الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: وقفات في ذكرى الهجرة
الكاتب: الدكتور عبد الرحمن البر
التصنيف: دعوة
المصدر:الشبكة الدعوية

وقفات في ذكرى الهجرة

وقفات في ذكرى الهجرة

1 - الإخلاص في الهجرة 

الإخلاص للّه تعالى في كل عمل هو أساس قبوله ، ومحور صلاحه ، وقد كانت الهجرة درسا بليغا في ذلك ، وكان التأكيد على الإخلاص فيها أشد ، حتى اختصت الهجرة من بين سائر الأعمال الصالحة بأن ضُرöب بها المثل في ذلك .

فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابöt قَالَ : سَمöعْتُ النَّبöيَّr يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّمَا الْأَعْمَالُ بöالنّöيَّاتö، وَإöنَّمَا لöكُلّö امْرöئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هöجْرَتُهُ إöلَى الله وَرَسُولöهö فَهöجْرَتُهُ إöلَى الله وَرَسُولöهö ، وَمَنْ هَاجَرَ إöلَى دُنْيَا يُصöيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهöجْرَتُهُ إöلَى مَا هَاجَرَ إöلَيْهö» .

وكان المهاجرون الكرام رضوان الله عليهم على تمام العلم بذلك ، وعلى كمال الإخلاصö في هجرتهم ، كما وصفتهم بذلك الآيات والأحاديث الكثيرة .

فقد أخرج البخاري عن خَبَّاب بن الأرت tقَالَ : «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولö اللَّهö rنَبْتَغöي وَجْهَ اللَّهö وَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهö ، فَمöنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مöنْ أَجْرöهö شَيْئًا ، مöنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ...» الحديث .

أجل ، خرجوا يريدون وجه الله ، لا ينتظرون أجرًاممن سواه وشهد لهم بذلك ربُّ العزة جلّ وعلا ، فقال : ]لöلْفُقَرَاءö المُهَاجöرöينَ الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöن دöيَارöهöمْوَأَمْوَالöهöمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّöنَ اللهوَرöضْوَاناًوَيَنصُرُونَ اللهوَرَسُولَهُ أُوْلَئöكَ هُمُ الصَّادöقُونَ[ (الحشر:8)

ولم يحفظ لنا التاريخ منْ هاجر لمعني آخر ، إلا رجلاً واحداً ، هاجر يبتغى الزواج من إحدى المهاجرات .

فعن عبد الله بن مسعود tقال : «مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغöي شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» وقال : «هاجر رجل ليتزوج امرأةً يقال لها أم قيس ، فكان يقال له : مهاجر أم قيس»(أخرجه الذهبي بسنده في سير أعلام النبلاء 10/590 وقال : «إسناده صحيح» ، وعزاه ابن حجر في الفتح 1/8 إلى سعيد بن منصور) .

وفي رواية قال :«كان فينا رجلñ خطب امرأةً يقال لها أم قيس ، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر ، فهاجر ، فتزوجها ، فكنا نسميه : مهاجر أم قيس»(أخرجه الطبراني في الكبير 9/103 (8540) وقال الهيثمي في المجمع 2/101 : «رجاله رجال الصحيح »)  

وبهذا الإخلاص وهذه التضحية استحق أولئكم النفر الكريم الفضيلة التي خصهم اللهبها ، والدعاء الذي دعا لهم به رسول الله r، بأن يتقبل الله هجرتهم ، وأن يُمضي أجرهم .

فقد أخرج الشيخان عن سَعْدö بْنö أَبöي وَقَّاصٍt أن النبي rقال وهويعوده من مرضٍ ألمَّ به «اللَّهُمَّ أَمْضö لöأَصْحَابöي هöجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابöهöمْ» الحديث .

إنها إشارة عظيمة إلى أن الأعمال الكبرى والتضحيات الجسيمة تحتاج إلى إرادة صادقة ونية مخلصة وعزيمة ماضية ، حتى لا تأخذها الأهواء بعيدا عن سواء السبيل ، ولا تنحرف بها المطامع الذاتية عن غايتها الكبرى .

فليكن لنا وقفة جادة مع أنفسنا في ظلال هذه الذكرى ونحن نغادر عاما ونستقبل آخر ، نراجع فيها مقاصدنا ونجدد فيها نياتنا ونحدد فيها طبيعة وجهتنا .

فهل يعي ذلك الدعاة الكرماء وهم يقدمون مشروعهم المبارك للأمة ، فيتسابقون ولا يتحاسدون ويبذلون وإن كانوا لا يأخذون ؟ وهل يعي ذلك إخواننا المجاهدون في ميدان الكرامة والشرف في فلسطين ، فيحيلون ميدان المعركة نارا وسعيرا على أعدائهم ، ويتنافسون في توجيه سلاح العزة إلى صدور عدوهم ، بدلا من التنافس على مغانم زائلة ومناصب فانية ؟ .

2 – إلا تنصروه فقد نصره الله

لا شك أن حدوث الهجرة على هذه الصورة التي تمت بها من أعظم الدلائل على نبوةنبينا محمدr، ولهذا سماها الله نصراً ، فقال عز وجل : ] إöلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إöذْ أَخْرَجَهُ الَّذöينَ كَفَرُوا ثَانöيَ اثْنَيْنö إöذْ هُمَا فöي الغَارö إöذْ يَقُولُ لöصَاحöبöهö لاَ تَحْزَنْ إöنَّ الله مَعَنَا[ الآية (التوبة:40).

إن مكر خصوم الدعوة بالداعية ودعوته أمرñ مستمرñ متكررñ ، سواء عن طريق الحبس أو القتلأو النفي والتضييق والإخراج من الأرض ، ولكن ثقة الداعية بربه ، ويقينه بسموّ مبدئه ، وإيمانه الكامل بدعوته ، هي عُدّته في مواجهة الشدائد ومغالبة المصاعب والعوائق ، والثقة في الله في تلك اللحظات الحرجة هي المحكُّ الحقيقي لاختبار الإيمان . وعلى الداعية أن يلجأ إلى ربه وأن يثق به ويتوكل عليه ويعلم أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله .

إن آية النصرة ] إöلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله[إنما نزلت حين تثاقل البعض عن نصرته r لما استنفرهم لغزوة تبوك ، متعللين بالمشقة وبعد السفر وقلة الزاد والعسرة ، فعاتب الله تعالى المتأخرين ، ووبَّخ المنافقين المخذّöلين الساعين في الناس بالإحباط والتيئيس ، وذكَّرهم بما أنزل على عبده ونبيه من النصرة حين أخرج من مكة ثاني اثنين ، وكأنما يناديهم وينادي الأمة في كل حين : إن تركتم نصره وقعدتم عن نصرة رسالته فالله يتكفل به º إذ قد نصره في مواطن القلة ، وأظهره على عدوه ، وأيده بجنود من الملائكة ، وكذلك يفعل دائما .

إن على الأمة أن تقرأ هذه القصة قراءة متأنية ، وأن تقرأ واقعها في ضوء الآية ، فتثق بنصر الله للصادقين الصامدين الواثقين بربهم وبدينهم وبرسالتهم .

إن الآية والقصة – ولها في القرآن والسيرة مُثُلñ ونظائر- تؤكد ضرورة الحركة الدائبة للداعية ، من غير يأس ولا ملل ، والبحث الحثيث الدائمعن منافذ جديدة وأساليب جديدة ، وعدم الخضوع لمحاولات التضييق أو الاستجابة للضغوط المختلفة لإيقاف مسيرة الدعوة ، فها هو النبي  r حين ضاقت عليه مكة وضيّق عليه أهلها اتجه إلى الطائف ، ثم إلى قبائل العرب المختلفة ، دون أن تؤيسه المقولة التي كثر ترددها على ألسنة العرب (كما في صحيح البخاري) : «دعوه وقومه فإن يظهر عليهم نؤمن به» ، وهكذا ظل يدعو إلى أن جاء الفرج بعد أن نفضت كل قبائل العرب يدها من نصرة الدعوة خشية استعداء قريش ]فَأََنزَلَ اللَّهُ سَكöينَتَهُ عَلَيْهö وَأَيَّدَهُ بöجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلöمَةَ الَّذöينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلöمَةُ الله هöيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزöيزñ حَكöيم[.

فهل تعي الأمة وهل يعي أهل الرأي والعقل فيها هذا الدرس العظيم في هذه الظروف الشديدة التي تعيشها أمتنا ، حتى تبصر طريق الخروج من أزمتها ، وسبيل تجاوز مشاكلها ، فتصحح ما فسد وتقوم ما اعوج ، وتتخذ سبيل الرشد بدلا من سبيل الغي ؟.

3 - صور رائعة من التضحية

دونك أخي الكريمبعض مشاهد العظمة في طريق الهجرة المباركة ، وهي مشاهد تؤكد طبيعةأولئك النفر الذين ربّاهم رسول الله rبنفسه ، وصنعهم على عينه ، فنضَّر بهم وجه الدنيا ، وبيض بهم وجه الحياة ، فلم تكن هجرتُهم إلا طلبًا لما عند الله ولم يكن خروجهم إلا ابتغاء وجهه ، فرضي الله عنهم وأرضاهم .

]لöلْفُقَرَاءö المُهَاجöرöينَ الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöن دöيَارöهöمْوَأَمْوَالöهöمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّöنَ اللهوَرöضْوَاناًوَيَنصُرُونَ اللهوَرَسُولَهُ أُوْلَئöكَ هُمُ الصَّادöقُونَ[ (الحشر:8)

فهم يبتغون فضل الله ورضوانه ، ويسعون بهجرتهم إلى نصر الله ورسوله ، مجاهدين لأهوائهم ، معاندين لشياطينهم ، صادقين في أغراضهم وأهدافهم .

وهذا رسولُ الله rيشرحö طرفا من هذه المجاهدة ، ثم يذكر نتيجته المحتومة .

فقد أخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان وحسنه ابن حجر عَنْ سَبْرَةَ بْنö أَبöي فَاكöهٍt قال : سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö rيَقُولُ : «إöنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لöابْنö آدَمَ بöأَطْرُقöهö ، فَقَعَدَ لَهُ بöطَرöيقö الْإöسْلَامö فَقَالَ : تُسْلöمُ وَتَذَرُ دöينَكَ وَدöينَ آبَائöكَ وَآبَاءö أَبöيكَ! فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بöطَرöيقö الْهöجْرَةö فَقَالَ : تُهَاجöرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ! وَإöنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجöرö كَمَثَلö الْفَرَسö فöي الطّöوَلö!(الحبل الذي تشد به الفرس) فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بöطَرöيقö الْجöهَادö فَقَالَ : تُجَاهöدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسö وَالْمَالö! فَتُقَاتöلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ  ،فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهö r : فَمَنْ فَعَلَ ذَلöكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهö عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخöلَهُ الْجَنَّةَ ... » الحديث

لقد امتلأ هذا الحدث العظيم بكثيرٍ من مشاهد العظمة والتجرد والتضحية ، التي تعطي الأمة دروسًا بليغةً في بناء المجد وتحصيل العزة ، ويحتاج شباب الأمة أن يدرسوها في ظل الظروف الشديدة التي تمر بها الأمة ، حتى يتبصروا سبيل النجاة والفلاح.

وهاك بعضَ هذه المشاهد -كما هي -بلا تزويق ولا ترويق ، وليحاول كلُّ مسلم أن يستنبط الدروس ويتلمس العبر من هذه المشاهد العظيمة .

ا -هجرة صهيب بن سنان درس في التضحية :

كانت هجرة صهيب tعملاً تتجلى فيه روعة الإيمان ، وعظمة التجردللّه ، حيث ضحّى بكل ما يملك في سبيل الله ورسوله واللحوق بكتيبة التوحيد والإيمان .

فقد أخرج الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (وله شواهد متعددة) عن صهيبt قال :قال رسول الله r: «أرöيتُ دارَ هجرتكم ، سَبْخَةً بين ظهراني حَرَّة ، فإمّا أن تكونهَجْراً أو تكون يثرب».

قال :وخرج رسول الله rإلى المدينة ، وخرج معه أبو بكر ، وكنتُ قد هممتُبالخروج معه ، فصَّدني فتيانñ من قريش ، فجعلتُ ليلتي تلك أقوم ولا أقعد ، فقالوا : قدشغله الله عنكم ببطنه -ولم أكن شاكيًا -فناموا ، فلحقني منهم ناسñ بعد ما سöرْتُ بريدًا (حوالي اثني عشر ميلا)º ليردوني ، فقلت لهم : هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب ، وتخلُّون سبيلي ، وتَفُون لي؟ فتبعتُهم إلى مكة ، فقلت لهم : احفروا تحت أُسْكُفَّة الباب (أي عتبته)، فإنتحتها الأواق ، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحُلَّتين .

وخرجتُ حتى قدمتُ على رسول الله rقبل أن يتحوّل منها -يعني قباء –فلمارأني قال : «يا أبا يحيى ، ربح البيع». ثلاثاً . فقلت : يا رسول الله ، ما سبقني إليك أحد ،وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام.

وأخرج الحاكم وصححه عن أنس tأن في قصة صهيب نزلت على النبي r]وَمöنَ النَّاسö مَن يَشْرöي نَفْسَهُ ابْتغَاءَ مَرْضَاتö الله[(البقرة:207).

اللهم إنا نشهدك -ولا نزكي عليك إلا ما زكيت -أن صهيبًا ما فعل ذلك ، وماانحاز إلى الفئة المؤمنة إلا ابتغاء مرضاتك ، بالغًا ما بلغ الثمن ، ليضرب لشباب الإسلام مثلاً في التضحية عزيز المنال ، عساهم يسيرون على الدرب ، ويقتفون الأثر .

2 -هجرة آل أبي سلمة درس في الثبات:

هذا مشهدñ أخرñ يضارع المشهد السابق عظمةً وجلالاً ، ويرسم صورة حية للثبات على الحق مهما تكن المصاعب والعقبات . إنها أسرةñ مؤمنةñ باعت نفسهاللّه ، تتكون من أب وأم وطفلٍ ، أصابهم في سبيل الهجرة إلى الله ورسوله ما أصابهم ، فتحملوا صابرين ، وهاجروا مؤمنين ، وجاهدوا مثابرين .

وقد أخرج ابن إسحاق بسند حسن هذه القصة على لسان أم سلمة رضي الله عنها، وخلاصتها :أنها لما خرجت مع زوجها أبي سلمة وابنها سلمة منعها رهطها من الهجرة مع زوجها ، مما أثار غضب رهط أبي سلمة ، فقالوا : والله لا نتركابننا عندها ، فتجاذبوا ابنها سلمةَ بينهم ، حتى خلعوا يده ، وانطلق به رهط أبي سلمة ، وحبسها رهطها عندهم ، وانطلق زوجها أبو سلمة إلى المدينة .ففرق بينها وبين زوجها وبين ابنها .

فما زال تخرج وتبكي ، سنةً أو قريبًا منها ، حتى مرّ بها رجل من بني عمها ،فرحمها وكلم أهلها فسمحوا لها باللحاق بزوجها ، ورُدَّ إليها ابنها ، وخرجت مهاجرة إلى الله ورسوله r .

قالت أم سلمة : والله ما أعلم أهل بيتö في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة .

الله أكبر الله أكبر!أرأيتم أثر الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ؟ !

هذه أسرة فُرّöق شملها ، وامرأة تبكى شدة مصابها ، وطفل خلعت يده وحُرöم منأبويه ، وزوج وأبñ يسجل أروع صور التضحية والتجردº ليكون أول مهاجر يصل أرض الهجرة ، محتسبين في سبيل الله ما يلقون ، مصممين على المضيّ في طريق الإيمان ، والانحياز إلى كتيبة الهدى ، فماذا عسى أن ينال الكفر وصناديده من أمثال هؤلاء؟!

إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

 3 -هجرة ضَمُرَة بن جُندب درس في ترك التماس المعاذير والرخص

ثالث هذه المشاهد يرينا ما كان عليه هذا الجيل الكريم من سرعة في امتثال الأمر ، وتنفيذه في النشاط وöالشدة ، كائنة ما كانت ظروفهم ، فلا يلتمسون لأنفسهم المعاذير في القعود ، ولا يطلبون الرخص للتخلف عن الركب .

فقد فرض الله الهجرة على المؤمنين بحيث أن «كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة ، وليس متمكنًا من إقامة الدين ، فهو ظالمñ مرتكب حرامًا بالإجماع » كما قال ابن كثير .لكن الله أعفى من هذا الفرض المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المحبوسينبعذرٍ أو مرض ولا حيلة لهم ، فقال تعالى ] إöنَّ الَّذöينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائöكَةُ ظَالöمöي أَنفُسöهöمْ قَالُوا فöيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفöينَ فöي الأَرْضö قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهوَاسöعَةً فَتُهَاجöرُوا فöيهَا فَأُوْلَئöكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُوَسَاءَتْ مَصöيراً . إöلاَّ المُسْتَضْعَفöينَ مöنَ الرّöجَالöوَالنّöسَاءöوَالْوöلْدَانö لاَ يَسْتَطöيعُونَ حöيلَةًوَلاَيَهْتَدُونَ سَبöيلاً . فَأُوْلَئöكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْوَكَانَ الله عَفُواًّ غَفُوراً[

وقد كان ضَمُرَةُ بن جُندبtمريضًا ذا عذر ، لكنه أراد أن يلحق بركب التوحيد إلىأرض الإيمان ، بالغةً ما بلغت المشقة.

فقد أخرج أبو يعلى والطبراني بسند رجاله ثقات وله شواهد عن ابن عباسö yقال :«خرج ضَمُرة بن جُندُبt من بيته مهاجرًا :فقال لأهله :احملوني ، فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله r. فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي r، فنزل الوحي:] وَمَن يُهَاجöرْ فöي سَبöيلö الله يَجöدْ فöي الأَرْضö مُرَاغَماً كَثöيراًوَسَعَةًوَمَن يَخْرُجْ مöنْ بَيْتöهö مُهَاجöراً إöلَى اللهوَرَسُولöهö ثُمَّ يُدْرöكْهُ المَوْتُ فَقَدْوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهوَكَانَ الله غَفُوراً رَّحöيماً[(النساء :100) .

فهذا الرجل قد رأى أنه ما دام له مالñ يستعين به ويحمل به إلى المدينة ، فقد انتفي عذره . وهذا فقهñ أملاه الإيمان ، وزكاه الإخلاص واليقين . فهل يفقه ذلك الكسالى المتقاعسون الذين يعتذرون عن المشاركة الجادة في خدمة رسالتهم ، وحمل مشروعهم الإصلاحي ؟.

4 – هجرة عياش بن أبي ربيعة درس في أن وعي الأمة يحميها من خداع أعدائها :

من الصفحات التي يجب أن تُقرَأ في كتاب الهجرة المباركة : قصة هجرة المستضعفين الذين غررت بهم قريش ، واستغلت سلامة نياتهم في فتنتهم ، فقراءة هذه الصفحة تحيي وتنمّöي الوعي، فتعالوا نقرأ معا ما فعلته قريش ببعض المسلمين .

أخرج ابن إسحاق بسند صحيح عَنْ عُمَرَ بْنö الْخَطّابö ،( قَالَ : «اتّعَدْتُ -لَمّا أَرَدْنَا الْهöجْرَةَ إلَى الْمَدöينَةö - أَنَا وَعَيّاشُ بْنُ أَبöي رَبöيعَةَ ، وَهöشَامُ بْنُ الْعَاصöي بْنö وَائöلٍ السّهْمöيّ التّناضöبَ مöنْ أَضَاةö بَنöي غöفَارٍ ، فَوْقَ سَرöفٍ (هذا الموضع في شمال شرقي مكة ، يسمى اليوم : الردينة، وفيه قبر أم المؤمنين ميمونة ) وَقُلْنَا : أَيّنَا لَمْ يُصْبöحْ عöنْدَهَا فَقَدْ حُبöسَ فَلْيَمْضö صَاحöبَاهُ . قَالَ : فَأَصْبَحْت أَنَا وَعَيّاشُ بْنُ أَبöي رَبöيعَةَ عöنْدَ التّنَاضُبö ، وَحُبöسَ عَنّا هöشَامñ ، وَفُتöنَ فَافْتُتöنَ(أي استجاب للكفر بعد الإسلام) .

فَلَمّا قَدöمْنَا الْمَدöينَةَ نَزَلْنَا فöي بَنöي عَمْرöو بْنö عَوْف ٍ بقُباءٍ وَخَرَجَ أَبُو جَهْلö بْنö هöشَامٍ وَالْحَارöثُ بْنُ هöشَامٍ إلَى عَيّاشö بْنö أَبöي رَبöيعَةَ ، وَكَانَ ابْنَ عَمّهöمَا وَأَخَاهُمَا لöأُمّهöمَا ، حَتّى قَدöمَا عَلَيْنَا الْمَدöينَةَ ، وَرَسُولُ اللّهö ( بöمَكّةَ ، فَكَلّمَاهُ وَقَالَا : إنّ أُمّك قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهَا مُشْطñ حَتّى تَرَاك ، وَلَا تَسْتَظöلّ مöنْ شَمْسٍ حَتّى تَرَاك . فَرَقّ لَهَا ، فَقُلْت لَهُ : يَا عَيّاشُ إنّهُ وَاَللّهö إنْ يُرöيدَك الْقَوْمُ إلّا لöيَفْتöنُوك عَنْ دöينöك ، فَاحْذَرْهُمْ ، فَوَاَللّهö لَوْ قَدْ آذَى أُمَّك الْقَمْلُ لَامْتَشَطَتْ ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدّ عَلَيْهَا حَرّ مَكّةَ لَاسْتَظَلّتْ . قَالَ : فَقَالَ : أَبَرّ قَسَمَ أُمّي ، وَلöي هُنَالöكَ مَالñ فَآخُذُهُ . قَالَ : فَقُلْت : وَاَللّهö إنّك لَتَعْلَمُ أَنّي لَمöنْ أَكْثَرö قُرَيْشٍ مَالًا ، فَلَك نöصْفُ مَالöي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا . قَالَ : فَأَبَى عَلَيّ إلّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا º فَلَمّا أَبَى إلّا ذَلöكَ قَالَ : قُلْت لَهُ : أَمّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْت ، فَخُذْ نَاقَتöي هَذöهö فَإöنّهَا نَاقَةñ نَجöيبَةñ ذَلُولñ (سهلة الركوب والانقياد) فَالْزَمْ ظَهْرَهَا ، فَإöنْ رَابَك مöنْ الْقَوْمö رَيْبñ فَانْجُ عَلَيْهَا . فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا ، حَتّى إذَا كَانُوا بöبَعْضö الطّرöيقö قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ يَا ابْنَ أَخöي ، وَاَللّهö لَقَدْ اسْتَغْلَظْتُ بَعöيرöي هَذَا ، أَفَلَا تُعْقöبَنöي عَلَى نَاقَتöك هَذöهö ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَنَاخَ وَأَنَاخَا لöيَتَحَوّلَ عَلَيْهَا ، فَلَمّا اسْتَوَوْا بöالْأَرْضö عَدَوْا عَلَيْهö فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ ثُمّ دَخَلَا بöهö مَكّةَ ، وَفَتَنَاهُ فَافْتُتöنَ (أي استجاب للكفر بعد الإسلام).

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنöي بöهö بَعْضُ آلö عَيّاشö بْنö أَبöي رَبöيعَةَ : أَنّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بöهö مَكّةَ دَخَلَا بöهö نَهَارًا مُوثَقًا ، ثُمّ قَالَا : يَا أَهْلَ مَكّةَ ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بöسُفَهَائöكُمْ ، كَمَا فَعَلْنَا بöسَفöيهöنَا هَذَا .

 قَالَ : فَكُنّا نَقُولُ : مَا اللّهُ بöقَابöلٍ مöمّنْ اُفْتُتöنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً ، قَوْمñ عَرَفُوا اللّهَ ثُمّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرö ، لöبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ! قَالَ : وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلöكَ لöأَنْفُسöهöمْ .

فَلَمّا قَدöمَ رَسُولُ اللّهö r الْمَدöينَةَ ، أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فöيهöمْ وَفöي قَوْلöنَا وَقَوْلöهöمْ لöأَنْفُسöهöمْ )قُلْ يَا عöبَادöيَ الّذöينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسöهöمْ لَا تَقْنَطُوا مöنْ رَحْمَةö اللّهö إöنّ اللّهَ يَغْفöرُ الذّنُوبَ جَمöيعًا إöنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحöيمُ . وَأَنöيبُوا إöلَى رَبّكُمْ وَأَسْلöمُوا لَهُ مöنْ قَبْلö أَنْ يَأْتöيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمّ لَا تُنْصَرُونَ . وَاتّبöعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزöلَ إöلَيْكُمْ مöنْ رَبّكُمْ مöنْ قَبْلö أَنْ يَأْتöيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ( قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابö : فَكَتَبْتهَا بöيَدöي فöي صَحöيفَةٍ وَبَعَثْت بöهَا إلَى هöشَامö بْنö الْعَاصöي ، قَالَ : فَقَالَ هöشَامُ بْنُ الْعَاصöي : فَلَمّا أَتَتْنöي جَعَلْت أَقْرَؤُهَا بöذöي طُوًى (هذا المكان يشمل اليوم : العُتَيبة ، وجَرول ، والطَندَباوي، ومعظم شارع المنصور ) أُصَعّدُ بöهَا فöيهö وَأُصَوّبُ وَلَا أَفْهَمُهَا ، حَتّى قُلْت : اللّهُمّ فَهّمْنöيهَا . قَالَ : فَأَلْقَى اللّهُ تَعَالَى فöي قَلْبöي أَنّهَا إنّمَا أُنْزöلَتْ فöينَا ، وَفöيمَا كُنّا نَقُولُ فöي أَنْفُسöنَا وَيُقَالُ فöينَا . قَالَ : فَرَجَعْت إلَى بَعöيرöي ، فَجَلَسْت عَلَيْهö ، فَلَحöقْتُ بöرَسُولö اللّهö r وَهُوَ بöالْمَدöينَةö ».

وقد كان النبي ( يدعو لهؤلاء المستضعفين في صلاته ، ويدعو على الساعين في فتنتهم ، حتى أذن الله بالفرج ، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ( أَنَّ النَّبöيَّ ( كَانَ إöذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مöنْ الرَّكْعَةö الْآخöرَةö يَقُولُ : «اللَّهُمَّ أَنْجö عَيَّاشَ بْنَ أَبöي رَبöيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجö سَلَمَةَ بْنَ هöشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجö الْوَلöيدَ بْنَ الْوَلöيدö اللَّهُمَّ أَنْجö الْمُسْتَضْعَفöينَ مöنْ الْمُؤْمöنöينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سöنöينَ كَسöنöي يُوسُف» ...الحديث .

إن هذه القصة وغيرها تؤكد وجوب التنبه الدائم لمحاولات الأعداء فتنة الدعاة واستغلال سلامة نياتهم في الإيقاع بهم ، وضرورة الحذر من الوقوع في الفتنة ، فالمؤامرة مستمرة ، والأعداء متربصون يعملون بمكر الليل والنهار لبلوغ أهدافهم وفتنة المؤمنين عن دينهم ورسالتهم ، وعلى الدعاة أن يكونوا أكثر إدراكا وأعظم وعيا وقدرة على إحباط هذا المكر .

4- الهجرة باقية لا تنقطع

كانت الهجرة إلى رسول r قبل فتح مكة واجبة ، فلما فتح الله مكة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وأتت الوفود من كل صوب وحَدَب تعلن إسلامها وولاءها ، وأظهر الله الإسلام ، وصار المسلم يعبد ربه حيث شاء  قَالَ رَسُولُ الله r : «لَا هöجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحö ، وَلَكöنْ جöهَادñ وَنöيَّةñ ، وَإöذَا اسْتُنْفöرْتُمْ فَانْفöرُوا» (أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس).

وجاء مجاشع بن مسعود وأخوه yإلى النبي r فقالا:بَايöعْنَا عَلَى الْهöجْرَةö. فَقَالَ r : «مَضَتْ الْهöجْرَةُ لöأَهْلöهَا» فَقالا : عَلَامَ تُبَايöعُنَا؟ قَالَ : «عَلَى الْإöسْلَامö وَالْجöهَادö». (أخرجه البخاري)

وقصد r بذلك الهجرة من مكة خاصة ، لأنها قد صارت بالفتح دار إسلام ، وأنها لن تكون دار كفر إلى يوم القيامة ، فلا تُتصوّر منها الهجرة وقد مضت هذه الهجرة الفاضلة لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة ، فلن يلحقهم في هذا الفضل لاحق . وأما الهجرة من دار الحرب والكفر إلى دار الإسلام فباقية دائمة إلى يوم القيامة ، إذ أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما ، فحيثما وجدت العلة الداعية إلى الهجرة وجبت الهجرة ، فقد أخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عَنْ عَبْدö الله بن وقدان السعديt عن النبي r قَالَ : «لَا تَنْقَطöعُ الْهöجْرَةُ مَا قُوتöلَ الْكُفَّارُ» .

وهذا يجرنا إلى الإشارة إلى مسألة كثر الكلام عنها ، وهي :

حكم الهجرة والإقامة في بلاد غير إسلامية : لا شك أن المسلم الذي يقيم في بلاد غير إسلامية ويمنع فيها من ممارسة دينه ، أو يجبر على الردة عنه فإنه لا يحل له المقام بهذه البلاد لغير ضرورة مشروعة . فأما البلاد التي لا تمنع المسلم من ممارسة عبادته وشعائر دينه ، والتي لا تلزمه بالتخلي عن دينه وإيمانه ، كما هو الحال في أمريكا وأوربا واليابان وغيرها ، فلا بأس بالإقامة في تلك البلاد ، خصوصا للذين يستمسكون بدينهم ولا ينزلقون في الفتنة عنه ، ويجتهدون في تربية أجيالهم الناشئة على دين الحق ، خصوصا أيضا وأن المواثيق الدولية التي صدقت عليها أغلب بلدان العالم تعطي كل إنسان الحق في ممارسة دينه بلا إكراه ، كما أن التواصل الإنساني اليوم يوجب على الأمة – وبخاصة أصحاب الدين والمشروع الإصلاحي - أن يكون لها حضور قوي على المستوى الدولي من خلال الجاليات الإسلامية في تلك البلدان ، وتدعيمها وتوجيهها ليكون لها دور قوي في التقارب الإنساني ، وفي نشر القيم الفاضلة النبيلة ، التي تكاد العولمة الأمريكية الحديثة أن تعصف بها ، وليتذكر إخواننا الذين يعيشون في تلك البلاد للدراسة أو للعمل أو لغير ذلك أنهم حملة رسالة الخير والنور ، وأن من واجبهم العمل على إسعاد البشرية بنشر قيم الحق والخير التي جاء بها الإسلام الحنيف ، كما فعل سلفهم التجار في بلاد شرق آسيا من قبل .

كما أن على الجاليات المسلمة أن تكون مجتهدة في تقديم الخير لتلك البلاد ، وفي محو الصورة الذهنية السلبية التي يجتهد أعداء الإسلام في ترويجها ، لتفزيع الناس من دين الحق وتخويفهم من رسالة الهدى ، وذلك من خلال تقديم صورة عملية لأخلاق الإسلام ومعاملاته الكريمة . وتلك مهمة والله جليلة عظيمة ، ولربما أقول : هي نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله بمعناه الواسع الكريم لو صدقت النية في جلب المنافع ودفع المضار عن الأمة وإظهار الوجه المشرق للإسلام ، مما يدع الآخرين للدخول في دين الله أفواجا .

5 - المعاني الباقية للهجرة 

يبقى أيها الإخوة الكرماء أن نتذكر الهجرة المعنوية المستمرة الدائمة التي لا ينبغي أن ينفك عنها المسلم ، والتي قال عنها الإمام ابن قيم الجوزيةفي الرسالة التبوكية : «إنها فرض عين على كل أحد في كل وقت ، وإنه لا انفكاك لأحد من وجوبها ، وهي مطلوب الله ومراده من العباد ، إذ الهجرة هجرتان : هجرة بالجسم من بلدٍ إلى بلدٍ ، وهذه أحكامها معلومة .

والهجرة الثانية : الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله ، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية ، وهي الأصل ، وهجرة الجسد تابعة لها ، وهي هجرة تتضمن «من» و«إلى» ، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، ومن عبودية غيره إلى عبوديته ، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه ، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذلö والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له» .

وقال رحمه الله عن هذه الهجرة في (طريق الهجرتين وباب السعادتين) : «هجرةñ إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجأ والافتقار في كل نَفَس إليه .

وهجرةñ إلى رسوله r في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة ، بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفضيل محابّö الله ومرضاته ، ولا يقبل الله من أحدٍٍööٍٍٍ دينًا سواه ، وكل عمل سواه فعيش النفس وحظها º لا زاد المعاد»

وهاك بعضهذه المعاني الباقية الدائمة :

ا -الجهاد في سبيل الله بنية خالصة : كما في أحاديث ابن عباس ومجاشع بن مسعود وعبد الله السعديy السابقة .

وأخرج النسائي بسند رجاله ثقات عَنْ صَفْوَانَ بْنö أُمَيَّةَt قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ، إöنَّهُمْ يَقُولُونَ : إöنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إöلَّا مُهَاجöرñ؟ قَالَ : «لَا هöجْرَةَ بَعْدَ فَتْحö مَكَّةَ وَلَكöنْ جöهَادñ وَنöيَّةñ فَإöذَا اسْتُنْفöرْتُمْ فَانْفöرُوا» .

وأخرج البخاري وغيره عَنْ عَطَاءö بْنö أَبöي رَبَاحٍ قَالَ : زُرْتُ عَائöشَةَ مَعَ عُبَيْدö بْنö عُمَيْرٍ اللَّيْثöيّö ، فَسَأَلْنَاهَا عَنْ الْهöجْرَةö فَقَالَتْ : «لَا هöجْرَةَ الْيَوْمَ ، كَانَ الْمُؤْمöنُونَ يَفöرُّ أَحَدُهُمْ بöدöينöهö إöلَى الله تَعَالَى وَإöلَى رَسُولöهö r ، مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهö ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإöسْلَامَ ، وَالْيَوْمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ ، وَلَكöنْ جöهَادñ وَنöيَّةñ».

وأخرج البخاري عَنْ مُجَاهöدٍ : قُلْتُ لöابْنö عُمَرَy: إöنّöي أُرöيدُ أَنْ أُهَاجöرَ إöلَى الشَّأْمö . قَالَ : «لَا هöجْرَةَ، وَلَكöنْ جöهَادñ ، فَانْطَلöقْ فَاعْرöضْ نَفْسَكَ ، فَإöنْ وَجَدْتَ شَيْئًا وَإöلَّا رَجَعْتَ» .

وأخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ tقَالَ : جöئْتُ رَسُولَ الله r بöأَبöي أُمَيَّةَ يَوْمَ الْفَتْحö ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ الله ، بَايöعْ أَبöي عَلَى الْهöجْرَةö . فَقَالَ رَسُولُ الله r : «أُبَايöعُهُ عَلَى الْجöهَادö وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهöجْرَةُ» .

قال النووي في شرح مسلم : «قوله َr : «ولكن جهاد ونية» معناه : أن تحصيل الخير بسبب الهجرةقد انقطع بفتح مكة ، ولكن حَصّلوه بالجهاد والنية الصالحة»

2 -التوبة النصوح الصادقة وهجر الخطايا والسيئات قبل طلوع الشمس من مغربها :

أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن معاوية t قال : سمعت رسول الله r يقول : «لَا تَنْقَطöعُ الْهöجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطöعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطöعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مöنْ مَغْرöبöهَا»

وأخرج أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الله بْنö السَّعْدöيّö t أَنَّ النَّبöيَّ rقَالَ : «لَا تَنْقَطöعُ الْهöجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ» فَقَالَ مُعَاوöيَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنö بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهö بْنُ عَمْرöو بْنö الْعَاصöy :إöنَّ النَّبöيَّ rقَالَ : «إöنَّ الْهöجْرَةَ خَصْلَتَانö : إöحْدَاهُمَا : أَنْ تَهْجُرَ السَّيّöئَاتö ، وَالْأُخْرَى : أَنْ تُهَاجöرَ إöلَى اللَّهö وَرَسُولöهö ، وَلَا تَنْقَطöعُ الْهöجْرَةُ مَا تُقُبّöلَتْ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مöنْ الْمَغْرöبö ، فَإöذَا طَلَعَتْ طُبöعَ عَلَى كُلّö قَلْبٍ بöمَا فöيهö ، وَكُفöيَ النَّاسُ الْعَمَلَ»

 وهذا هو هجر السوء والسيئات والخطايا والذنوب الوارد في الأحاديث المختلفة .

فقد أخرج البخاري وغيره عَنْ عَبْدö اللَّهö بْنö عَمْرٍو yعَنْ النَّبöيّö r قَالَ : «الْمُسْلöمُ مَنْ سَلöمَ الْمُسْلöمُونَ مöنْ لöسَانöهö وَيَدöهö ، وَالْمُهَاجöرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْه»

قال ابن حجر في فتح الباري : «خصّ المهاجر بالذكر تطييبًا لقلب من لم يهاجر من المسلمين لفوات ذلك بفتح مكة ، فأعلمهم بأن من هجر ما نهي الله عنه كان هو المهاجرَ الكامل ، ويحتمل أن يكون ذلك تنبيهًا للمهاجرين أن لا يتَّكلوا على الهجرة ، فيقصّöروا في العمل» .

وفي رواية عنه عند النسائي وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم: قَالَ رَجُلñ : يَا رَسُولَ اللَّهö ، أَيُّ الْهöجْرَةö أَفْضَلُ؟ قَالَ : « أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرöهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ»

 وأخرج ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ أَنَّ النَّبöيَّ r قَالَ : «الْمُؤْمöنُ مَنْ أَمöنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالöهöمْ وَأَنْفُسöهöمْ ، وَالْمُهَاجöرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ»

 وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات وصححه ابن حبان عَنْ صَالöحö بن بَشöيرö بن فُدَيْكٍ، أَنَّ جَدَّهُ فُدَيْكًا أَتَى النَّبöيَّ r، فَقَالَ لَهُ النَّبöيُّ r:«أَقöمö الصَّلاةَ، وَائْتö الزَّكَاةَ، واهْجُرö السُّوءَ، وَاسْكُنْ بَيْنَ أَرْضö قَوْمöكَ حَيْثُ شöئْتَ»

3-إعطاء الصدقات : 

فعن أبي سعيد الخدري tقَالَ : جَاءَ أَعْرَابöيّñ إöلَى النَّبöيّö r فَسَأَلَهُ عَنْ الْهöجْرَةö ، فَقَالَ : «وَيْحَكَ إöنَّ الْهöجْرَةَ شَأْنُهَا شَدöيدñ ، فَهَلْ لَكَ مöنْ إöبöلٍ؟» قَالَ : نَعَمْ .قَالَ : «فَتُعْطöي صَدَقَتَهَا؟» قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : «فَهَلْ تَمْنَحُ مöنْهَا شَيْئًا؟ » قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : «فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وöرْدöهَا؟» قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : «فَاعْمَلْ مöنْ وَرَاءö الْبöحَارö º فَإöنَّ اللَّهَ لَنْ يَتöرَكَ مöنْ عَمَلöكَ شَيْئًا»

قال الحافظ ابن حجر في الفتح : «في حديث أبي سعيد : فضل أداء زكاة الإبل ، ومعادلة إخراج حق الله فيها لفضل الهجرة ، فإن في الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه إذا أدى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة»

6 – فوائد أخرى

إن حدث الهجرة مليء بالدروس والعبر النافعة ، نشير في ختام هذه الرسالة إلى بعضها :

1 -  ضرورة الاهتمام ببيوت الدعاة ، حتى تكون على مستوى المسئولية  المنوطة بها . وأمامنا بيت أبي بكر الصديق نموذجñ فدّñ لما ينبغي أن تكون عليه بيوت الدعاة ، فقد شارك جميع أفراد هذا البيت في هذا الأمر الجليل الخطير -أمر الهجرة -وكانوا جميعًا على مستوى المسئولية رجالاً ونساءً ، صغارًا وكبارًا ، وكان أبو بكر tعلى تمام الوعي ببيته ، والثقة بأهله وبما غرسه في نفوس الجميع من حب الدعوة والداعية ، وافتدائه بالنفس والمال ، ولما قال النبي  r:"أخرج عني من عندك " . قال : "إنما هم أهلك يا رسول الله"

2 -إقامة الدولة الإسلامية العالمية ينبغي أن يكون هدف الدعاة الأساسي والرئيسَالذي يملأ قلوبهم وعقولهم ، وتنطلق على أساسه حركتهم في الحياة ، وأن يكون هذا هو المحور الذي تدور حوله الأهداف المرحلية الأخرى القريب منها والبعيد ، والتي يقف على رأسها العملُ على إيجاد كيان سياسيٍّ وعسكريٍّ ، يحمي الدعوةَ ويهيء لها سبيل الانطلاق ، ويعينها على تفادي العقبًات والمعوّöقات ، حتى تصل إلى غاياتها السامية .  وهذا ما بدا واضحًا أنه الدافع الرئيس للهجرة التي لم تكن أبدًا فرارًا . ولا هربًا ، وإانماكانت تحوُّلاً في المواقع يتيح للدعوة إقامة الدولة حاملة لواء الدعوة ، وبناء الجيش المدافع عنها .

3 -الوطن في الإسلام هو وطن العقيدة ، قبل أن يكون وطن المولد والنشاة ، ومعأن الإسلام يزكي معاني الحب للأوطان ويراعي أنه فطرة مركوزة في النفوس ، فإنه يحذر من أن يكون ذلك سببًا للقعود عن الجهاد ، وفي الإخلاد إلى الأرض ، ويوجه المسلم إلي التضحية به ، واستبدال الأرض الحاضنة للدعوة به ، بل وحبّها عليه ، ولهذا كان r يقول حين يسمع من أصحابه المهاجرين حنينًا إلى مكة : "اللهم حبöب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد" .

4 -أهمية دور العقيدة والدين في إزالة العداوات والضغائن ، وفي التأليف بين القلوب والأرواح ، وهو دورñ لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تضطلع به . وها أنت ترى كيف جمعت العقيدة بين الأوس والخزرج ، وأزالت آثار معارك استمرت عشرات السنين ، وأغلقت ملف ثارات كثيرة في مدة جد قصيرة ، بمجرد التمسك بها والمبايعة عليها .ثم ها أنت ترى ما فعلته العقيدة في نفوس الأنصار فاستقبلوا المهاجرين بصدورمفتوحة ، وتآخوا معهم في مثالية نادرة ، لا تزال مثار الدهشة ومضرب المثل .ولا توجد في الدنيا فكرة أو شعار آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصافية فيا لنفوس . .

ومن هنا ندرك السر في سعي الأعداء الدائب إلى إضعاف هذه العقيدة ، وتقليل تأثيرها في نفوس المسلمين ، واندفاعهم المستمر نحو تزكية النعرات العصبية والوطنية والقومية وغيرها ، وتقديمها كبديل للعقيدة الصحيحة .

5 -التأكيد على أهمية دور الشباب في الأحداث الكبرى في تاريخ الأمة ، وقد برزت في الهجرة أسماء شابة كثيرة نذكر منها : مصعب بن عمير المقرئ ، وأسعد بن زرارة الأنصاري ، أصغر المبايعين سنا ، وعلي بن أبي طالب الفدائي الذي نام في فراش المهاجر الأعظم r ، وعبد الله بن أبى بكر الذي اضطلع بمهمة المخابرات ، وعامر بن فهيرة ، وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين .

6 -التأكيد على أهمية دور المرأة المسلمة في الأحداث الكبرى ، وقد لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد ، منها : عائشة بنت أبي بكر التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلَّغتها للأمة ، وأسماء ذات النطاقين ، وأم سلمة المهاجرة الصبور ، وأم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية ، وأم منيع أسماء بنتعمرو الأنصارية ، اللتين بايعتا رسول الله r ليلة العقبة مع السبعين ، وغيرهن كثير رضي الله عنهن أجمعين .

 7 -التأكيد على شمولية الإسلام والإيمان به دينًا شاملاً ينتظم أمور الدنيا والآخرة ، وهذا ما أكدته بنود البيعتين في العقبة الأولى والثانية ، فهو ليس عبادات فقط ، ولا أخلاقًا فاضلة ،فقط ، وإنما هو دين شامل كامل يوجب على من يعلن الإيمان به : عبادةَ الله وحده لا شريك له بما أمر وكما أمر ، وترك كافة الرذائل التي حرمها من السرقة والزنى وقتل الأولاد وافتراء البهتان على العباد والمعصية للّه ولرسوله ، ويلزمه بالسمع والطاعة في العسر واليسر والنشاط والكسل ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقول الحق من غير أن تأخذه في الله لومة لائم ، وبنصرته والدفاع عنه في مواجهة من يقصده بسوء .

تلك كانت بعض الفوائد والدروس ، والحدثُ الكريمُ مليء بغيرها من الطيب الكريم ، والله المسؤول أن ينفعنا بها ، وأن يوفقنا لما يحب ويرضي . .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


 


المقالات الخاصة بنفس الكاتب

Query Error