الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم
الكاتب: الدكتور عبد الرحمن البر
التصنيف: دعوة
المصدر:الشبكة الدعوية

مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم

مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين
وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في الجامع الصحيح :
حدثنا محمدُ بن العَلاَء، قال: حدثنا حَمَّادُ بنُ أسامةَ، عن بُرَيْدö بن عبد الله، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : « مَثَلُ مَا بَعَثَنöي اللهُ بöهö مöنَ الْهُدَى وَالْعöلْمöö كَمَثَلö الغَيْثö الكَثيöرö أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مöنْهَا نَقöيَّةñ قَبöلَت الماءَ، فَأَنْبَتَت الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثöيرَ، وَكَانَتْ مöنْهَا أَجَادöبُ أَمْسَكَت الماءَ، فَنَفَعَ اللهُ بöهَا النَّاسَ، فَشَرöبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مöنْهَا طَائöفَةً أُخْرَى إöنَّمَا هöيَ قöيعَانñ، لاَ تُمْسöكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبöتُ كَلأً.
فذلك مَثَلُ منْ فَقُه في دينö الöله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلöمَ وعلَّم، ومَثَلُ مَنْ لَمْ يرفعْ بذلك رأساً، ولَمْ يقبلْ هدى اللهö الذي أُرْسöلْتُ به».
1-      شرح الحديث والمثل:
خلق الله العباد متفاوتين في تقديرهم للحق وقبولهم لأسباب الهدى، فجعلهم فريقين، {فَرöيقًا هَدَى وَفَرöيقًا حَقَّ عَلَيْهöمُ الضَّلالَة} (الأعراف/30)، ولم يزل الحق سبحانه وتعالى يرسل الرسل إلى الخلق وينزل الكتب عليهم ليرد الشاردين ويهدي الضالين، ويضيء بنور العلم حياة البشر ويحيي بالوحي أرواحهم، والناس أمام هذا الهدى والنور ما بين مصدق مستفيد وما بين مكذب عنيد، وفي هذا الحديث الشريف يضرب النبي صلي الله عليه وسلم لما جاء به من الدين والوحي مثلاًº بالغيث الذي يعمُّ الأرضَ عند شدَّة احتياجö الناسö إليه، فكذلك كان حالُه وحالُ الناس عند مبعثه صلي الله عليه وسلم، وكما أن الله يحيي بهذا الغيث الأرضَ الميتةَº فإنه يحيي بالدين والوحي القلوبَ الميتة. والناسُ في استقبالهم لهذا الدين وانفعالهم به وانتفاعهم بما فيه أصنافñ متباينةñ متعددةñ، كتباين أصناف الأرض في انتفاعها وانفعالها بالغيث الهاطل.
وهذا التباين ينحصر في أصناف ثلاثة:
الأول: أرض طيبة، تستقبل الماءَ فتنتفع به، فتحيا بعد موتٍ، وتهتز، وتربو، وتخرج نباتَها بإذن ربّöها من أصنافٍ شتَّى، فينتفع به الناسُ والدوابُّ والأنعامُ، كما قال تعالى {وَأَنزَلَ مöنَ السَّمَاءö مَاءً فَأَخْرَجْنَا بöهö أَزْوَاجاً مّöن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إöنَّ فöي ذَلöكَ لآيَاتٍ لأُوْلöي النُّهَى} (طِه:53-54) .
الثاني: أرضñ أَجَادöبُ صلبة، ينْزل عليها الماءُ، فلا تشربُه ولا تنتفعُ به في نفسها، لكنها مع ذلك تُمْسكُه عن التسرُّب والضياع، وتحفظه حتى يأتي الناس، فيشربوا منه، ويَسقُوا زروعَهم ودوابَّهم.
الثالث: أرضñ سَبَخَةñ قöيعَانñ ملساء، ينزل عليها الماء، فلا هي تنتفع به في نفسها، ولا هي تحفظه لينتفع به غيرها.
وكذلك الناس أمام الوحي الإلهي والهدي النبوي أصناف ثلاثة:
الأول: يبلغه الهدى والعلم فيحيا به قلبُه، ويعملُ بما فيه، ويفقهُ معانيَه، ثم ينقله إلى غيره قولاً وسلوكاً، فينتفعُ في نفسه وينفعُ غيرَه.
الثاني: يبلغه الهدى والعلمُ، وليس له فهمñ ثاقبñ أو عقلñ راسخñ، يستنبط به المعاني والأحكام، لكنه مع ذلك ذو قلبٍ حافظٍ وعقلٍ ضابطٍ، فيجمعُ هذا العلمَ ويحفظُه ويستغرقُ فيه زمانه، حتى يأتيَه طالبñ محتاجñ متعطّöشñ لما عنده قادرñ على الفقه فيه و الانتفاع به، فيؤديَه إليه، فهذا صنفñ نفع غيرَه بما بلَّغه وأدَّى إليه.
الثالث: يبلغه الهدى والعلمُ، فلا يصادف لديه قلباً حافظاً ولا عقلاً واعياً ولا فهماً مستوعباً، فلا هو ينتفعُ بما بلَغه من العلم، ولا هو يحملُه إلى مَنْ ينتفع به، بل هو يفسدُه عليه .
2 – الدين حياة القلوب والأرواح:
أشار هذا الحديث الشريف إلى معنى في غاية الأهمية، وهو حاجة الإنسان إلى الدين، التي هي مثل حاجته إلى الطعام والشراب، وقد تكون أكثر، ومن هنا شبه رسول الله صلي الله عليه وسلم ما جاء به من الدين القيم بالغيث الكثير الذي ينزل على الأرض وهي أشد ما تكون حاجة إليه، فيكون غوثا وإنقاذا لها من الجدب الذي أصابها والقحط الذي حل بها.
ومن هنا وصف الله القرآن بالروح في قوله تعالى {وَكَذَلöكَ أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ رُوحًا مöنْ أَمْرöنَا مَا كُنْتَ تَدْرöي مَا الْكöتَابُ وَلَا الْإöيمَانُ وَلَكöنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدöي بöهö مَنْ نَشَاءُ مöنْ عöبَادöنَا وَإöنَّكَ لَتَهْدöي إöلَى صöرَاطٍ مُسْتَقöيمٍ. صöرَاطö اللَّهö الَّذöي لَهُ مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الْأَرْضö أَلَا إöلَى اللَّهö تَصöيرُ الْأُمُورُ} (ص52-53)، وعد الله الذين لم يستضيئوا بنور القرآن ولم يحيوا بحكمته أمواتا وإن سارت بهم أقدامهم وتحركت جوارحهم ونطقت ألسنتهم، كما قال تعالى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشöي بöهö فöي النَّاسö كَمَنْ مَثَلُهُ فöي الظُّلُمَاتö لَيْسَ بöخَارöجٍ مöنْهَا كَذَلöكَ زُيّöنَ لöلْكَافöرöينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 122]، ووصف الذين لا يستجيبون لما جاء في القرآن العظيم ولما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم بالصم البكم، وحذر المؤمنين أن يقعوا فيما وقعوا فيه من الإعراض عن حياة الأرواح، فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا أَطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذöينَ قَالُوا سَمöعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. إöنَّ شَرَّ الدَّوَابّö عöنْدَ اللَّهö الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذöينَ لَا يَعْقöلُونَ. وَلَوْ عَلöمَ اللَّهُ فöيهöمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرöضُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اسْتَجöيبُوا لöلَّهö وَلöلرَّسُولö إöذَا دَعَاكُمْ لöمَا يُحْيöيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءö وَقَلْبöهö وَأَنَّهُ إöلَيْهö تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 20 - 24].
ومن العجيب أن القرآن الكريم كثيرا ما يقرن بين إنزال المطر من السماء غوثا للأبدان وبين إنزال القرآن والوحي غوثا للأرواح، كما يقرن بين إرسال الرياح اللواقح محملة بأسباب الخير وألوان الرزق وبين إرسال الرسل الذين يحملون للبشرية أسباب الهداية وأصول السعادة في عاجلهم وآجلهم، وتأمل معي حديث القرآن عن الإنزالين في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مöنَ السَّمَاءö مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابöيعَ فöي الْأَرْضö ثُمَّ يُخْرöجُ بöهö زَرْعًا مُخْتَلöفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهöيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إöنَّ فöي ذَلöكَ لَذöكْرَى لöأُولöي الْأَلْبَابö. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لöلْإöسْلَامö فَهُوَ عَلَى نُورٍ مöنْ رَبّöهö فَوَيْلñ لöلْقَاسöيَةö قُلُوبُهُمْ مöنْ ذöكْرö اللَّهö أُولَئöكَ فöي ضَلَالٍ مُبöينٍ. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدöيثö كöتَابًا مُتَشَابöهًا مَثَانöيَ تَقْشَعöرُّ مöنْهُ جُلُودُ الَّذöينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلöينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إöلَى ذöكْرö اللَّهö ذَلöكَ هُدَى اللَّهö يَهْدöي بöهö مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلöلö اللَّهُ فَمَا لَهُ مöنْ هَادٍ} [الزمر: 21- 23].
{ وَمöنْ آيَاتöهö أَنْ يُرْسöلَ الرّöيَاحَ مُبَشّöرَاتٍ وَلöيُذöيقَكُمْ مöنْ رَحْمَتöهö وَلöتَجْرöيَ الْفُلْكُ بöأَمْرöهö وَلöتَبْتَغُوا مöنْ فَضْلöهö وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مöنْ قَبْلöكَ رُسُلًا إöلَى قَوْمöهöمْ فَجَاءُوهُمْ بöالْبَيّöنَاتö فَانْتَقَمْنَا مöنَ الَّذöينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمöنöينَ (47) اللَّهُ الَّذöي يُرْسöلُ الرّöيَاحَ فَتُثöيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فöي السَّمَاءö كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كöسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مöنْ خöلَالöهö فَإöذَا أَصَابَ بöهö مَنْ يَشَاءُ مöنْ عöبَادöهö إöذَا هُمْ يَسْتَبْشöرُونَ (48) وَإöنْ كَانُوا مöنْ قَبْلö أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهöمْ مöنْ قَبْلöهö لَمُبْلöسöينَ (49) فَانْظُرْ إöلَى آثَارö رَحْمَتö اللَّهö كَيْفَ يُحْيö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا إöنَّ ذَلöكَ لَمُحْيö الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ } {وَلَئöنْ أَرْسَلْنَا رöيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مöنْ بَعْدöهö يَكْفُرُونَ (51) فَإöنَّكَ لَا تُسْمöعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمöعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إöذَا وَلَّوْا مُدْبöرöينَ (52) وَمَا أَنْتَ بöهَادö الْعُمْيö عَنْ ضَلَالَتöهöمْ إöنْ تُسْمöعُ إöلَّا مَنْ يُؤْمöنُ بöآيَاتöنَا فَهُمْ مُسْلöمُونَ} [الروم: 46 - 53]
وإن الأمة التي اختصها الله بهذا النور الهادي لجديرة بأن تقف مع نفسها لتتأمل أين هي من الحياة بهذا القرآن العظيم الذي ضمنه الله كل أسباب الهداية إلى كل ما هو خير{إöنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدöي لöلَّتöي هöيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وأن تعود بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم، فتحكمه وحده في حياتها. وتتحاكم إليه وحده في شؤونها. وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس{فَإöنْ لَمْ يَسْتَجöيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبöعُونَ أَهْواءَهُمْ. وَمَنْ أَضَلُّ مöمَّنö اتَّبَعَ هَواهُ بöغَيْرö هُدىً مöنَ اللَّهö إöنَّ اللَّهَ لا يَهْدöي الْقَوْمَ الظَّالöمöينَ} (القصص/). ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات.
«إöنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدöي لöلَّتöي هöيَ أَقْوَمُ في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة.
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء. ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار. ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادا وأزواجا، وحكومات وشعوبا، ودولا وأجناسا، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى ولا تميل مع المودة والشنآن ولا تصرفها المصالح والأغراض. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان.
ويهدي للتي هي أقوم في تبني الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها، وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام.
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة المسكينة الحائرة، التي أهملت الأخذ بهذا الكتاب، والتي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة، ولن تجد السعادة، إلا حين ترد هذا النور يضيء حياتها، وتعيد هذه الروح لتحيي مواتها، فهل من مدكر؟.
عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : « مَثَلُ مَا بَعَثَنöي اللهُ بöهö مöنَ الْهُدَى وَالْعöلْمöö كَمَثَلö الغَيْثö الكَثيöرö أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مöنْهَا نَقöيَّةñ قَبöلَت الماءَ، فَأَنْبَتَت الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثöيرَ، وَكَانَتْ مöنْهَا أَجَادöبُ أَمْسَكَت الماءَ، فَنَفَعَ اللهُ بöهَا النَّاسَ، فَشَرöبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مöنْهَا طَائöفَةً أُخْرَى إöنَّمَا هöيَ قöيعَانñ، لاَ تُمْسöكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبöتُ كَلأً.
فذلك مَثَلُ منْ فَقُه في دينö الöله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلöمَ وعلَّم، ومَثَلُ مَنْ لَمْ يرفعْ بذلك رأساً، ولَمْ يقبلْ هدى اللهö الذي أُرْسöلْتُ به».
3 – تفصيل أصناف الناس مع الوحي والهدى :
للإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في فهم هذا الحديث كلامñ طيبñ يحسن نقلُه هنا ، قال رحمه الله : « فجعل صلي الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:
فالطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوةً لله عز وجل ورسوله صلي الله عليه وسلم، فهؤلاء أتباع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه حقاً، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زَكَتْ فقبلت الماءَ، فأنبتت الكلأ والعشبَ الكثير، فزَكَتْ في نفسها، وزَكَا الناسُ بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثةَ الأنبياء صلى الله عليهم وسلَّم، الذين قال الله تعالى فيهم: {وَاذْكُرْ عöبَادَنَا إöبْرَاهöيمَ وَإöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلöي الأَيْدöي وَالأَبْصَارö} (ص/45) أي البصائر في دين الله عز وجل، فبالبصائر يُدرَك الحقُّ ويُعرَف، وبالقوى يُتمَكَّن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه.
فهذه الطبقة كان لها قوةُ الحفظ، والفهمُ في الدين، والبَصَرُ بالتأويل، ففجَّرتْ من النصوص أنهارَ العلوم، واستنبطتْ منها كنوزَها، ورُزöقت فيها فهماً خاصَّاً، كما قال أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سُئل (كما في البخاري): هل خصَّكم رسول الله صلي الله عليه وسلم بشيءٍ دون الناس؟ فقال : «لا، والذي فلق الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمةَº إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه».
فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تَمَيَّزَت به هذه الطبقةُ عن الطبقةö الثانية، فإنها حفظت النصوص، وكان همُّها حفظَها وضبطَها، فورَدها الناسُ، وتلقوْها منهم، فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها، واتَّجروا فيها، وبذروها في أرض قابلةٍ للزرع والنبات، ووردها كلّñ بحسبه {قَدْ عَلöمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ }(الأعراف/160). وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: «نَضَّرَ اللهُ امْرَءاً سَمöعَ مَقَالَتöي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمöعَهَا، فرُبَّ حَامöلö فöقْهٍ غَيْرö فَقöيهٍ، وَرُبَّ حَامöلö فöقْهٍ إöلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مöنْهُ».
وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم حَبْر الأمة، وتُرْجُمان القرآن، مقدارُ ما سمعه من النبي صلي الله عليه وسلم لم يبلغ نحو العشرين حديثاً، الذي يقول فيه: سمعت و رأيت، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً. قال أبو محمد بن حزم: «و جُمöعت فتاويه في سبعة أسفار كبار»، وهي بحسب ما بلغ جامعَها، وإلا فعلمُ ابن عباس كالبحر، وفقهُه و استنباطُه وفهمُه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناسَ، وقد سمع ما سمعوا، وحفظ القرآنَ كما حفظوا، ولكنَّ أرضَه كانت من أطيب الأراضي وأَقْبَلöهِا للزرع، فبذَر فيها من النصو، فأنبتتْ من كل زوجٍ كريم {ذَلöكَ فَضْلُ اللَّهö يُؤْتöيهö مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلö العَظöيمö }(الجمعة/4) .
وأين تقع فتاوى أبي هريرة رضي الله عنه وتفسيره واستنباطه من فتاوى ابن عباس رضي الله عنهم وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدّöي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درساً، فكانت هöمَّتُه مصروفةً إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهöمَّةُ ابن عباس مصروفةً إلى التفقه و الاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها.
وهكِذا الناس بعده قسمان: قسمñ حفاظñ مُعْتَنُون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا، ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوزها مما حفظوه، وقسمñ مُعْتَنُون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها.
فالأول : كأبي زُرْعَِِة وأبي حِِاتم،وابن وَارَة. وقبلِهم: كبُندار محمد بن بشّار، وعمرو النَّاقِد، وعبد الِرزَّاق. وقبلِِهم : كمحمِد بن جعفر غُنْدَر، وسعِيد بن أبي عَِرُوبة، وغيرهم من أهِل الحفظ و الإتقِان والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصِرُّفٍ واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص .
     والقسِِم الثاني: كمِِالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحِاق، والإمِام أحمِِد بن حنِِبل، والبخِِاري، وأبي داود، ومحمِد بن نصر المرُّوزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية.
فهاتان الطائفتان هما أسعدُ الخلق بما بعث الله تعالى به رسولَه صلي الله عليه وسلم وهم الذين قبلِوه ورفعوا به رأسا.
وأما الطائفة الثالثة، وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، فلا حفظَ لهم ولا فَهِمَ ولا روايةَ ولا درايةَ ولا رعاية.
فالطبقة الأولى: أهل رواية ودراية، والطبقة الثانية : أهل رواية ورعاية، ولهم من الدراية نصيب، بل حظهم من الرواية أوفر، والطبقة الثالثة: الأشقياء، لا رواية ولا دراية ولا رعاية {إöنْ هُمْ إöلاَّ كَالأَنْعَامö بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبöيلاً} (الفرقان/44) فهؤلاء الذين يضيّöقون الديار، ويُغلون الأسعار، إنْ همَّة أحدهم إلاّ بطنه وفرجه، فإن ترقَّت هöمَّتُِه كان همُِّه مع ذلك لباسه وزينته …».
وهذا التوضيح من العلامة ابن القيم رحمه الله طيب بالغ غاية الحسن والدقة، فإن الحوافظ متفاوتة والعقول متباينة، والفقه صناعة لا يحسنها كلُّ أحد، وهبة لا يُؤْتَاها كلُّ طالب، كما أن الحفظ لا يُلْهَمه كلُّ أحد، ولا غöنى لكل من العقل الواعي والقلب الحافظ عن الآخر.
وقد جمع كثيرون من الصحابة رضي الله عنهم بين الحفظ والفقه، وكذلك بعض التابعين وبعض الأئمة المهتدين، فأضاءتْ لهم عقولُهم وأنار لهم حسنُ فهمهم وفقههم نصوصَ الكتاب والسنة التي حفظوها، فأدَّوْا الدين كاملاً غير منقوص. 
{وَالَّذöي أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ مöنَ الْكöتَابö هُوَ الْحَقُّ مُصَدّöقًا لöمَا بَيْنَ يَدَيْهö إöنَّ اللَّهَ بöعöبَادöهö لَخَبöيرñ بَصöيرñ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكöتَابَ الَّذöينَ اصْطَفَيْنَا مöنْ عöبَادöنَا فَمöنْهُمْ ظَالöمñ لöنَفْسöهö وَمöنْهُمْ مُقْتَصöدñ وَمöنْهُمْ سَابöقñ بöالْخَيْرَاتö بöإöذْنö اللَّهö ذَلöكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبöيرُ} [فاطر: 31، 32]
سنن الترمذي ت شاكر (5/ 363)
عَنْ أَبöي سَعöيدٍ الخُدْرöيّö، عَنö النَّبöيّö صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فöي هَذöهö الآيَةö: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكöتَابَ الَّذöينَ اصْطَفَيْنَا مöنْ عöبَادöنَا فَمöنْهُمْ ظَالöمñ لöنَفْسöهö وَمöنْهُمْ مُقْتَصöدñ وَمöنْهُمْ سَابöقñ بöالخَيْرَاتö} [فاطر: 32] قَالَ: «هَؤُلَاءö كُلُّهُمْ بöمَنْزöلَةٍ وَاحöدَةٍ، وَكُلُّهُمْ فöي الجَنَّةö» . «هَذَا حَدöيثñ حَسَنñ غَرöيبñ
مسند أبي داود الطيالسي (3/ 92)
 عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ الْهُنَائöيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائöشَةَ عَنْ قَوْلö اللَّهö تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكöتَابَ الَّذöينَ اصْطَفَيْنَا مöنْ عöبَادöنَا} [فاطر: 32] الْآيَةَ، فَقَالَتْ لöي: " يَا بُنَيَّ كُلُّ هَؤُلَاءö فöي الْجَنَّةö فَأَمَّا السَّابöقُ إöلَى الْخَيْرَاتö فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدö رَسُولö اللَّهö صَلَّى اللهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ شَهöدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهö صَلَّى اللهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ بöالْحَيَاةö وَالرّöزْقö، وَأَمَّا الْمُقْتَصöدُ فَمَنْ تَبöعَ أَثَرَهُ مöنْ [ص:93] أَصْحَابöهö حَتَّى لَحöقَ بöهö، وَأَمَّا الظَّالöمُ لöنَفْسöهö فَمَثَلöي وَمَثَلُكُمْ. قَالَ: فَجَعَلَتْ نَفْسَهَا مَعَنَا "
سنن سعيد بن منصور (2/ 151)
عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، رَضöيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَنْزöعُ هَذöهö الْآيَةَ {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكöتَابَ الَّذöينَ اصْطَفَيْنَا مöنْ عöبَادöنَا فَمöنْهُمْ ظَالöمñ لöنَفْسöهö [ص:152] وَمöنْهُمْ مُقْتَصöدñ وَمöنْهُمْ سَابöقñ بöالْخَيْرَاتö} [فاطر: 32] أَلَا إöنَّ سَابöقَنَا: أَهْلُ جöهَادöنَا، أَلَا وَإöنَّ مُقْتَصöدَنَا: أَهْلُ حَضَرöنَا، إöلَّا وَإöنَّ ظَالöمَنَا: أَهْلُ بَدْوöنَا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابö رَضöيَ اللَّهُ عَنْهُ إöذَا نَزَعَ هَذöهö الْآيَةَ قَالَ: «إöلَّا إöنَّ سَابöقَنَا سَابöقñ، وَمُقْتَصöدَنَا نَاجٍ، وَظَالöمَنَا مَغْفُورñ لَهُ»
مسند أحمد مخرجا (36/ 57)
عَنْ أَبöي الدَّرْدَاءö، قَالَ: سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö صَلَّى اللهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكöتَابَ الَّذöينَ اصْطَفَيْنَا مöنْ عöبَادöنَا فَمöنْهُمْ ظَالöمñ لöنَفْسöهö وَمöنْهُمْ مُقْتَصöدñ وَمöنْهُمْ سَابöقñ بöالْخَيْرَاتö بöإöذْنö اللَّهö} [فاطر: 32] فَأَمَّا الَّذöينَ سَبَقُوا بöالْخَيْرَاتö، فَأُولَئöكَ الَّذöينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بöغَيْرö حöسَابٍ، وَأَمَّا الَّذöينَ اقْتَصَدُوا، فَأُولَئöكَ يُحَاسَبُونَ حöسَابًا يَسöيرًا، وَأَمَّا الَّذöينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأُولَئöكَ الَّذöينَ [ص:58] يُحَاسَبُونَ فöي طُولö الْمَحْشَرö، ثُمَّ هُمُ الَّذöينَ تَلَافَاهُمُ اللَّهُ بöرَحْمَتöهö، فَهُمُ الَّذöينَ يَقُولُونَ: {الْحَمْدُ لöلَّهö الَّذöي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إöنَّ رَبَّنَا لَغَفُورñ شَكُورñ} [فاطر: 34] ، إöلَى قَوْلöهö، {لُغُوبñ} [فاطر: 35] "
ولقد شهد تاريخُنا الفقهيُّ في مختلف عصوره وجودا لأهِِل الحديث والأثِِر، ووجودا لأهِِل الرأي والنظِِر، ودتارت بين الفقهاء من الطرفين محاوراتñ ومناقشاتñ طويلةñ، وعُقدت مناظراتñ كثيرةñ، وصُنّöفت كتبñ كöثَارñ، دون أن يؤديَ ذلك في الغالب إلى إهمالٍ للنصوصö أو تضييعٍ لأدبö الحوارö، أو إلغاء لمعايير الفهم الصحيح، فأنتج ذلك ثروةً فقهيةً وفكريةً ضخمةً، تفخر بها المكتبةُ الإسلامية.
إلا أنه في العصر الحديث ومع غياب كثيرٍ من الأصولö والمعاييرö الصحيحةö واللازمةö للتعاملö مع النصوصº غلب على كثير من المنتسبين إلى العلم التراشق بالتهم، والترامي بسوء الظن، وقلة الفهم، وضعف الديانة، حتى خاض في الموضوع مَنْ لا يُحسن الخوضَ، وادعى العلمَ مَنْ لا يملك أدواتöه، هذا مع تعصبٍ للرأي يُعمي عن رؤية الحق في تجردٍ وإنصاف، مما مكن الفئة الثالثة من قيادة الحالة الثقافية للأمة، مع أنها لا علم لها يعصمها، ولا خلق أو دينا لها يهذب سلوكها ويحجزها عن ارتكاب المحرمات.
ومن ثَِمّ وجب على أهل العلم أن يجردوا الحقَّ، ويتجردوا له، وأن يزيلوا سوءَ الفهم للإسلام وللدعوة الذي نتج عن ضيقö أُفُقö بعض المتعصبة.
 


المقالات الخاصة بنفس الكاتب



 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca