:إن هذا لسحر مبين . قال موسى:أتقولون للحق لما جاءكم , أسحر هذا ? ولا يفلح الساحرون . قالوا:أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا , وتكون لكما الكبرياء في الأرض ? وما نحن لكما بمؤمنين). .
والآيات التي بعث بها موسى إلى فرعون وملئه هي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف . ولكنها لا تذكر هنا ولا تفصل لأن السياق لا يقتضيها , والإجمال في هذا الموضع يغني . والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات اللّه:
(فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين). .
(فلما جاءهم الحق من عندنا). .
بهذا التحديد . . (من عندنا). . ليصور شناعة الجريمة فيما قالوه عن هذا الحق الصادر من عند اللّه:
(قالوا:إن هذا لسحر مبين). .
بهذا التوكيد المتبجح الذي لا يستند مع هذا إلى دليل . . (إن هذا لسحر مبين). . كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المكذبون في جميع العصور ! فهكذا قال مشركو قريش , كما حكي عنهم في مطلع السورة , على تباعد الزمان والمكان , وعلى بعد ما بين معجزات موسى ومعجزة القرآن !
(قال موسى:أتقولون للحق لما جاءكم . أسحر هذا ? ولا يفلح الساحرون). .
وقد حذف من استنكار موسى الأول ما دل عليه الثاني . فكأنه قال لهم:أتقولون للحق لما جاءكم:هذا سحر ? أسحر هذا ? وفي السؤال الأول استنكار لوصف الحق بالسحر , وفي السؤال الثاني تعجيب من أن يقول أحد عن هذا إنه سحر . فالسحر لا يستهدف هداية الناس , ولا يتضمن عقيدة , وليس له فكرة معينة عن الألوهية وعلاقة الخلق بالخالق ; ولا يتضمن منهاجاً تنظيمياً للحياة . فما يختلط السحر بهذا ولا يلتبس . وما كان الساحرون ليؤدوا عملاً يستهدف مثل هذه الأغراض , ويحقق مثل هذا الاتجاه ; وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف .