في شعبان ليلة النصف محطات ونفحات ( 2 / 5)
ليلة النصف بين الاتباع والابتداع : نفحات جديدة ولمحات عديدة وعظات فريدة تشع من ليلة النصف من شعبان لتروي القلوب العطشي وتطمئن النفوس القلقة ، وتهدي العقول الحائرة .. !! بعيدا عن الشرك وابعاده ، والحقد وامراضه ، والغل واشراره ..!! ورد حديث حسن وهو ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليطّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 1144 .ان خير العبّاد و افضل الزهاد نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يخص نهار النصف من شعبان بشيء وكذلك لم يخص ليلتها بزيادة قيام أو عبادة ، وكذلك الجيل الأول المخاطب بالقرآن الكريم وأحكام رب العالمين لم يكن يخص تلك الليلة بشيء ولا نهارها، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: جماع الدين أمران: أن لا يُعبد إلا الله، وأن يُعبد الله بما شرع، فلا يجوز زيادة عبادة على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم عند أهل العلم.
لكن الصيام في شعبان ككل ..!! عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان، رواه الإمام أحمد.
ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن، كن يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهرأكثر صياما منه في شعبان. رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية عن النسائي والترمذي قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله، وفي رواية لأبى داود قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان. وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.
ما اجمل الذكر في وقت الغفلة : وذكر أهل العلم أن أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان ، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض ، فيلتحق بالفرائض في الفضل، ثم بعد انقضاء رمضان يسن صيام ست من شوال ، فأما كون شعبان تغفل الناس عنه، فإن ذلك بسبب أنه بين شهرين عظيمين، الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فاشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، و لذلك كان الإكثار من الصيام في شعبان، قال أهل العلم: وهذه لمحة يجب ان نتنبه لها و هذا كما قال اهل العلم فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، ولذا كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر كما قال: إن افضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل . ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤخر العشاء لنصف الليل، وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهل، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: انكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة رواه مسلم.
شهر السقاء و القراء : وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بالذكر في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر ولاستيلاء الغفلة على الناس ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، لتتأهب القلوب وتتروض النفوس على طاعة الرحمن، قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، وها قد مضى رجب فما أنت فاعل في شعبان إن كنت تريد رمضان،
مفسدات القلوب وممحقات للحسنات.. الشحناء والشرك: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح .اي أن الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك فتفقد نفسك ، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام وقد بين إبراهيم ما يوجب الخوف من ذلك فقال: رب انهن أضللن كثيراً من الناس .قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: الرياء ، ثم خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضا له ، وكرها له لهوى في نفسه، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا، وقد وصف الله المؤمنين عموما بأنهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم . قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصد\ر وسخاوة النفس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، فأقöل يا عبد الله حتى تُقال..عن أبو ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويمهل الكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه"الترغيب والترهيب، تأليف: المنذري 3/392، وقالعنه: إسناده صحيح .
اقوال العلماء :قال العلامة ابن بازِ رحمه الله ِ بعد أن ساق الأدلة على بدعية ذلك: ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا ِ رحمه الله : إن الله تعالى لم يشرع للمؤمنين في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في سنته عملاً خاصًّا بهذه الليلة اهِ.
وقال العلامة يوسف القرضاوي ِ حفظه الله: ليلة النصف من شعبان لم يأت فيها حديث وصل إلى درجة الصحة... ، وقال أيضا: أما ليلة النصف من شعبان فمعظم ما يفعل فيها من ان اختراع عبادة وطاعة لم تثبت، ولم يدل عليها حديث صحيح، فليس إلا بُعداً عن السنة والعمل الصالح، وقد قال الله عز وجل" فَلْيَحْذَرö الَّذöينَ يُخَالöفُونَ عَنْ أَمْرöهö أَن تُصöيبَهُمْ فöتْنَةñ أَوْ يُصöيبَهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ "(النور:63) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (البخاري).
وسنوالي الولوج في تلك المحطات لنقف عند اللمحات ونتعرض للنفحات ، تباعا باذن الله رب الارض والسموات ، القبلة مجد الاسلام والمسلمين ، عز الاسلام والمسلمين , فاستردوا الاقصي ، وحافظوا علي الكعبة ، وانعموا بهذه المحطات وتلك النفحات ..!!
اللهم اجعلنا متبعين لا مبتدعين ، اللهم تقبل منا رجب وشعبان وبلغنا رمضان ، اللهم ارزقنا الاخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي اهله وصحبه وسم ، والحمد لله رب العالمين .
خميس النقيب