الذين يبغونها عوجا
بقلم أ.د/ عبد الرحمن البر
عميد كلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
جاءت الرسالات السماوية لإقامة العدل في الأرض والهداية للتي هي أقوم في كل شيء وعدم التأثر بالرأي والهوى أو الميل مع المشاعر والأهواء حتى مع المخالفين ﴿وَلَا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى﴾، وقد أنزل الله القرآن عنوانا لهذه الاستقامة ﴿الْحَمْدُ لöلَّهö الَّذöي أَنْزَلَ عَلى عَبْدöهö الْكöتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عöوَجاً. قَيّöماً﴾ أَيْ مُعْتَدöلًا لَا اخْتöلَافَ فöيهö، وهذا الكتاب العظيم هو الضامن لهذه الاستقامة بهدايته إليها في كل الشؤون ﴿إöنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدöي لöلَّتöي هöيَ أَقْوَمُ﴾. ولهذا كان المؤمنون بهذه الرسالة بحق أحرص الناس على هذه الاستقامة، وأبعد الناس من التلون والالتواء، وأكثر الناس اجتهادا في حماية حقوق الجميع بمن فيهم المخالفون لهم.
وفي المقابل نجد في كل وقت أعداء الرسالات ﴿الَّذöينَ يَسْتَحöبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخöرَةö وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبöيلö اللَّهö وَيَبْغُونَهَا عöوَجًا أُولَئöكَ فöي ضَلَالٍ بَعöيد﴾ ومعنى ﴿يَبْغُونَهَا عöوَجًا﴾ أيْ يلتمسون الاعوجاج فöي دين الله ويَطْلöبُونَ غير سَبöيل القَصْدö، ويطلبون للشريعة عوجا وتناقضا يظهر فيها،وَيُحöبُّونَ أَنْ تَكُونَ سَبöيلُ اللَّهö عöوَجًا مَائöلَةً جائرة مع أنها مُسْتَقöيمَةñ فöي نَفْسöهَا، لكنهم يريدون أن يحدثوا فيها عوجا وانحرافا ليصرفوا الناس عنها بعد إيمانهم بها وانقيادهم لها، ويجتهدون في إöلْقَاء الشُّكُوكö وَالشُّبُهَاتö فöي قلوب الناسبöكُلّö مَا يَقْدöرُون عَلَيْهö مöنَ الْحöيَلö، ويسعون فöي صَدّö الناس وَمَنْعöهöم مöنَ الْوُصُولö إöلَى الْمَنْهَجö الْقَوöيمö وَالصّöرَاطö الْمُسْتَقöيمö، ويريدون زيغًا وميلا عن الاستقامة في كل الأمور، ويتعمدون تحريفًا للحقائق وتبديلا بالكذب والزّورلöمُوَافَقَةö أَهْوَائöهöمْ، وَقَضَاءö حَاجَاتöهöمْ وَأَغْرَاضöهöمْ، فهم يريدون الطريق العوجاء ولا يريدون الطريق المستقيم، ويريدون العيشَ في ظل هذا العöوَج، ويرون أن في أجواء الانحراف والفساد ما يساعدهم على تحقيق رغباتهم، لأنهم لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم، لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه. ومن ثم يصدون أنفسهم ويصدون الناس عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً لا استقامة فيها ولا عدالة. وهذه طبيعة في بعض الناس تشبه طبائع الجراثيم الضارة التي دائما ما تنمو وتتكاثر في ظل أجواء النتن والعفن، فإذا طلعت عليها الشمس بضيائها، ووصلت إليها حرارتُها التي تحيى الموتى ماتت، لذلك هي لا تريد أن تحيا في الضوء أو أن تظهر في العلن، حتى أن الله تبارك وتعالى يخبرنا أنهم يقدمون أنفسهم للناس على أنهم مصلحون، فيقول عز وجل ﴿وَإöذَا قöيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسöدُوا فöي الأَرْضö قَالُوا إöنَّمَا نَحْنُ مُصْلöحُونَ. أَلاَإöنَّهُمْ هُمُ المُفْسöدُونَوَلَكöن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾.
والعجيب أن هذه النوعية التي خالفت الفطرة وخالفت الطبيعة وخالفت الشريعة، هذه النوعية ترى أن من أوجب واجباتها وأهم مهماتها محاربةَ كلّö دعوات الاستقامة وكلّö أدوات الإصلاح، و﴿يُفْسöدُونَ فöي الأَرْضöوَلاَيُصْلöحُونَ﴾، وأعجب من ذلك أنهم يحاولون ترويج أنفسهم على أنهم مصلحون بل أصحاب مشروع إصلاحي، وربما صدقوا كذبهم على أنفسهم واتهموا أصحاب الاستقامة بالسفاهة ﴿وَإöذَا قöيلَ لَهُمْ آمöنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمöنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إöنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكöنْ لا يَعْلَمُونَ﴾
ومن العوج الذي يمارسه أكثر المفسدين تحريض جماهير الأمة على دعاة الإصلاح، كما فعل فرعون حين قال ﴿ذَرُونöي أَقْتُلْ مُوسَىوَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وحيثيات التحريض الذي قام به فرعون هو زعمه ﴿إöنّöي أَخَافُ أَن يُبَدّöلَ دöينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهöرَ فöي الأَرْضö الفَسَادَ﴾. إن من نكد الزمان أن يرفعَ راياتö الإصلاح زعيمُ المفسدين، أو أنْ ترفع راياتö الفضيلة والعفة قوَّادةñ بغöيñ، هذا ما حدث في كثير من فترات الزمان، ففرعون الذي وصفه الله بأنه ﴿كَانَ عَالöيًا مöنَ الْمُسْرöفöينَ﴾ وبأنه ﴿كَانَ مöنَ الْمُفْسöدöينَ﴾ هو الذي ينادي الجماهير إلى اتباعهº بدعوى أن موسى عليه السلام يريد أن يُظهر في الأرض الفساد! وأعجب العجب أن يستجيب بعض الناس لهذا العوج كما فعل الملأ من قوم فرعون حين دعاهم ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فöرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فöرْعَوْنَ بöرَشöيدٍ﴾، فكانت النتيجة هلاكه وهلاكهم ﴿وَأَضَلَّ فöرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ .
وهذا هو الذي فعله كلُّ أعداء الرسالات والمصلحين في كل زمان ومكان، فهم دائما يقعدون بكل صراط يخوفون الناس ويصورون دعاة الإصلاح للجماهير على أنهم دعاة إفسادº ليحولوا بين الجماهير وبين سماع الحق، وليحولوا بين الناس وبين معرفة الخير من الشر، وقد عاب القرآن اليهود الذين كانوا يعرفون الحق تماما ومع ذلك يصدون عنه ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكöتَابö لöمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبöيلö اللَّهö مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عöوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بöغَافöلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
ألا ترى عزيزي القارئ أن كثيرا مما يجري الآن في الساحة السياسية المصرية مما يدخل تحت عنوان ﴿يبغونها عوجا﴾، فهم لا يرون جميلا في هذه البلاد إلا شوهوا صورته، ولا ناجحا على الحقيقة إلا عملوا على تشويه سمعته، وحتى حين اختار الشعب بمحض إرادته الحرة نوابه لمجلس الشعب سفهوا الشعب وسفهوا اختياره ورموه بالجهل وتذكروا أمّöيته، وادعوا أنه غير قادر على التمييز بين البرامج والمرشحين، وأنه يمكن شراء أصواته ببعض المواد العينية البسيطة.
وقد كشف الشعب عن ذكاء عظيم حين رد عمليا على أولئك الذين يبغونها عوجا، فخرج في مراحل العملية الانتخابية الثلاث بكثافة غير عادية واختار الأقرب إلى قلبه وهويته وفطرته، ولقن درسا كبيرا لأولئك الذين حاولوا الالتفاف على إرادته وإشغاله حينا بالدعوة إلى (الدستور أولا)، وحينا بالدعوة إلى (المبادئ فوق الدستورية)، وحينا بالدعوة إلى تجاوز صلاحيات البرلمان المقبل والقفز على حقوقه بوضع معايير وضوابط للهيئة التأسيسية بزعم الخوف من أن يأتي تمثيلها معبرا عن اتجاهات بعينها... إلخ.
وقد كان هذا الشعب أوعى وأذكى حين لم ترهبه كل محاولات التخويف من الخروج إلى اللجان الانتخابية، ولم يلتفت إلى كل محاولات إشعال الفتنة بين مكونات الأمة، ولم يقبل بالادعاءات التي وجهها الذين يبغونها عوجا للتيار الإسلامي عموما والإخوان المسلمين خصوصا بأنهم خذلوا الثورة وخانوا دماء الشهداء (زعموا!) وخرج الشعب معلنا ثقته الكاملة في التيار الإسلامي الذي ائتمنه على أصواته، ووثق ببرنامجه لمستقبل مصر.
لهذا فأنا على ثقة من أن الذين يبغونها عوجا لن يستطيعوا أن يُفشلوا فرحة الشعب المصري بثورته المباركة في الخامس والعشرين من يناير، ولن يقبل تلك الدعاوى الزائفة بأن الانتخابات قد زورت، فيما القاصي والداني المصري وغير المصري يشهد بأنها أول انتخابات حقيقية معبرة تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، ولن يسمح الشعب لأولئك الذين يتداعون إلى الوقوف أمام مجلس الشعب يوم الثالث والعشرين من يناير لمنع نواب الشعب من ممارسة دورهم في أول برلمان حر تعرفه مصر. وسيبقى أصحاب رسالة الحق والخير والفضيلة مستقيمين على الحق قائمين بالقسط لا يضرهم من خذلهم أو ناوأهم ولا يوقف مسيرتهم أولئك الذين يصدون عن الحق ويبغونها عوجا. والله أكبر وتحيا مصر.