وهنا يكشف الملأ عن حقيقة الدوافع التي تصدهم عن التسليم بآيات اللّه:
(قالوا:أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا , وتكون لكما الكبرياء في الأرض ? وما نحن لكما بمؤمنين). .
وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة , التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي . وهو الخوف على السلطان في الأرض , هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة .
إنها العلة القديمة الجديدة , التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات , وانتحال شتى المعاذير , ورمي الدعاة بأشنع التهم , والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة . . إنها هي "الكبرياء في الأرض" وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير , بكل ما فيها من زيف , وبكل ما فيها من فساد , وبكل ما فيها من أوهام وخرافات . لأن تفتح القلوب للعقيدة الصحيحة , واستنارة العقول بالنور الجديد , خطر على القيم الموروثة , وخطر على مكانة الطغاة ورهبتهم في قلوب الجماهير , وخطر على القواعد التي تقوم عليها هذه الرهبة وتستند . إنها الخوف على السلطان القائم على الأوهام والأصنام ! وعلى تعبيد الناس لأرباب من دون اللّه . . ودعوة الإسلام - على أيدي الرسل جميعاً - إنما تستهدف تقرير ربوبية اللّه وحده للعالمين ; وتنحية الأرباب الزائفة التي تغتصب حقوق الألوهية وخصائصها , وتزاولها في حياة الناس . وما كانت هذه الأرباب المستخفة للجماهير لتدع كلمة الحق والهدى تصل إلى هذه الجماهير . ما كانت لتدع الإعلان العام الذي يحمله الإسلام بربوبية اللّه وحده للعالمين وتحرير رقاب البشر من العبودية للعباد . .
ما كانت لتدع هذا الإعلان العام يصل إلى الجماهير ; وهي تعلم أنه إعلان بالثورة على ربوبيتهم , والانقلاب على سلطانهم , والانقضاض على ملكهم , والانطلاق إلى فضاء الحرية الكريمة اللائقة بالإنسان !
إنها هي هي العلة القديمة الجديدة كلما قام من يدعو إلى اللّه رب العالمين !
وما كان رجال من أذكياء قريش مثلاً ليخطئوا إدراك ما في رسالة محمد - [ ص ] - من صدق وسمو , وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد . ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة , القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد . كما خشي الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض , فقالوا متبجحين:
وما نحن لك بمؤمنين !
الدرس الرابع:79 - 82 المباراة بين موسى والسحرة وإيمانهم
وتعلق فرعون وملؤه بحكاية السحر , وأرادوا - في أغلب الظن - أن يغرقوا الجماهير بها , بأن يعقدوا حلقة للسحرة يتحدون بها موسى وما معه من آيات تشبه السحر في ظاهرها , ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحراً ماهراً . وبذلك ينتهي الخطر الذي يخشونه على معتقداتهم الموروثة , وعلى سلطانهم في الأرض , وهو الأساس . . ونرجح أن هذه كانت الدوافع الحقيقية لمهرجان السحرة , بعدما أفصح القوم عن شعورهم بالخطر الحقيقي الذي يتوقعونه:
(وقال فرعون:ائتوني بكل ساحر عليم . فلما جاء السحرة قال لهم موسى:ألقوا ما أنتم ملقون . فلما ألقوا قال موسى:ما جئتم به السحر , إن اللّه سيبطله , إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين , ويحق اللّه الحق بكلماته ولو كره المجرمون). .
ونلاحظ هنا اختصاراً في موقف المباراة , لأن نهايته هي المقصودة . وفي قولة موسى: (ما جئتم به السحر). . رد على تهمة السحر التي وجهت إليه . فالسحر هو هذا الذي يصنعه هؤلاء , لأنه ليس أكثر من تخييل