مَثَلُ مُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö كَمَثَلö قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
وأخرج أحمد عَنْ عَبْدö اللهö بْنö مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö، فَإöنَّهُنَّ يَجْتَمöعْنَ عَلَى الرَّجُلö حَتَّى يُهْلöكْنَهُ» وَإöنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلö قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنöيعُ الْقَوْمö، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلöقُ، فَيَجöيءُ بöالْعُودö، وَالرَّجُلُ يَجöيءُ بöالْعُودö، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فöيهَا.
وعند أحمد وابن ماجة وصححه ابن حبان عَنْ عَائöشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ لöي رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائöشَةُ إöيَّاكö وَمُحَقَّرَاتö الْأَعْمَالö، فَإöنَّ لَهَا مöنَ اللَّهö طَالöبًا»
1 - شرح المثل الوارد في الحديث :
لما كان دأب الناس أن يستهينوا بصغائر الأمور ولا يلقوا لها بالا إلى أن يفاجؤوا بأنهم قد وقعوا في الأمر الكبير، أو أن اجتماع الصغيرة إلى الصغيرة قد أوقع في الكبيرة، وقد صار من الصعب تفادي آثار تراكم هذه الصغائر بعد استفحالها، وفي هذا الحديث يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة من الوقوع في هذا الخطأ وهو ارتكاب «مُحَقَّرَات الذُّنُوب» أَيْ: صَغَائöرَهَا التي رُبَّمَا يُسَامَحُ صَاحöبُهَا فöيهَا، فيكثر من الوقوع فيها، فينقلها بالإصرار وعدم التوبة من الصغائر إلى الكبائر، أو تدفعه الاستهانة بها إلى الوقوع فيما هو أكبر فيقع في الكبيرة، ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الله قَدْ يُعَاقöبُ عَلَى الصَّغöيرَةö، لأن لها من الله طَالöبًا أَيْ: نَوْعًا مöنَ الْعَذَابö يَطْلُبُ مرتكبها، وَفي ذات الوقت قد يَعْفُو اللَّهُ عَنö الْكَبöيرَةö، كَمَا يُسْتَفَادُ مöنْ قَوْلöهö تَعَالَى: {وَيَغْفöرُ مَا دُونَ ذَلöكَ لöمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، ثم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا مثالا علي ذلك: بقوم نزلوا في وادٍ، وأرادوا أن ينضجوا طعاما لهم، فجاء أحدهم بعودصغير، وجاء الآخر بعود أو بعض عود، وتتابع القوم في إحضار الأعواد، حتي جمعوا شيئا كثيرا فأنضجوا به طعامهم، وهكذا الذنوب تكون شيئا صغيرا في نظر صاحبها ويكثر بعضها بعضا حتي تكبر وتكون سببا في هلاكه.
2 - المحقرات واستهانة الناس بها :
المُحَقَّرَاتö: جمع مُحَقَّرة وَهöي الذُّنُوب الَّتöي يحتقرها فاعلها ويستصغرها استهانة بشأنها. وهي محقرة بحسب ظن مرتكبها وقد لا تكون كذلك في الحقيقة، ولدى المؤمن حساسية كبيرة للذنب بخلاف المنافق، فالأول يخاف ذنبه الصغير والثاني لا يقلق من ارتكاب الكبائر والجنابات، فقد أخرج البخار ي وغيره عن عَبْدö اللَّهö بْنö مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «إöنَّ المُؤْمöنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعöدñ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهö، وَإöنَّ الفَاجöرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفöهö»
وقد رأينا كيف استهان المنافقون وضعاف الإيمان بالخوض في عرض أطهر النساء الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة، وتناقلوا هذا الإفك ظنا منهم أن تناقله أمر هين محقور، فنزل التحذير الإلهي الكاشف عن عظم هذا الذنب وسوء تقدير الناس له فقال تعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فöي الدُّنْيَا وَالْآخöرَةö لَمَسَّكُمْ فöي مَا أَفَضْتُمْ فöيهö عَذَابñ عَظöيمñ. إöذْ تَلَقَّوْنَهُ بöأَلْسöنَتöكُمْ وَتَقُولُونَ بöأَفْوَاهöكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بöهö عöلْمñ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّöنًا وَهُوَ عöنْدَ اللَّهö عَظöيمñ. وَلَوْلَا إöذْ سَمöعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بöهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانñ عَظöيمñ. يَعöظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لöمöثْلöهö أَبَدًا إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ} [النور: 14 - 17] أي تحسبون الكلام في الأعراض سهلا ،بل هو عند الله عظيم.
وأخرج البخاري عنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالاً هöيَ أدَقُّ فöي أعْيُنöكُمْ مöنَ الشَّعَرö، إöنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلى عَهْدö النبيّö صلى الله عليه وسلم المُوبöقاتö. قَالَ أبُو عَبْدö الله البخاري: يَعْنöي بöذالöكَ المُهْلöكاتö. وهذا القول مروي عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحتى لو كان العمل بالفعل من الصغائر المحقورة فإن اجتماع الصغائر يجعلها كبيرة، كما بين هذا الحديث، وأخرج أبو داود في (الزهد) عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «إöيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتö الْأَعْمَالö، فَإöنَّهَا تَرَاكَمُ أَمْثَالَ الْجöبَالö وَتُحْصöي أَعْمَالَكُمْ». وأخرج الترمذي وصححه عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöنَّ العَبْدَ إöذَا أَخْطَأَ خَطöيئَةً نُكöتَتْ فöي قَلْبöهö نُكْتَةñ سَوْدَاءُ، فَإöذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقöلَ قَلْبُهُ، وَإöنْ عَادَ زöيدَ فöيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذöي ذَكَرَ اللَّهُ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبöهöمْ مَا كَانُوا يَكْسöبُونَ}». وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عَنö قَتَادَةَ فöي قَوْلöهö تَعَالَى{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبöهöمْ مَا كانُوا يَكْسöبُونَ} [المطففين: 14] قَالَ: «هُوَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبö , حَتَّى يَرöينَ عَلَى الْقَلْبö فَيَسْوَدَّ». وأخرج أبو طاهر المخلص في (المخلصيات) عن الحسنö في قولöهö: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبöهöم مَّا كَانُوا يَكْسöبُون} قالَ: «الذنبُ على الذنبö، والذنبُ على الذنبö، حتى يَعمى القلبُ فيموتَ». وأخرج البهقي في شعب الإيمان عن إöبْرَاهöيمَ بْنö أَدْهَمَ قال: «قَلْبُ الْمُؤْمöنö أَبْيَضُ نَقöيّñ مَجْلöيّñ مُحَلًّى مöثْلَ الْمöرْآةö، فَلَا يَأْتöيهُ الشَّيْطَانُ مöنْ نَاحöيَةٍ مöنَ النَّوَاحöي بöشَيْءٍ مöنَ الْمَعَاصöي إöلَّا نَظَرَ إöلَيْهö كَمَا يَنْظُرُ إöلَى وَجْهöهö فöي الْمöرْآةö، فَإöذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكöتَ فöي قَلْبöهö نُكْتَةñ سَوْدَاءُ، فَإöنْ تَابَ مöنْ ذَنْبöهö مُحöيَتö النُّكْتَةُ مöنْ قَلْبöهö وَانْجَلَى، وَإöنْ لَمْ يَتُبْ وَعَاوَدَ أَيْضًا، وَتَتَابَعَتö الذُّنُوبُ، ذَنْبñ بَعْدَ ذَنْبٍ، نُكöتَ فöي قَلْبöهö نُكْتَةñ نُكْتَةñ حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ، وَهُوَ قَوْلُ اللهö عَزَّ وَجَلَّ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبöهöمْ مَا كَانُوا يَكْسöبُونَ}. قَالَ: «الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبö، حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ فöي إöبْطَاءٍ، مَا نَجَعَ فöي هَذَا الْقَلْبö الْمَوَاعöظُ، فَإöنْ تَابَ إöلَى اللهö قَبöلَهُ اللهُ وَانْجَلَى عَنْ قَلْبöهö كَجَلْيö الْمöرْآةö».
ومن جهة أخرى فإن الإنسان حين يقع في الذنب الصغير مرة بعد مرة من غير توبة واستغفار تهون المعصية في نفسه شيئا فشيئا فيتجرأ بعد الوقوع في الصغائر على الوقوع في الكبائر فيهلك، ومن هنا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك المشتبهات من الأمورº لأن من تجرأ على تعاطي تلك المشتبهات، فإنه لا يأمن أن يقع في الحرام الواضح، لأنه بسبب اعتياده وتساهله وتجرُّئه على المتشابهات تصير فيه جرأة على ارتكاب الحرام غير المشتبه عليه، وفي هذا أخرج الشيخان عَنö النُّعْمَانö بْنö بَشöيرٍ رضي الله عنهم، قَالَ: قَالَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم: «الحَلاَلُ بَيّöنñ، وَالحَرَامُ بَيّöنñ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورñ مُشْتَبöهَةñ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبّöهَ عَلَيْهö مöنَ الإöثْمö، كَانَ لöمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنö اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فöيهö مöنَ الإöثْمö، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقöعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصöي حöمَى اللَّهö مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحöمَى يُوشöكُ أَنْ يُوَاقöعَهُ».
ولما كان مرتكب الصغيرة تجره العادة إلى ارتكاب الكبيرة كان التحذير النبوي من الاستهانة بالوقوع في الصغائر، حتى حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سرقة البيضة والحبل، فيما أخرجه الشيخان عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنö النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارöقَ، يَسْرöقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرöقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» فقال أهل العلم : إن البيضة والحبل أقل من النصاب الذي يقطع فيه السارق، ولكنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك خُلُقاً له جرَّأه على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به ، فليحذر هذا القليل قبل أن تملكه العادة فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك.
وكم من إنسان جره فعل الصغيرة إلى ارتكاب الكبيرة، بل جره ذلك إلى هدم أصل الإيمان والموت على الشرك، وما قصة عابد بني إسرائيل من ذلك ببعيد، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح ووافقه الذهبي ، عَنْ عَلöيّö بْنö أَبöي طَالöبٍ رضي الله عنه وأخرج الخرائطي –واللفظ له- في (اعتلال القلوب) عَنْ عَبْدö اللَّهö بْنö عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قال: «كَانَ فöي بَنöي إöسْرَائöيلَ رَاهöبñ يَعْبُدُ اللَّهَ زَمَانًا مöنَ الدَّهْرö، حَتَّى كَانَ يُؤْتَى بöالْمَجَانöينَ يُعَوّöذُهُمْ فَيَبْرَءُوا عَلَى يَدَيْهö، وَأَنَّهُ أُتöيَ بöامْرَأَةٍ فöي شَرَفٍ مöنْ قَوْمöهَا قَدْ جُنَّتْ، وَكَانَ لَهَا إöخْوَةñ فَأَتَوْهُ بöهَا، فَلَمْ يَزَلö الشَّيْطَانُ يُزَيّöنُ لَهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا لَمْ يَزَلْ يُخَوّöفُهُ وَيُزَيّöنُ لَهُ قَتْلَهَا حَتَّى قَتَلَهَا وَدَفَنَهَا، فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فöي صُورَةö رَجُلٍ حَتَّى أَتَى بَعْضَ إöخْوَتöهَا، فَأَخْبَرَهُ بöالَّذöي فَعَلَ الرَّاهöبُ، ثُمَّ أَتَى بَقöيَّةَ إöخْوَتöهَا رَجُلًا رَجُلًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتöي أَخَاهُ فَيَقُولُ: وَاللَّهö لَقَدْ أَتَانöي آتٍ فَذَكَرَ لöي شَيْئًا كَبُرَ عَلَيَّ ذöكْرُهُ، فَذَكَرَ ذَلöكَ بَعْضُهُمْ لöبَعْضٍ، حَتَّى رَفَعُوا ذَلöكَ إöلَى مَلöكöهöمْ، فَسَارَ النَّاسُ حَتَّى اسْتَنْزَلُوهُ مöنْ صَوْمَعَتöهö، وَأَقَرَّ لَهُمْ بöالَّذöي فَعَلَ، فَأُمöرَ بöهö فَصُلöبَ، فَلَمَّا رُفöعَ عَلَى خَشَبَةٍ تَمَثَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: أَنَا الَّذöي زَيَّنْتُ لَكَ هَذَا، وَأَلْقَيْتُكَ فöيهö، فَهَلْ أَنْتَ مُطöيعöي فöيمَا أَقُولُ لَكَ، وَأُخَلّöصُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَسْجُدُ لöي سَجْدَةً وَاحöدَةً، فَسَجَدَ لَهُ، وَقُتöلَ الرَّجُلُ. فَهُوَ قَوْلُ اللَّهö عَزَّ وَجَلَّ: {كَمَثَلö الشَّيْطَانö إöذْ قَالَ لöلْإöنْسَانö اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إöنّöي بَرöيءñ مöنْكَ إöنّöي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمöينَ} [الحشر: 16]» وهكذا تفعل صغار الذنوب حينما يستهين بها صاحبها. ولله در القائل
خَلّö الذُّنُوبَ حَقöيرَهَا ... وَكَثöيرَهَا فَهُوَ التُّقَى
كُنْ مöثْلَ مَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضö الشَّوْكö يحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقöرَنَّ صَغöيرَةً ... إöنَّ الْجöبَالَ مöنَ الْحَصَى
ومن جهة ثالثة فقد يكون تشديد العقاب على الصغائر لكون مرتكبها استهان بنظر الله إليه، ولم ينظر إلى عظمة الخالق الذي عصاه، ومن ثم لا يجد في نفسه دافعا للتوبة مما وقع فيه، أخرج ابن المبارك في الزهد والرقائق عن بöلَال بْن سَعْدٍ رحمه الله قال: «لَا تَنْظُرْ إöلَى صöغَرö الْخَطöيئَةö، وَلَكöنö انْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ» ، وقد أخرج مسلم عَنْ أَبöي أُمَامَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنö اقْتَطَعَ حَقَّ امْرöئٍ مُسْلöمٍ بöيَمöينöهö، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهö الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلñ: وَإöنْ كَانَ شَيْئًا يَسöيرًا يَا رَسُولَ اللهö؟ قَالَ: «وَإöنْ قَضöيبًا مöنْ أَرَاكٍ» فهذا الوعيد الشديد والتغليظ الشديد في أكل أموال الناس بالباطل ولو كان قضيبا من أراك للتحذير من الاستهانة بأمر الله،
أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح ، عَنْ سَهْلö بْنö سَعْدٍ رضي الله عنهم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö فَإöنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö كَقَوْمٍ نَزَلُوا فöي بَطْنö وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بöعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بöعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإöنَّ مُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö مَتَى يُؤْخَذْ بöهَا صَاحöبُهَا تُهْلöكْهُ» .
وأخرج أحمد عَنْ عَبْدö اللهö بْنö مَسْعُودٍرضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إöيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö، فَإöنَّهُنَّ يَجْتَمöعْنَ عَلَى الرَّجُلö حَتَّى يُهْلöكْنَهُ» وَإöنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلö قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنöيعُ الْقَوْمö، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلöقُ، فَيَجöيءُ بöالْعُودö، وَالرَّجُلُ يَجöيءُ بöالْعُودö، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فöيهَا.
وكم من مسلم تحرز من الكبائر الظاهرة واستهان بهذه المحقرات وبنظر الله إليه فيها فكانت سر هلاكه، قال الغزالي: «تواتر الصغائر عظيم التأثير في سواد القلب، وهو كتواتر قطرات الماء على الحجر فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة مع لين الماء وصلابة الحجر»، وقال أبو عبد الرحمن الحُبُلي: «مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات، كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه فنجا منه، فلدغته نملة فأوجعته، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى اجتمعن عليه فصَرَعْنَه، وكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن الله يغفر الكبائر فلا تيأسوا، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا».
3 - هل ينافي هذا الحديث ما جاء في مغفرة الصغائر بل في مغفرة الكبائر للمؤمنين؟
من المعلوم أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، وأن الكبائر بعضها أعظم من بعض، وأن من الصغائر ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، بل منها ما يكفره اجتناب الكبائر، كما قال {إöنْ تَجْتَنöبُوا كَبَائöرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّöرْ عَنْكُمْ سَيّöئَاتöكُمْ وَنُدْخöلْكُمْ مُدْخَلًا كَرöيمًا [النساء: 31] ووصف الله المؤمنين فقال {وَالَّذöينَ يَجْتَنöبُونَ كَبَائöرَ الْإöثْمö وَالْفَوَاحöشَ وَإöذَا مَا غَضöبُوا هُمْ يَغْفöرُونَ} [الشورى: 37]، ووصف الذين أحسنوا فقال {لöيَجْزöيَ الَّذöينَ أَسَاءُوا بöمَا عَمöلُوا وَيَجْزöيَ الَّذöينَ أَحْسَنُوا بöالْحُسْنَى. الَّذöينَ يَجْتَنöبُونَ كَبَائöرَ الْإöثْمö وَالْفَوَاحöشَ إöلَّا اللَّمَمَ إöنَّ رَبَّكَ وَاسöعُ الْمَغْفöرَةö} [النجم: 31، 32] فذكر كبائر الإثم ، وذكر اللمم، فدل ذلك على التفريق بينهما، وبين أن اللمم مغفور، وأخرج مسلم عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهö صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إöلَى الْجُمْعَةö، وَرَمَضَانُ إöلَى رَمَضَانَ، مُكَفّöرَاتñ مَا بَيْنَهُنَّ إöذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائöرَ» وفي رواية: «مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائöرُ»، وأخرج النسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبا ن والحاكم عن أَبöي هُرَيْرَةَ، وَأَبöي سَعöيدٍ رضي الله عنهم قالا: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: «وَالَّذöي نَفْسöي بöيَدöهö» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مöنَّا يَبْكöي، لَا نَدْرöي عَلَى مَاذَا حَلَفَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فöي وَجْهöهö الْبُشْرَى، فَكَانَتْ أَحَبَّ إöلَيْنَا مöنْ حُمْرö النَّعَمö، ثُمَّ قَالَ: «مَا مöنْ عَبْدٍ يُصَلّöي الصَّلَوَاتö الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرöجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنöبُ الْكَبَائöرَ السَّبْعَ، إöلَّا فُتّöحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةö، فَقöيلَ لَهُ: ادْخُلْ بöسَلَامٍ»، وفي رواية ابن حبان: «إöلَّا فُتöحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةö الثَّمَانöيَةُ يَوْمَ الْقöيَامَةö حَتَّى إöنَّهَا لَتَصْطَفöقُ» ، ثُمَّ تَلَا {إöنْ تَجْتَنöبُوا كَبَائöرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّöرْ عَنْكُمْ سَيّöئَاتöكُمْ}.
فسمَّى الشرعُ ما تُكَفّöره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، وجعل اجتناب الكبائر مع فعل الواجبات ماحيا للصغائر ومكفرا لها، ويدل لذلك أيضا قوله تعالى { أَقöمö الصَّلَاةَ طَرَفَيö النَّهَارö وَزُلَفًا مöنَ اللَّيْلö، إöنَّ الْحَسَنَاتö يُذْهöبْنَ السَّيّöئَاتö ذَلöكَ ذöكْرَى لöلذَّاكöرöينَ} [هود: 114]، وأخرج الشيخان –واللفظ لمسلم- عَنْ عَبْدö اللهö بن مسعود، قَالَ: جَاءَ رَجُلñ إöلَى النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهö إöنّöي عَالَجْتُ امْرَأَةً فöي أَقْصَى الْمَدöينَةö، وَإöنّöي أَصَبْتُ مöنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضö فöيَّ مَا شöئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهö هَذöهö الْآيَةَ: {أَقöمö الصَّلَاةَ طَرَفَيö النَّهَارö وَزُلَفًا مöنَ اللَّيْلö، إöنَّ الْحَسَنَاتö يُذْهöبْنَ السَّيّöئَاتö ذَلöكَ ذöكْرَى لöلذَّاكöرöينَ} فَقَالَ رَجُلñ مöنَ الْقَوْمö: يَا نَبöيَّ اللهö هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لöلنَّاسö كَافَّةً».
وأخرج الشيخان عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهö ثَوْبñ أَبْيَضُ، وَهُوَ نَائöمñ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدö اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: «مَا مöنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إöلَهَ إöلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلöكَ إöلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ» قُلْتُ: وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمö أَنْفö أَبöي ذَرٍّ» - وفي رواية: «نَعَمْ، وَإöنْ شَرöبَ الخَمْرَ». وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إöذَا حَدَّثَ بöهَذَا قَالَ: وَإöنْ رَغöمَ أَنْفُ أَبöي ذَرٍّ.
قَالَ البخاري: هَذَا عöنْدَ المَوْتö، أَوْ قَبْلَهُ إöذَا تَابَ وَنَدöمَ، وَقَالَ: لاَ إöلَهَ إöلَّا اللَّهُ، غُفöرَ لَهُ.
وأخرج أحمد بسند صحيح عَنْ أَبöي الدَّرْدَاءö رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمöعَ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَى الْمöنْبَرö: {وَلöمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّöهö جَنَّتَانö} [الرحمن: 46] ، فَقُلْتُ: وَإöنْ زَنَى، وَإöنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهö؟ فَقَالَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم الثَّانöيَةَ: {وَلöمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّöهö جَنَّتَانö} [الرحمن: 46]، فَقُلْتُ فöي الثَّانöيَةَ: وَإöنْ زَنَى، وَإöنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ الله؟öفَقَالَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم الثَّالöثَةَ: {وَلöمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّöهö جَنَّتَانö} [الرحمن: 46] فَقُلْتُ الثَّالöثَةَ: وَإöنْ زَنَى، وَإöنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإöنْ رَغöمَ أَنْفُ أَبöي الدَّرْدَاءö»، وفي رواية: قَالَ: فَخَرَجْتُ لöأُنَادöيَ بöهَا فöي النَّاسö، قَالَ: فَلَقöيَنöي عُمَرُ، فَقَالَ: ارْجöعْ، فَإöنَّ النَّاسَ إöنْ عَلöمُوا بöهَذöهö، اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، فَرَجَعْتُ فَأَخْبَرْتُهُ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ عُمَرُ».
فتعاضد القرآن وصحيح السنة على أن الذنوب منها الصغائر والكبائر، وأن الصغائر مغفورة متى اجتنبت الكبائر.
وقد فرَّق الفاروق عمر بن الخطاب بين الكبائر وبين الذنوب الصغائر التي لا يسلم منها البشر، وعاب على من أراد حمل الناس على ضرورة اجتناب الصغائر والكبائر، فأخرج الطبري في التفسير بسند صحيح عن الحسن رحمه الله: أن ناساً لقَوْا عبدَ الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله أَمرَ أن يُعْمَل بها لا يُعْمَل بها، وأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه ، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياءَ من كتاب الله تبارك وتعالى أَمَرَ أن يُعْمَل بها لا يُعْمَل بها فأحبوا أن يلقَوْك في ذلك. فقال : اجمعهم لي. قال: فجمعتُهم له -قال ابن عون: أظنه قال في بَهْو- فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أَنْشُدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأتَ القرآن كله؟ قال: نعم. قال : فهل أحصيتَه في نفسك؟ قال: اللهم لا. قال: ولو قال نعم لَخَصَمه. قال: فهل أحصيتَه في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ فهل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلتْ عمرَ أمُّه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربُّنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} هل علم أهل المدينة -أو قال: هل علم أحد- بما قدَمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم .
وهو رضي الله عنه يقصد أن الناس لا يمكن أن يفعلوا كل ما أمروا به، ويجتنبوا كل ما نهوا عنه، بل لا بد أن تقع منهم أخطاء في هذا وذاك يغفرها الله لهم ما داموا متحرزين من الكبائر قائمين بالواجبات مداومين على الاستغفار، بل التائبون من الكبائر تغفر ذنوبهم فلأن تغفر الصغائر أولى.
وهذا كله لا ينافي ما جاء في الحديث الذي معنا من التحذير من الصغائرº لأن التحذير موجه إلى من يرتكب الصغائر استهانة بها، فلا تحدثه نفسه بالتوبة منها، أو يرتكبها استهانة بنظر الله إليه، فيقع في كبيرة الاستهانة بأمر الله، أو يتجاهل التوبة منها فتهون المعاصي في قلبه فيجره ذلك إلى الكبائر، فيكون في مشيئة الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.
قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار تعليقا على التحذير من محقرات الذنوب مع ما جاء في القرآن والسنة من غفرانها إذا اجتنبت الكبائر: «فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدöيثَ، فَوَجَدْنَا فöيهö تَحْذöيرَ رَسُولö اللهö صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الْإöيمَانö مöنْ مُحَقَّرَاتö الذُّنُوبö، فَدَلَّ ذَلöكَ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بöهَا مَعَ إöيمَانöهöمْ، مُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا إöلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ، وَفöي ذَلöكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإöيمَانَ لَا يَرْفَعُ عُقُوبَاتö صöغَارö الذُّنُوبö، وَإöذَا كَانَ لَا يَرْفَعُ عُقُوبَاتö صöغَارöهَا، كَانَ بöأَنْ لَا يَرْفَعُ عُقُوبَاتö كöبَارöهَا أَوْلَى، وَقَدْ وَجَدْنَا فöي كöتَابö اللهö عَزَّ وَجَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَوُضöعَ الْكöتَابُ فَتَرَى الْمُجْرöمöينَ مُشْفöقöينَ مöمَّا فöيهö وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لöهَذَا الْكöتَابö لَا يُغَادöرُ صَغöيرَةً وَلَا كَبöيرَةً إöلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمöلُوا حَاضöرًا وَلَا يَظْلöمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، وَفöي ذَلöكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْوَعْدö الْمَذْكُورöينَ فöي حَدöيثَيْ أَبöي الدَّرْدَاءö وَأَبöي هُرَيْرَةَ عöنْدَ تöلَاوَةö رَسُولö اللهö صلى الله عليه وسلم: {وَلöمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّöهö جَنَّتَانö} [الرحمن: 46] وَعöنْدَ جَوَابöهö كُلَّ وَاحöدٍ مöنْ أَبöي الدَّرْدَاءö وَمöنْ أَبöي هُرَيْرَةَ لöمَا قَالَهُ لَهُ: وَإöنْ زَنَى وَإöنْ سَرَقَ بöمَا أَجَابَهُ بöهö مöنْهُمَا، وَإöنَّهُمْ زَالُوا بَعْدَ الزّöنَى وَبَعْدَ السَّرöقَةö اللَّذَيْنö كَانَا مöنْهُمْ عَنö الزّöنَى وَالسَّرöقَةö اللَّذَيْنö كَانَا مöنْهُمْ إöلَى ضöدّöهöمَا (أي تابا عن ذينك الذنبين إلى ضدهما)، فَخَرَجُوا مöنْ أَهْلö الْوَعöيدö لöأَهْلö الْمَعْنَى الْأَوَّلö، وَدَخَلُوا فöي أَهْلö الْوَعْدö الَّذöي أَعْقَبَهُ، فَبَانَ بöحَمْدö اللهö وَنöعْمَتöهö بöمَا ذَكَرْنَا مöنْ مَعَانöي أَحَادöيثö رَسُولö اللهö صلى الله عليه وسلم مَا ذَكَرْنَا مöمَّا بَانَ بöهö مöنْهُمَا، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفöيقَ».
وقال البيهقي في السنن الكبرى تعليقا على حديث المحقرات: « وَيُشْبöهُ أَنْ تَكُونَ هَذöهö الْأَخْبَارُ وَمَا جَانَسَهَا فöي التَّغْلöيظö وَالتَّشْدöيدö فöيمَنْ أَصَرَّ عَلَى الذُّنُوبö غَيْرَ مُسْتَغْفöرٍ مöنْهَا, وَلَا مُحَدّöثٍ نَفْسَهُ بöتَرْكöهَا».