إن سيرة النجاشي رضي الله عنه وذكراه العطرة سوف تظل محفورة في سجل الزمان ، شاهدة بعظمة رجال أفذاذ أطهار ، صنعهم الإيمان º قد باعوا أنفسهم لله ، ونذروا حياتهم لإعلاء كلمة الإسلام ، وجعلوا أرواحهم فداءًا لدعوة الحق ، إلى أن انتقلوا في جوار ربٍّ كريم ، غير مبدّöلين ولا مضيّöعين .
وسنحاول في هذه الصفحات أن نلقي بعض الضوء على جوانب من حياة هذا الرجل العظيم ، وسيرته الزكية ، على النحو التالي :
التعريف به
قال الإمام ابن كثير : وفي بعض الروايات تسميته أصحمة ، وفي رواية مصحمة ، وهو أصحمة بن بحر ، وكان عبدا صالحا ، لبيبا زكيًّا ، وكان عادلا عالما رضي الله عنه وأرضاه ، وقال يونس عن ابن اسحاق : اسم النجاشي مصحمة ، وفي نسخة صححها البيهقيُّ أصحم ، وهو بالعربية عطية ، قال : وإنما النجِاشي اسم الملöك ، كقولك كسرى هرقل ، قلت : كذا ، ولعله يريد به قيصر ، فإنه عَلَمñ لكل مَن ملَك الشام مع الجزيرة مöن بلاد الروم ، وكسرى علَم على مَن ملَك الفرس ، وفرعون علَم لمن ملَك مصر كافة ، والمقوقس لمن ملَك الإسكندرية ، وتُبَّع لمن ملَك اليمن والشحر ، والنجاشيُّ لمن ملَك الحبشة ، وبطليموس لمن ملَك اليونان ، وقيل الهند ، وخاقان لمن ملَك الترك .
وهو " معدود في الصحابة رضي الله عنهم ، وكان ممّن حسُن إسِلامُه ولم يهاجر ، ولا له رؤية ، فهو تابعيّñ مöن وجه ، صاحبñ مöن وجه ".
قصة تولّöيه الحبشة
وكان لتولية النجِاشيّö مُلْكَ الحبشة قصّة ، ذكرتْها أمُّ المؤمنين عائشِةُ رضي الله عنها ، نوردها هنا ِ كما رواها ابن إسحاق رحمه الله ِ فيما يلي :
قال ابن اسحاق : قال الزهري : فحدّثتُ عروة بن الزبير بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسِلم [ بقصِة النجاشي ] ، فقال : هل تدري مِا قوله [ لعمرو بن العاص ] : ما أخذ الله مني الرشِوة حين ردَّ عليّ مُلْكöي ، وما أطاع الناس فيّ ، فأطيع الناس فيه ؟ قال : قلت : لا º قال : فإن عائشةَ أمَّ المؤمنين حدثتنْي أنّ أباه كان ملكَ قومه ، ولم يكن له ولد إلا النجاشيّ ، وكان للنجاشي عمّñ ، له من صلبه اثنا عشر رجلا ، وكانوا أهلَ بيتö مملكة الحبشة ، فقالت الحبشة بينها : لو أنّا قتلنا أبا النجاشي وملّكْنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام ، وإنّ لأخيه مöن صلبه اثني عشر رجلا ، فتوارثوا مُلْكَه من بعده ، بقيت الحبشة بعده دهرا ، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه ، وملّكوا أخاه ، فمكثوا على ذلك حينا .
ونشأ النجاشيُّ مع عمّه ، وكان لبيبا حازما من الرجال ، فغلب على أمر عمه ، ونزل منه بكل منزلة ، فلما رأت الحبشِة مكانه منه قالت بينها : والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمّöه ، وإنا لنتخوف أن يُملّöكه علينا ، وإن ملَّكه علينا ليقتلنا أجمعين ، لقد عرف أنا نحن قتلْنا أباه .
فمشوا إلى عمه فقالوا : إما أن تقتل هذا الفتى ، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا ، فإنا قد خفناه على أنفسناº قال : ويلكم ! قتلتم أباه بالأمس ، وأقتله اليوم ! بل أُخرجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل مöن التجار بست مئة درهمº فقذفه في سفينة فانطلق به ، حتى إذا كان العشيُّ من ذلك اليوم ، هِاجت سِحابة من سِحاب الخريف ، فخرج عمُّه يستمطر تحتها ، فأصابته صِاعقة فقتلتْه. قالت : ففزöعت الحبشة إلى ولده ، فإذا هو مُحمَّق ، ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشِة أمرهم .
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك ، قال بعضهم لبعض : تعلَّموا والله أن مَلöككم الذي لا يقيم أمرَكم غيرُه لَلَّذي بعتم غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن . قالت : فخرجوا في طلبöه ، وطلَبö الرجل الذي باعوه منِه حتى أدركوه ، فأخذوه منه º ثم جاؤوا به ، فعقدوا عليه التاج ، وأقعدوه على سرير الملك ، فملَّكوه .
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه ، فقال : إما أن تعطوني مالي ، وإما أن أكلّöمه في ذلك ؟ فقالوا : لا نعطيك شيئا ، قال : إذن والله أكلّöمه º قالوا : فدونك وإيَّاه . قالت : فجاءه فجلس بين يديه ، فقال : أيها الملك ، ابتعتُ غلاما من قوم بالسوق بست مئة درهم ، فأسْلَموا إليّ غلامي وأخِذوا دَراهمي حتى إذا سöرْتُ بغلامي أدْرَكوني فأخذوا غلامي ، ومنعوني دراهمي . قالت : فقال لهم النجِاشيّ : لَتُعْطُنَّه دراهمَه ، أو ليضعنّ غلامُه يده في يده ، فليذهبنّ به حيث شاء º قالوا : بل نعطيِه دراهمَِه . قالت : فلذلك يقول : ما أخذ الله مني رشوة حين رد عليّ مُلْكöي ، فآخذ الرشِوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ فأُطيع الناس فيه . قالت : وكان ذلك أوّل ما خُبöر من صلابته في دينه ، وعَدْله في حكمه .
إسلامه وتقدير النبي صلى الله عليه وسلم له
ولقد أسلم النجاشيُّ وجهَه لله رب العالمين ، وشهد شهادة الحق ، وآمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وحسُن إسلامُه ، وكان كريما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة ، وقد حفظ له النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعروف ، وقدّر له ذلك الصنيع الجميل .
عن أبي أمامة قال : قَدöم وفد النجاشيّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام يخدمهم ، فقال أصحابه : نحن نكفيك ، فقال : “ إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين ، وإنّي أحب أن أكافئهم “ .
أثر إسلام النجاشي في الدعوة وأهلها
ولم يكن إسلامُ النجاشيّ رضي الله عنه بالأمر العاديّ ، أو الهيّن ، بل كان ذا شأن عظيم ، وفوائد جليلة للدعوة الإسلامية وأهلها º إنه كان رöبْحا لنصيرٍ قويٍّ ومخلصٍ للدعوة ، حريصٍ كلَّ الحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين ، ومتيقّöظٍ لأيّö خطر أو مكروه قد يصيب إخوانَه في الدين ، فيعمل على دفعه عنهم ، بالإضافة إلى أن موقعه كحاكم يتربع على قمة هرم السلطة التنفيذية º يمكّöنه من معاقبة مَن يؤذي المسلمين أو يسيء إليهم .
ولا شك في أنّ إسلام النجاشيّ رضي الله عنه قد أدخل السرور على نفوس المسلمين في الحبشة ، ورفع من معنويّاتهم ، وزاد من إيمانهم ويقينهم في دينهم ، وثبِاتهم على الحق الذي ضحَّوا من أجله ، وتركوا ديارهم في سبيله ، وكذلك رفع من معنويات إخوانهم في مكة ، وأدخل الفرح عليهم ، وشدّ من أزرهم في الثبات على الإسلام ضدّ البطش والطغيِان ، وفي مقِابل ذلك فإنه قد أدخل الغمّ والحُزن على نفوس الكفار وأغاظهم ، وحطَّ مöن معِنويّاتهم ، وقد عاد عمروñ رسولُ قريش نفسه ِ فيما يبدو ِ مُحْبَطًا ، حيث جاء في بعض الروايات أنه : “ لمّا قدöم عمرو بن العاص مöن أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم ، فقالوا : ما شأنه ! ماله لا يخرج ؟! فقال عمرو : إنّ أَصْحَمَةَ يزعم أنّ صاحبكم نبيّ “ .
من محاسن النجاشي وفضائله
ومن محاسن النجاشي º أن أمَّ حبيبة رملةَ بنتَ أبي سفيانَ بنö حربٍ الأمويةَ أمَّ المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأَسِديّ قديما ، فهِاجر بها زوجها ، فانملس بها إلى أرض الحبشة ، فولدت له حبيبةَ ربيبةَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه أدركه الشقاء ، فأعجبه دين النصرانية فتنصّر ، فلم ينشب أن مات بالحبشة ، فلما وفت العدة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها ، فأجابت ، فنهض في ذلك النجاشيّ ، وشهد زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأعطاها الصداق عن النبي صلى الله عليه وسلم من عنده أربع مئة دينار ، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين ، ثم جهزها النجاشيّ .
فقيل : بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ست ، وقال خليفة : دخل بها سنة سبع من الهجرة .
غير أن من محاسن النجاشي وفضائله التي تركت بصمات نورانية في مسيرة الدعوة الإسلامية º تلك الوقفة العادلة المنصفة التي وقفها ضد خطة قريش وسعيها لإعادة المسلمين من الحبشة إلى مكة ، لفتنتهم في دينهم، وإلحاق الأذى بهم .
لقد رفض النجاشي تسليم المهاجرين من المسلمين ، كما ردّ هدية ( رشوة ) قريش ، وأخرج رسوليها الذين أوفدتهما لتلك المهمة القذرة مقبوحين ، وأعلن تأمين المسلمين في بلاده ، وقرر إنزال عقوبة مالية بمن يسيء إليهم بالسب أو الشتم ، حيث قال : اذهبوا فأنتم شُِيُومñ بأرضي ِ والشُّيوم : الآمنون ِ مَن سبّكُم غَرöم، ثم قال : مَن سَبَّكُم غَرöم ثم قال : مَن سَبَّكُم غَرöم ، ما أُحöبُّ أنّ لي دَبرا مöن ذهب ، وأني آذيتُ رجلا منكم ِ قال ابن هشام : ويُقال دَبرا من ذهب ، ويُقال : فأنتم سيوم ، والدَّبر ( بلسان الحبشة ) : الجبل ِ رُدُّوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردَّ عليَّ مُلْكöي ، فآخذَ الرشوةَ فيه ، وما أطاع الناسَ فيّ فأطيِعهم فيه ، قالت : فخرجا مöن عنده مَقْبوحَيْن مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار .
وفي رواية أخرى أنه قال : مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، أشهد أنه رسول الله ، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم ، انزلوا حيث شِئتم ، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحملُ نعليه ، وأوضّöِؤُه ، وأمَر بهدية الآخرين فرُدّت إليهما .
ولا عجب أن يحدث هذا من النجاشي º فلقد نعته النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يُظلَم عنده أحد ، كما جاء عند ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين : “ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملöكا لا يُظلَم عنده أحد ، وهي أرض صöدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه “ ، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفرارا إلى الله بدينهم ، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام .
وقد كانت تلك الوقفة من جانب النجاشي والتي أدت إلى إفشال تلك الخطة النكراء نجاحا عظيما للإسلام والمسلمين حينذاك ، حيث إن رجوع المسلمين إلى مكة ِ لو نجحَتْ قريش في تحقيقه ِ معناه تعرّض المسلمين فيها للفتنة الشديدة ، والمحنة القِاسية في دينهم ، بيد الكفار الذين لا يرقبون في مؤمن إöلاًّ ولا ذمة، وخاصة أنه كانت هناك تجارب سابقة ، وممارسات رهيبة ، وفظائع ارتكبها كفار قريش بحق من أسلموا ، بغية صدّöهم عن الإسلام ، وردّöهم إلى عبادة الأصِنام ، وهذه الممارسات لم تكن مقصورة على فئة العبيد والضعفاء فقط ، بل طالت الجميع ، حتى الشرفاء كأبي بكر رضي الله عنه ، ومöن قَبْله سيّدُ الخلق صلى الله عليه وسلم .
وكُتُبُ السِيرة مملوءة بصور فظيعة للتعذيب الوحشيّ الذي وقع على المسِلمين في مكة ، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله ، بل كانت هنِاك أُسَرñ بكاملها تُسام سِوء العذاب ، مثل عمّار بن ياسر ، وأبيه ، وأمّöه سمية ، وأخيه عبدö الله ، وقد كان مöن نتيجة هذا أن مات الأب من شدة التعذيب ، وسقطت الأمُّ شهيدة بيد عدوّ الله أبي جهل لعنه الله ، وغيرهم كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .
خروج الحبشة عليه
وقد تعرّض النجاشيُّ لحادثة كادت أن تعصف بمُلكه ، حيث خرج عليه بعض الناس ، وحاول أن ينتزعه من الحُكْم والمُلك ، وكانت قلوب المسلمين المهاجرين إلى الحبشة معه في هذه المحنة ، وأخذوا يدعون الله تعِالى بأن ينصره ، ويخذل عدوّه ، ويمكّöن له ، ثم انجلت الكربة ، وأزال الله الغمة ، ونصر النجاشيَّ ، ودحر خصمَه .
عن أم سلمة رضي الله عنها ِ في معرض حديثها عن ردّö النجاشيّö لرسوليْ قريش اللذيْن جاءا لإرجاع المسلمين إلى مكة مقْبوحَيْن خائبَيْن ِ قالت : فوالله إنّا لَعلَى ذلك إذْ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، قالت : فوالله ما علمْتُنا حَزöنّا حُزْنا قطُّ كان أشدَّ علينا من حُزْنٍ حَزöنّاه عند ذلك ، تخوَّفا أن يظهر ذلك الرجلُ على النجاشيّ ، فيأتي رجلñ لا يعرف من حقنا ما كان النجاشيّ يعرف منه . قالت : وسار إليه النجاشيّ ، وبينهما عرض النيل ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : َمنْ رجلñ يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ قالت: فقال الزبير ابن العوام : أنا . قالوا : فأنت . وكان من أحدث القوم سنًّا. قالت : فنفخوا له قöرْبة فجعلها في صدره ، ثم سبَح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم . قالت : فدعونا الله تعالى للنجاشيّ بالظهور على عدوّه ، والتمِكين له في بلاده . قالت : فوالله إنا لعلى ذلك متوقّöعون لما هو كائن ، إذْ طلع الزبير وهو يسعى ، فلَمَع بثوبه وهو يقول : ألا أبشِروا ، فقد ظفر النجاشيُّ، وأهلك اللهُ عدوَّه ، ومكّن له في بلاده . قالت : فوالله ما علمْتُنِا فَرöحْنا فَرْحة قطّ مثلَها. قالت : ورجع النجاشي ، وقد أهلك الله عدوَّه ، ومكّن له في بلاده ، واسِتوسق عليه أمْرُ الحبشة ، فكنا عنده في خير مَنْزöل حتى قدمْنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة .
شغفه بسماع القرآن الكريم
ولقد كان رضي الله عنه مرهف الحس ، زكي النفس º حيث طلب من جعفر رضي الله عنه أن يقرأ عليه مزيدا من كلام الله .
جاء في مغازي رسول الله لعروة بن الزبير رضي الله عنه :
فقال النجاشيّ : أيُّكم أدْرَسُ للكتاب الذي أُنزöل على نبيكم ؟ قالوا : جعفر ، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم ، فلما سمعها عرف أنه الحقّ ، وقال النجاشي : زدنا من الكلام الطيب ، ثم قرأ عليه سِورة أخرى ، فلما سمعها عرف الحق ، وقال : صدقْتُم ، وصدقَ نبيُّكم صلى الله عليه وسلم ، أنتم والله صِدّöيقون ، اُمكُثوا على اسم الله وبركته آمنين ممنوعين ، وأُلقöي عليهم المحبة من النجاشيّ .
تمسُّكُه بإسلامه وحرصُه على إخوانه المسلمين
ولم يكن إسلامُ النجاشيّö ، واعتقادُه عقيدةَ الحقّ ، التي جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم º طريقه مفروش بالورود ، بل كان محفوفا بالمصاعب والابتلاءات ، التي كان يمكن أن يفقد معها مُلْكَه ، ولكنّ الرجل كان مثالا للمؤمن الذي خاف مقام ربه ، وتوكّل على مولاه ، وآثر الباقية على الفانية .
قال ابن اسحاق : وحدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا ، وخرجوا عليه . فأرسل إلى جعفر وأصحابه ، فهيأ لهم سُفُنا ، وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فإن هُزöمْتُ فامضوا فالحقوا حيث شئتم ، وإن ظفرتُ فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله ، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، ثم جعله في قَبائه عند المنكب الأيمن ، وخرج إلى الحبشة وصفُّوا له ، فقال : يا معشر الحبشة ، ألستُ أحقَّ الناس بكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ، قال : فما بالكم ؟ قالوا : فِارقْتَ دينَنَا ، وزعمْتَ أن عيسى عبد ، قال : فمِا تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول هو ابن الله ، فقِال النجاشي ِ ووضع يده على صِدره على قبائه ِ : هو يشِهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا شيئِا ، وإنما يعني ما كتَبَ ، فرضِوا وانصرفوا عنه .
فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فلما مات النجاشيُّ صلى عليه واستغفر له .
وواضح من هذه الحادثة أن النجاشيَّ رضي الله عنه ، ما كان لينسى إخوانه المسلمين الذين هم في ضيافته، حتى في أحلك الظروف ، وأقسى الأزمات .
وفِِاته
ولقد بقي النجاشيُّ مستمسكا بإسلامه ، معتصما بعقيدته وإيمانه ، مثالا للمسلم الذي صدق ما عاهد اللهَ عليه ، حتى لقي ربه غير مبدّöلٍ ولا مضَِيّöع ، وفارق دار البلاء والفنِاء ، إلى دار الخلود والبقاء راضيا مرضöِيًّا ، في العام التاسِع من الهجرة ، وقد نعاه الحبيب محمد صلى الله عليِه وسِلم لأصِحابه نعيا رقيقا مُؤثّöرا ، فقال صلى الله عليه وسلم : “ إنّ أخًا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه ِ وفي رواية ِ فاستغفروا له “ .
قال السهيليُّ : وكان موت النجاشي في رجب من سنة تسع ، ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس في اليوم الذي مات فيه ، وصلى عليه بالبقيع ، رُفöع إليه سريرُه بأرض الحبشة حتى رآه وهو بالمدينة فصلى عليه .
وتكلّم المنِافقون ، فقالوا : أَيُصلّöي على هذا العööلْج ؟!
فأنزل الله تعالى : “ وإنّ مöن أهل الكتاب لَمَن يُؤْمن بالله وما أُنزöل إليكم وما أُنزöل إليهم “ .
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة ابن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : لما مات النجاشيُّ كان يُتحدَّث أنه لا يزال يُرى على قبره نورñ .
رضي الله تعالى عن عبده أصحمة ، وتقبّله في عباده الصالحين ، وجزاه خير الجزاء عما قدم للإسلام والمسلمين .