(الَّذöينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إöنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إöيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنöعْمَ الْوَكöيلُ) (آل عمران:173)
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبي
المرشد العام للإخوان المسلمين
19 من ربيع الآخر 1424هِ = 19/6/2003م
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين وقائد المجاهدين الغرّ المحجلين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد،
فإن الأمة تمر بظروف دقيقة وقاسية، وتكتنفها أحداث عظام وأيام عجاف، فقد تداعى عليها الأعداء من كل حدب وصوب، وجاءوا بجنودهم من فوقنا ومن أسفل منا، وتعاونوا فيما بينهم على الإثم والعدوان (وَالَّذöينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال:73)، وتعالت صيحات الباطل، وتنادَوا، وتآمروا، وخططوا لاقتلاع جذور الحق، ولقتل أنصاره، وأنَّى لهم ذلك؟!! فالله مولانا ولا مولى لهم، وشهداؤنا في الجنة وقتلاهم في النار، والأرض لنا والقدس لنا، والله وعدنا بالنصر والتمكين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُم فöي الأَرْضö كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمْ الَّذöي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُمْ مöنْ بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنöي لا يُشْرöكُونَ بöي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلöكَ فَأُوْلَئöكَ هُمْ الْفَاسöقُونَ) (النور:56)، وتوعَّدهم بالخزي والهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة (إöنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا يُنْفöقُونَ أَمْوَالَهُمْ لöيَصُدُّوا عَنْ سَبöيلö اللَّهö فَسَيُنفöقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهöمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذöينَ كَفَرُوا إöلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال:36).
وعلينا أن نتذكر أن هذه الهجمة الشرسة- من قوى الشر والكفر والإلحاد على أمتنا- ليست بجديدة ولا مستغربةº فإن الصراع بين الحق والباطل سلسلة ممتدة عبر التاريخ من لدن آدم وإلى أن تقوم الساعة، فلقد وقف أهل الباطل عبر التاريخ ضد دعوات الأنبياء والمرسلين، ووقف حزب الشيطان بأشياعه ومريديه يحارب حزب الله بأتباعه وحوارييه، وكانت دائمًا الغلبة وكان الظهور للحق وجنده، الذين صبروا وصابروا وجاهدوا وثبتوا وقاتلوا وضحَّوا، فانتصروا وسادوا، أو استشهدوا وفازوا بالجنة التي وُعدوا (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمöنöينَ) (الروم:47)، (وَلا تَهöنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ) (آل عمران:139)، (فَاسْتَبْشöرُوا بöبَيْعöكُمْ الَِّذöي بَايَعْتُمْ بöهö وَذَلöكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ) (التوبة:111).
فيا شباب الإسلام، يا رجال الدعوة، أيها الإخوان، اُقدروا الأحداث بما تستحقº فإن تربية الرجال والأجيال والأمم تحتاج إلى الدروس والمواقف أكثر من احتياجها للخطب والمواعظ، وها هي المواقف تشهد بالصدق لطبيعة هذه الدعوة، دعوة الحق، فلا نصر من غير تضحية، ولا تمكين من غير جهاد، ولا عزَّ في غير طاعة الله، فاللهَ اللهَ في دينكم ودعوتكم، فالخطبُ جَلَل، والأمر جدñ خطير، فأقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم، وأعöدوا أنفسكم وبيوتكم، واعلموا أن الأمة في أشدّ الحاجة إلى النصح والإرشاد والتربية والتوجيه من المخلصين من أبنائهاº لتتعرف على صحيح وتمام دينها بالقول والعمل، وبالتضحية والفداء، واعلموا أن تغيير المجتمعات رهْنñ بنشر الوعي فيها، وبصبر أصحاب الدعوات عليها، فلا مجال لتردد ولا خوف ولا وجل، فتقدموا واحملوا مشاعل النور، وانشروا الخير واثبتوا على ذلك، وترقبوا نصر الله وفتحه المبين.
ياشباب الإسلام، إن الأعداء يتربصون بكم الدوائر ولكنهم يحسبون لكم ألف حساب، وذلك من فضل الله (وَقَذَفَ فöي قُلُوبöهöمُ الرُّعْبَ...) (الحشر:2)، فلقد أقلقتهم صحوتكم، وأخافهم التزامكم بالإسلام.. بوسطيته السمحة، التي تدعو إلى الله على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة، فأصبحتم بنعمة الله إخوانًا، فعشتم لدعوتكم وعاشت دعوتكم بكم، وقدمتم النموذج والقدوة لشعوب الأرضº مرحمة ورفقًا بالبشر والشجر والحيوان والحجر (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلاَّ رَحْمَةً لöلْعَالَمöينَ) (الأنبياء: 107)، فانزعج الأعداء من بني صهيون -ومن لفّ حولهم وسار على دربهم، من قادة وزعماء في الغرب أو في الشرق- من فهمكم ووعْيöكم وتطبيقكم للإسلام، ومن نصرتكم للمسلمين، فكنتم ومازلتم- بحملكم لدعوة الإسلام العظيم- أخْوَف لأعداء الله من كل الأسلحة ومن كل الجيوش، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن الفرج قريب، وما ذلك على الله بعزيز.
أما أنتم يا رجال المقاومة في فلسطين، يا من تقفون على خط النار وتجسدون لأبناء الأمة جميعًا معنى الثبات والتضحية، أنتم على ثَغر من ثُغور الإسلام، أنتم- إن شاء الله- جندُ الحق، وصمودكم وثباتكم يُحيي الأمل في نفوس الباحثين عن الحق، والمجاهدين للوصول إليه في كل أنحاء العالم (وَلا تَهöنُوا فöي ابْتöغَاءö الْقَوْمö إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنْ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلöيمًا حَكöيمًا) (النساء:104)، (إöنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحñ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحñ مöثْلُهُ وَتöلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö وَلöيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا وَيَتَّخöذَ مöنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحöبُّ الظَّالöمöينَ) (آل عمران:140)، ونحن جميعًا معكم ومن ورائكم، نعيش همومكم ونشارككم المسئولية عن فلسطين وعن المسجد الأقصى، فحيَّا الله مسعاكم يا رجال الانتفاضة، وحيَّا الله أبناء القسام وشيخهم، الذي هتف في الأمة بصيحته التي زلزلت جيوش اليهود، إنه لجهاد... نصرñ أو استشهاد، وأحيت الأمل في القلوب، وبعثت الهمة بين الصفوف، فتدافع أبناء الإسلام في كل مكان لحمل مشاعل النور بالجهاد على درب محمد- صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذات الطريق الذي سلكه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والصحب والأتباع، وحسن البنا والقسام، وجند الله في هذا الزمان.
يا أبناء الدعوة، دعوتنا واضحة جلية كفلق الصبح.. الإسلام الصحيح الكامل، دعوة الإصلاح الشامل.. فهم وإخلاص، وعمل وجهاد، وتضحية وصبر، وثبات وتجرد، وأخوة بيننا وطاعة وثقة على طريق رسولنا- صلى الله عليه وسلم-º إرضاءً لربنا وإعمالاً لقرآننا في دنيانا، رغبةً في إحدى الحسنيين.. النصر أو الشهادة، هذه الدعوة تحتاج إلى كل طاقاتنا، وإلى كل أوقاتنا، وإلى كل أموالنا وأنفسنا، وحينئذ- إن شاء الله- يرضى عنَّا ربنا فينصرنا في الدنيا ويدخلنا بفضله ورحمته الجنة، وهذه غاية مبتغانا (إöنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مöنْ الْمُؤْمöنöينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بöأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهö حَقًّا فöي التَّوْرَاةö وَالإöنجöيلö وَالْقُرْآنö وَمَنْ أَوْفَى بöعَهْدöهö مöنْ اللَّهö فَاسْتَبْشöرُوا بöبَيْعöكُمْ الَّذöي بَايَعْتُمْ بöهö وَذَلöكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ) (التوبة: 111). والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وصلى الله على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.