|

|
|
أ. جمعة أمين |
الإخوة الأحبة المسلمين ساكنى القلب، ومحبى الروح أينما كنتم فى مشارق الأرض ومغاربها، يا من اجتمعت قلوبنا جميعًا على محبة الله والتقت على طاعته، وتوحّدت على دعوته، وتعاهدت على نصرة شريعته، كل عام وأنتم بخير، والله نسأل أن يعيد هذه الذكرى العطرة - ذكرى هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم - والأمة الإسلامية والعربية فى أحسن حال يرضى عنه الله سبحانه وتعالى.
هذه الذكرى التي لعظمتها أرّخ بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين، وجعلها بداية عامهمº ذلك لأنها الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، والنور والظلام، والقوة والضعف، بل الطاعة والمعصية، وتمييز الرجال الذين وضعوا الفهم السليم موضع التنفيذ فكانوا (وَالسَّابöقُونَ السَّابöقُونَ)(الواقعة:10).
والمسلمون اليوم فى أمسّ الحاجة إلى الدروس المستفادة من هذه الهجرة، وما أكثرها من دروس، وما أعظمها من مواقف، وهي دروس لا يمكن أن تحصىº لأنها كلمات الله، وكلمات الله لا تنفد مهما اجتهد فى استنباط دروسها العالمون.
لقد كانت الهجرة بداية توطيد أركان الدولة، ولكن لابد للدولة من رجال، لذلك سبقت الهجرة إعداد وتربية للمهام الجسام التي تنتظرهم.. هؤلاء الرجال كانت لهم صفات أخلاقية قبل الخطوات التنفيذية، فهم أصحاب الأيدى المتوضئة، والجباه الساجدة، والأعين الدامعة، والأجساد الخاشعة، والأقدام المتورمة، والنفوس السويّة، والقلوب الرضيّة، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم فى وجوههم من أثر السجود، هانت عليهم الدنيا فاستصغروها، وعظمت فى أعينهم الآخرة فسعوا إليها سعيها، يقولون (وَعَجöلْتُ إöلَيْكَ رَبّö لöتَرْضَى)(طِه: من الآية84)
ترى فيهم من قال الله عنه (وَمöنَ النَّاسö مَن يَشْرöي نَفْسَهُ ابْتöغَاءَ مَرْضَاتö اللهö وَاللهُ رَؤُوفñ بöالْعöبَادö) (البقرة:207) ممن عاشوا فى مكة وتربوا فى دار الأرقم، وأما الذين فى المدينة فكانوا على شوق اللقاء (يُحöبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إöلَيْهöمْ)(الحشر: من الآية9) تجسّد فى الجميع معاني الحبّ والتضحية، والفداء والبذل والعطاء، والشجاعة والإقدام، غرس فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشاعر ثلاثة هى سبب كل عز ومفتاح كل نصر:
1- الشعور بعظمة الرسالة.
2- الاعتزاز بالانتساب إليها.
3- الثقة فى نصر الله لها.
وحتى لا يقول قائل إنه جيل لن يتكرر ولن يعود، أقول: من حيث الخيرية فنعم، أما من حيث المنهج وتطبيقه فلا، فمن أراد أن يعيد مجد هذه الأمة فليبدأ بما بدأ به الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
1) بناء المسجد لتخريج الرجال (فöي بُيُوتٍ أَذöنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فöيهَا اسْمُهُ يُسَبّöحُ لَهُ فöيهَا بöالْغُدُوّö وَالآَصَالö* رöجَالñ لاَ تُلْهöيهöمْ تöجَارَةñ وَلاَ بَيْعñ عَن ذöكْرö اللهö وَإöقَامö الصَّلاَةö وَإöيتَاءö الزَّكَاةö يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فöيهö الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)(النور:37)
2) المؤاخاة (إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ)(الحجرات: من الآية10)
فإذا طبقنا هذا المنهج النبوي أجرى المولى النصر على أيدينا فلا نبالي ببوش وغطرسته وتجبره، ولا شارون وطغيانه وسفاهته، أو غيرهما من المفسدين فى الأرض (وَنُرöيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ)(القصص:5)، ويتحقق فينا وعد الله (وَعَدَ اللهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُمْ فöي الأَرْضö كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذöينَ مöن قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمُ الَّذöي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُم مّöن بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنöي لاَ يُشْرöكُونَ بöي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلöكَ فَأُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ* وَأَقöيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطöيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(النور:55)
فهيا نهاجر إلى الله أولاً لنقيم الإسلام فى قلوبنا، هجرة من المعاصى والذنوبº يفتح الله بنا قلوب العباد قبل فتح البلاد 'أقيموا دولة الإسلام فى قلوبكم تقم على أرضكم'
والله نسأل أن يعيد هذه الأيام علينا جميعًا وقد مكّن الله لنا ديننا الذى ارتضى لنا.. اللهم آمينº
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|
أخوكم/ جمعة أمين
30 من ذي الحجة 1423هِ = 3/3/2003م |