مِقدمِة :
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه واتبع هداه وبعد ..
فان الحج موسم من مواسم الطاعة ، وعمود من أعمدة الدين ، وركيزة من ركائز الإسلام ، شعائر ومشاعر ، يجب أن يعيشها المسلم ، ويحياها المؤمن ، ليأخذ منها الدرس والعبرة ، ويستخلص منها السلوك والتطبيق ، في هذا الموسم تزدان الأرض بوفود الحجيج ، وتضيء السماء بنور الملأ الاعلي ، وتتألق الكعبة ، وسط الدنيا ، وسرة الأرض ، ومركز المعمورة ، وبؤرة التقي والصلاح، و مصدر النور والإيمان ، ومنبع الصفاء والنقاء...!!
الحج أخلاق تكتسب " الْحَجُّ أَشْهُرñ مَّعْلُومَاتñ فَمَن فَرَضَ فöيهöنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جöدَالَ فöي الْحَجّö وَمَا تَفْعَلُواْ مöنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإöنَّ خَيْرَ الزَّادö التَّقْوَى وَاتَّقُونö يَا أُوْلöي الأَلْبَابö "(البقرة:197)...
الحج شعائر تعظم " ذَلöكَ وَمَن يُعَظّöمْ شَعَائöرَ اللَّهö فَإöنَّهَا مöن تَقْوَى الْقُلُوبö " (الحج:32)... " ذَلöكَ وَمَن يُعَظّöمْ حُرُمَاتö اللَّهö فَهُوَ خَيْرñ لَّهُ عöندَ رَبّöهö وَأُحöلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إöلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنöبُوا الرّöجْسَ مöنَ الْأَوْثَانö وَاجْتَنöبُوا قَوْلَ الزُّورö "(الحج:30) ..مناسك ومؤتمر ، تضحية وفداء ..!
إنها مشاعر لا توصف ، وأحاسيس لا تكتب ، إنما يستطعمها الذي يؤديها ، ويحسها الذي يلبي نداءها ، ويستشعرها الذي يحضرها ، فينظر الكعبة ، و يعانق الحجر ، ويصلي عند المقام ، يسعي كما سعت هاجر عليها السلام ، ويضحي كما ضحي إبراهيم عليه السلام ، ويطع كما أطاع إسماعيل عليه السلام ، ويطوف كما طاف محمد عليه الصلاة والسلام ، ويقبل الحجر كما قبل عمر رضي الله عنه ، فقط عن حب ورغبة وإخلاص ، لعل قدم تأتي مكان قدم ، وطواف يأتي مكان طواف ، وسعي يأتي مكان سعي ، فيزداد الإيمان و يكون الغفران ، وينتشر الأمن ويأتي الأمان .......!!! وهذه بعض الخواطر والمعاني رزقني الله إياها ، فأحببت أن اكتبها لتعم الفائدة ، نفعني الله وإياكم بها ، ورزقني الله وإياكم الإخلاص...اللهم ارزقنا حجا مبرورا ، وذنبا مغفورا ، وسعيا مشكورا .
خميس النقيب
خواطر حول فريضة الحج - الفصل الأول ( ذكريات وعظات )
إن الله اصطفي لحج بيته عبادا ، وجعل لهم مواسم وأعيادا ، وهيأ لهم علي فراش كرامته مهادا ، وكتب لهم زيارة بيته ليكونوا لدينه عمادا ، يتذاكرون الماضي ، ويعيشون الحاضر ، ويبنون المستقبل ، علي درب الأولين من الأنبياء والمرسلين ..!! هكذا أعمال الحج ...!!
في هذه الأيام العشر، في قمة الصالحات ، يؤدي المسلمون مناسك الحج ، فيتقدمون من كل حدب وصوب ، من أطراف المعمورة ، بالبر وبالبحر وبالجو ، قاصدين الديار المقدسة ليطوفوا بالبيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا ، مشهد ضخم ، وميدان رحب ، يعج بالملبين ، لينة في طاعة الله أعضاؤهم ، خاشعة لأوامر الله قلوبهم ، ى تلهج بالذكر والدعاء ألسنتهم ، تعطر الجو والتاريخ أنفاسهم ، نشيد ثائر ، وهتاف صادق ، وشعار رائع لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك لبيك ، مظاهرة متلاطمة الأمواج للعباد الذين ذهبوا طاعة لله عز وجل يرجون رحمته ويخافون عذابه ، يحبون لقاءه ويوقنون في عطاءه ..!!
ذكريات وعظات :
* يتذكر المسلم هناك أبيه الأول إبراهيم وهو يودع ثمرة فؤاده ومهجة قلبه ، ولده إسماعيل ، وزوجته هاجر ، في مكان قفر...!! صحراء جرداء ، لا زرع ولا ماء ، لا نفر عنده ولا ثمر ، وينطلق إلي ربه متطلعا إلي ثوابه ، ومؤملا في رضوانه ...! تستوقفه الزوجة المؤمنة المخلصة هاجر رضي الله عنها .. إلي أين ؟ !! إلي أين ؟ !! ثم تستدرك ألله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ، قالت: إذن لن يضيعنا ، طاعة لله مطلقة ، ويقين في الله ثابت ، وتوكل علي الله عظيم ، شعار رائع لمن يريد العمل لله ، لمن يريد اليقين في الله ، لمن يريد تعبيد الأرض لله ...!! وذهب إبراهيم ، وبقيت هاجر ومعها إسماعيل الرضيع ونفد الطعام ، وراح الماء ، وعطش الرضيع ، وأخذت هاجر تروح وتجيء سبعة مرات ، ذهابا وإيابا ، حتى أنهكها الجهد ، وهدها العطش ، أرسل الله إليها ينبوع الرحمة في صحراء البأس ، أرسل إليها ينبوع الرأفة في بيداء العدم ، ماء طاهرا مطهرا هو شفاء لكل علة ، ودواء لكل داء ، طعام طعم وشفاء سقم ، انه ماء زمزم ، شرب منه إسماعيل ، وشربت هاجر ، وشرب إبراهيم ، وشربت الأمة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ...!!وخلد الله ذلك في القران ، العمل الذي قامت به هاجر ، والموقف الذي كانت فيه هاجر ، والأمة التي تنتسب إليها هاجر، تسعي الأمة كما سعت ، وتتعبد لله بما جاء ذكره في سورة البقرة إلي يوم الدين " إöنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مöن شَعَآئöرö اللّهö فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوö اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهö أَن يَطَّوَّفَ بöهöمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإöنَّ اللّهَ شَاكöرñ عَلöيمñ "(البقرة:158)
نبيان كريمان :
*يتذكر المسلم هناك إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت " وَإöذْ يَرْفَعُ إöبْرَاهöيمُ الْقَوَاعöدَ مöنَ الْبَيْتö وَإöسْمَاعöيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مöنَّا إöنَّكَ أَنتَ السَّمöيعُ الْعَلöيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلöمَيْنö لَكَ وَمöن ذُرّöيَّتöنَا أُمَّةً مُّسْلöمَةً لَّكَ وَأَرöنَا مَنَاسöكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إöنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحöيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فöيهöمْ رَسُولاً مّöنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهöمْ آيَاتöكَ وَيُعَلّöمُهُمُ الْكöتَابَ وَالْحöكْمَةَ وَيُزَكّöيهöمْ إöنَّكَ أَنتَ العَزöيزُ الحَكöيمُ " (البقرة 129:127) إبراهيم عليه السلام غايته توحيد الله في الأرض وتعبيد الناس لرب الناس وإنجاب الأولاد ليس من اجل الطعام والشراب ولا من اجل العزوة والمتعة فحسب وإنما من اجل أن يركعوا لله ويسجدوا من اجل قضيه التوحيد من اجل الدعوة والرسالة ورفع راية العقيدة عاليه "رَّبَّنَا إöنّöي أَسْكَنتُ مöن ذُرّöيَّتöي بöوَادٍ غَيْرö ذöي زَرْعٍ عöندَ بَيْتöكَ الْمُحَرَّمö رَبَّنَا لöيُقöيمُواْ الصَّلاَةَ"( إبراهيم :37) عندما كبر إسماعيل كانا يرفعان القواعد من البيت وكانت التسلية ليست غناء تافها أو طربا مذموما أو لهوا ممقوتا كلا ..! وإنما اللجوء إلى الله والاستعانة به والدعاء من اجل اقامه الحق في الأرض ، ما كانت ألامه الاسلاميه بطولها وعرضها وما كان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقودها، ويسوسها، ويرفع من شانها، ويعلى من مكانتها إلا نتيجة هذا الدعاء وما كان هذا البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وآمنا إلا عن طريق سواعد هذين النبيين الكريمين . كيف ؟!!
إنهما من قمم الخير الذين يُذكرون في الكتاب الخالد (القران الكريم ) لا بأشكالهم وإنما بمناقبهم ، لا بحسبهم وإنما بشمائلهم ، لا بألوانهم وإنما بأعمالهم ، بما قدموا للبشرية من عطاء وبما أهدوا للناس من خير، وبما حفظوا للحق من عهود ، وبما صدقوا مع الله من وعود" وَاذْكُرْ فöي الْكöتَابö إöسْمَاعöيلَ إöنَّهُ كَانَ صَادöقَ الْوَعْدö وَكَانَ رَسُولاً نَّبöيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بöالصَّلَاةö وَالزَّكَاةö وَكَانَ عöندَ رَبّöهö مَرْضöيّاً "(مريم/55:54) . ونحن نتعبد لله بذكرهم، ونخطو في طريقنا إلي الله خطوهم ، واذكر في الكتاب إسماعيل..! من إسماعيل ؟!! انه الغلام الذي جاء في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء بعد طول انتظار ، " رب هب لي من الصالحين "(الصافات/100) . انه صادق الوعد مع ربه " ..يا أبت افعل ما تؤمر .." (الصافات/102) . ومع نفسه حين قدم المشيئة ومن ثم نجح في الابتلاء "..ستجدني إنشاء الله من الصابرين "(الصافات/102). انه الذي رفع مع أبيه الخليل عليه السلام القواعد من البيت ليتعبد الناس لرب الناس إلي إن يرث الله الأرض ومن عليها " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم "(البقرة :127) . وفي هذا المكان المقفر وفي هذا الجو الموحش كان الدعاء الخالد لا لأنفسهما ، بل للأجيال من بعدهما ...!! الدعاء بالهدايه والتوبة وهذه أخلاق الكبار "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وارنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم "(البقرة/128) . ثم رجاء أخر " ربنا وابعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياتك ويذكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .." (البقرة/129) . يرجون الخير للأجيال من بعدهم ..!! ماذا كانت النتيجة ؟!! غلام ليس كأي غلام وإنما " فبشرناه بغلام عليم "(الصافات/101) !! وأمة ليست كأي امة وإنما " كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .." (آل عمران/110) . وأنت أيها القارئ الحبيب وأنا العبد الفقير إلي الله وغيرنا كثيرون من نتاج هذا الدعاء ومن لبنات هذه الأمة نحسب أنفسنا كذلك ولا نزكيها علي الله ولله الفضل والمنة، ...!! ونبي ليس كأي نبي وإنما"وانك لعلي خِلق عظِيم "(القلم/4) "..بالمؤمنين رؤف رحيم "(التوبة/128) . بل والعمل الذي كانا يعملانه ويسليان نفسيهما فيه بالدعاء والرجاء لا باللهو والغناء أصبح أفضل بقعة علي وجه الأرض "أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدي للعالمين"(آل عمرا 96) وائمن مكان في هذه الدنيا "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا..."(البقرة/125) . "فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان أمنا... "(أل عمرن/97) . إنها دعوات الكبار وعزائم الأبطال وهمم القمم، ، إنها دعوات لا ترفضها السماء ولا يردها رب السماء ، لأنها ليست شخصية وإنما عامة ، لست وقتية وإنما مستمرة ، ليست لمصلحة بعينها وإنما لخيري الدنيا والآخرة ، إن إبراهيم عليه السلام وهو قمة بل امة " إن إبراهيم كان امة..."(النحل/120) . يرجوا الأولاد لا للعزوة ولا للمتعة وإنما ليسجدوا لله ويركعوا " ...ليقيموا الصلاة... " (إبراهيم/37) وجاء إسماعيل علي نفس درب أبيه " وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا "(مريم/55) . فإذا رزقت الأولاد لا تجبن بهم عن طاعة ، ولا تقعد بهم عن عبادة ، ولا تدفع بهم إلي معصية ، قمم الخير كذلك يذكرون بأعمالهم " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار"(ص/45) . كل الناس لهم أيدي ولهم أبصار ..!! أما في هذا الموقف فان هؤلاء القمم لديهم ذكاء حاد ، وباع طويل ، وبصيرة ثاقبة ، قدرات هائلة في زرع الخير للناس ، وتقديم الهداية للخلق ، ومن الخير ومن الهداية إن الله كتب لك الحج فجاء بك إلي الحرم ، تؤدي مناسكه ، أو تستشعر روحانياته ، أو تعيش لحظاته ، أو تحي حركاته وسكناته...!! ، إن الله يشرفهم بالانتساب إليه أولا"عبادنا" و ثانيا بذكرهم أنهم "أولي الأيدي والأبصار". ثم الذين من بعدهم يربطون الأرض بالسماء ويصلون الخلق بالخالق ، الأنبياء والمرسلين ، والصحابة والتابعين ، والصالحين المصلحين إلي يوم الدين ....!!
أين نحن من هذه المناسك ؟ أين نحن من هذه المحطات ؟ أين نحن من هذه الشعائر وهذه المشاعر ؟ هل كل مستطيع يلبي ؟ هل كل مستطيع يجيب ؟ نسأل الله أن يكون ....!!!
الطاعة والفداء وإهداء رب السماء :
*يتذكر المسلم إبراهيم عليه السلام وهو يقدم ولده لله " يَا بُنَيَّ إöنّöي أَرَى فöي الْمَنَامö أَنّöي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى.. " فيجيب الولد " يَا أَبَتö افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ " نحن نري صباح مساء من يذبح ولده ، ومن يذبح والده ، ومن يذبح زوجته، من اجل الشيطان لا من اجل الرحمن ..!! أما الخليل فقد تمكن من الإخلاص لله ، وتمكن من سلامة القلب ، وتمكن من التوحيد الخالص ، فجاء الفداء من الله تعالي " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إöنّöي أَرَى فöي الْمَنَامö أَنّöي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتö افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجöدُنöي إöن شَاء اللَّهُ مöنَ الصَّابöرöينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لöلْجَبöينö* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إöبْرَاهöيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إöنَّا كَذَلöكَ نَجْزöي الْمُحْسöنöينَ* إöنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبöينُ* وَفَدَيْنَاهُ بöذöبْحٍ عَظöيمٍ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهö فöي الْآخöرöينَ * سَلَامñ عَلَى إöبْرَاهöيمَ* كَذَلöكَ نَجْزöي الْمُحْسöنöينَ* إöنَّهُ مöنْ عöبَادöنَا الْمُؤْمöنöينَ " ( الصافات :102-111)
لكننا لا زلنا امة طعام وشراب ، الإسلام أحوج ما يكون اليوم إلي التضحية والفداء ، أين تضحية الأمة وأين الفداء ؟!! الأمة حية لكنها تضرب في كل مكان ، والجميع يتفرج إلا من رحم ربي وعصم ، إن الله جاء بالفداء
لإبراهيم لأنه اخلص ..!!فهل نحن مخلصون ..؟!! ولأنه ضحي ...!! فهل نحن مضحون ..؟!! هل التضحية في أن نذبح ونأكل فحسب ..!! كلا إنها الرمزية لكن المطلوب أن يضحي المسلم بوقته وبعلمه ، بماله وولده ، بحياته ومماته في سبيل إعلاء كلمة الله ، ونصرة دين الله ، ذلك من التقوى التي أرادها الله " لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دöمَاؤُهَا وَلَكöن يَنَالُهُ التَّقْوَى مöنكُمْ كَذَلöكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لöتُكَبّöرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشّöرö الْمُحْسöنöينَ " ( الحج: 37 ).
الحبيب صلي الله عليه وسلم في مكة :
* يتذكر المسلم عبد الله بن عبد المطلب وهو يفتدي بمائة ناقة ، ليودع رحم أمنة بنت وهب اطهر نطفة علي وجه الأرض - محمد صلي الله عليه وسلم - وتتحقق دعوة إبراهيم وإسماعيل " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلöمَيْنö لَكَ وَمöن ذُرّöيَّتöنَا أُمَّةً مُّسْلöمَةً لَّكَ..."( البقرة :128)
يتذكر المسلم حبيبه صلي الله عليه وسلم ، وهو يتنقل من الطفولة إلي مراحل الصبا ، ينتقل من البعثة إلي الهجرة إلي العودة ، ستذكره وهو يضع الحجر ويخمد الفتنة ، ويتذكره وهو يخرج من مكة مهاجرا إلي المدينة وهو يقول " والله انك لأحب بلاد الله إلي الله وأحب بلاد الله إلي ولولا أن اهلك أخرجوني ما خرجت ...! فينزل الله عليه" إöنَّ الَّذöي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إöلَى مَعَادٍ ...."(القصص:85) " ويعود منتصرا مظفرا يوم الفتح الأكبر في عشرة آلاف مسلم وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
*يتذكر محمد صلي الله عليه وسلم وقد كان يحب قبلة أجداده السابقون من الأنبياء والمرسلين ، وأراد الله عز وجل أن يحول وجوههم صوب القدس بعد الهجرة ، لكن النبي المرسل ، والرسول المؤدب ، لم يشأ أن يقترح حتى مجرد اقتراح ..! أو أن يدعو حتى مجرد دعاء ..! لتحويل القبلة ..وإنما كان يقلب وجهه في السماء ، في أدب جم ، وسمو فريد ، وتواضع رفيع ، مع ربه وخالقه ورازقه ... !!هل يغير شرع الله ؟ كلا !! هل يتحايل علي أمر الله ؟ كلا !! هل يبتدع في دين الله ؟ كلا ثم كلا !!! حاش لله أن يفعل ذلك رسول الله ...فما بال الذين يغيرون شرع الله في كل صباح ..قوانين وضعية ..وقرارات أرضية... ، عادات اجتماعية ...وسلوكيات فردية وجماعية..إعراض تنتهك ، وحقوق تغتصب ، وحريات تمتهن، بل دماء تسكب ، وأرواح تزهق باسم قوانين وقرارات وعادات وسلوكيات ما انزل الله بها من سلطان....!! ، قال جابر رضي الله عنه : خطبنا صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : أي يوم أعظم حرمة ؟ فقالوا : يومنا هذا قال : فأي شهر أعظم حرمة ؟ قالوا : شهرنا قال : أي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا : بلدنا هذا قال : فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد صحيح وقال صلي الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه صحيح البخاري كان المسلمون يتجهون في صلاتهم إلي ييت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، ؟ وكان النبي صلي الله عليه وسلم فقط يحدث نفسه أن تحول القبلة إلي مكة إلي الكعبة إلي البيت الحرام ، إلي المكان الذي بلغ فيه مراتع الصبا وعلي أرضه درجت قدماه ، ومن سمائه استقبل وحي الله ، إلي رمز الأمة وكرامة الأمة وكعبة الأمة ، كان النبي يقلب وجهه في السماء تأدبا مع ربه وما أجمل أن يتأدب المخلوق مع خالقه في طلباته وفي رغباته ، في حركاته وفي سكناته ، في يسره وعسره في غناه وفقره في صحته وسقمه في قوته وضعفه " َقدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهöكَ فöي السَّمَاء فَلَنُوَلّöيَنَّكَ قöبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّö وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجöدö الْحَرَامö وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوöهَكُمْ شَطْرَهُ وَإöنَّ الَّذöينَ أُوْتُواْ الْكöتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مöن رَّبّöهöمْ وَمَا اللّهُ بöغَافöلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ "(البقرة144) ..كان النبي يحب ويرغب لكن هل يقترح ؟ لا هل يطلب ؟ لا !!لان الدين لا يتغير والشرع لا يتبدل وهو رسول الله ومصطفاه وحبيبه وخليله فلا يحب أبدا أن يطلب منه تغييرا في الشرع أو تبديلا في الدين لكنه كان يرغب أن يتحول قبل الكعبة فلا حظت السماء هذه الملاحظة ..مثلما كان أيوب عليه السلام يئن من المرض ، كان المرض يذبحه ذبحا كل يوم ، لكنه كان متأدبا مع ربه لا يقترح عليه حتى مجرد الشفاء " وَأَيُّوبَ إöذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّöي مَسَّنöيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحöمöينَ "(الأنبياء83).. مسني الضر وأنت يارب به اعلم والعبد عندما يرجع إلي ربه ، يناديه ويخشاه و ، فان الله يهديه إلي مبتغاه ، يلبي طلباته ويحقق رغباته ، هكذا الأنبياء وكذا سالكي درب الأنبياء ....!! الصالحين المصلحين ، الذين يبلغون دعوة الله، ويحفظون الدين و يحملون هم المسلمين ،
"ألَّذöينَ يُبَلّöغُونَ رöسَالَاتö اللَّهö وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إöلَّا اللَّهَ وَكَفَى بöاللَّهö حَسöيباً "(الأحزاب39 )..
اللهم ارزقنا حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا ، اللهم نجنا من عذاب القبور ، ونجنا من هول النشور ، واجعلنا في الآخرة من أهل السعادة والسرور ، اللهم سدد خطانا إليك ، شرفنا بالعمل لدينك ، ووفقنا للجهاد في سبيلك ، وغير حالنا لمرضاتك ، امنحنا التقوى وأهدنا السبيل وارزقنا الإلهام والرشاد ، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ، ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين
خواطر حول فريضة الحج - الفصل الأول ( ذكريات وعظات )