الحلقة السادسة
1- في البدء كان الانقلاب
استُخدم حزب البعث في تاريخه السياسي الطويل كرأس حربة لتحطيم جميع القيم السياسية والأخلاقية التي تعارف عليها الناس.. ولم يعد أعداء حزب البعث هم الذين يتهمونه مثل هذا الاتهام.. بل نفرñ من قادته وزعمائه هم الذين تولوا فضح أدواره المشينة. كان الاستعمار يزعم أنه إذا حكم بلداً مائة عام، استطاع بعد استقلال ذلك البلد أن يحكمه مائة سنة أخرى بالواسطة. وها هي سوريا تتهيأ للاستقلال بفضل النضال الشعبي الذي يقوده المسلمون في مختلف المدن.. بينما تلعب فرنسا لعبتها السياسية مع الكتلة الوطنية تارة، حتى إذا أرادت أن تضربها أوحت للبعض أن ينشئ عصبة العمل القومي (فالفرنسيون أقلقهم نضال الكتلة الوطنية التي تخندق الشعب بأكثريته الساحقة حولها ودعمها إلى أبعد الحدود وبلا تحفظ. فكان أن ارتاح الفرنسيون لقيام فئة عمل في نتيجة الأمر على شق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية، فكانت عصبة العمل القومي)(). في هذه الأثناء كتب صلاح البيطار في جريدة البعث مقالاً بعنوان (وطدوا الاستقلال بالحرية)() جاء فيه: (لقد قامت حركة البعث العربي على أساس احترام الحرية لدرجة التقديس، لأنها اعتبرت ضمان الحريات شرطاً لبعث الأمة وأساساً لإنشاء الوطن العربي).
فلننظر كيف حافظ البعث على الحرية البرلمانية وكيف قدسها بالانتخابات البرلمانية بأكثرية ساحقة. وكان أمام الحكم منذ استقلال البلد عام 1946 قضيتان:
· قضية فلسطين وقضية التابلاين.
· أما في فلسطين، فقد كان الجيش السوري على ضعف بنيته وحداثة تكوينه من أفضل الجيوش العربية في مواجهة القوات اليهودية().
· وأما اتفاقية التابلاين، التي عقدتها حكومة خالد العظم في شباط (فبراير) 1949 حول مرور أنابيب النفط الآتية من السعودية إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، فقد امتنع البرلمان عن توقيعها لما فيها من ربط البلد بالقوى الخارجية().
ولقد كشف مايلز كوبلاند (عميل المخابرات المركزية) في كتابه (لعبة الأمم) أن أمريكا أرادت أن تضرب العصفورين بحجر واحد.. تضرب الجيش السوري عن طريق الانقلاب فتشله للأبد، وتوقع اتفاقية التابلاين بدون برلمان (ولا هم يحزنون)، فكان انقلاب حسني الزعيم. وقد وصف المؤرخ بيتر تومياني المحاولة (بأول محاولة دبلوماسية أمريكية مستوردة في الشرق الأوسط)().
فمن الذي مهّد للانقلاب؟
البعثيون (حماة الحرية ومقدسوها) هم الذين هيأوا للانقلاب.. ولنسمع إلى شهادة عضو اللجنة التنفيذية لحزب البعث: (قبل الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم نشط حزب البعث نشاطاً منقطع النظير. وقد اتخذ له استراتيجية إذ أصبح العمل على وتيرة واحدة في كل نواحي المدن التي للحزب فيها فرع. في كل يوم محاضرة تتبعها في اليوم التالي مظاهرة. واتضح أن يداً خارجية هي التي مهدت لمثل هذا الجو.. وما لبث المناخ أن أصبح مهيأ لعملية انقلاب عسكرية)().
ولنسمع إلى شهادة عضو قيادي بعثي آخر يعطي مزيداً من التفصيلات:
(منذ بدء عام 1949 أخذ الحزب يمهد لانقلاب عسكري. لم يكن بعيداً عما يحاك.
وفي 29 مارس (آذار) من هذه السنة أطاح الجيش بنظام القوتلي وحل محله الزعيم حسني الزعيم)().
وابتدأ الزعيم حياته السياسية بتصريح قال فيه: (اليوم الطريق مفتوحة أمام الشعب العربي في سوريا ليسير قدماً نحو تحقيق رسالته الخالدة). ورد البعث لقائد الانقلاب تحيته بأحسن منها، ففي 7 نيسان (أبريل) نظموا مظاهرة ضخمة تأييداً للانقلاب، تكلم فيها عفلق فقال: (إننا نستبشر بهذا الحادث ونعلق عليه الآمال)().. وأعلن (أن الجيش هو الأداة الأمنية التي نفذت رغبة قومية وإرادة عامة).
وسار المخطط كما ينبغي له أن يسير. حلّ البرلمان، علق الدستور، ووقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، كما أمر بانسحاب الجيش السوري من بعض مناطق شمال فلسطين.. التي كان الجيش السوري من بعض مناطق شمال فلسطين.. التي كان الجيش قد حررها عام 1948 من الاحتلال اليهودي. وصدق على اتفاقية التابلاين مع الأمريكان، كما وقع اتفاقية مماثلة مع شركة نفط العراق بغرض مدّ أنابيب نفط أخرى، كما تم توقيع اتفاقية نقدية مع فرنسا، ووقع بالأحرف الأولى اتفاقية مع تركيا لإرسال فنيين لتدريب الجيش العناية الإلهية لإنقاذ البلد.. (ولم يستطع البعثيون أن يفوزوا بالكثير في ظل مثل هذا الحاكم المتسلط، فوقع الصدام)().. وزج حسني الزعيم بقيادة البعث في المعتقل لمدة ثلاث أسابيع.. وقد تعرض عفلق في معتقله إلى المضايقات التالية:
1- صدمة لم يكن يتوقعها من الإهانة والازدراء وحلق الشعر والحبس المنفرد.
2- حرمان من التدخين.
3- حرب أعصاب مستمرة وإرهاق ومنع النوم بدخول عساكر إلى الزنزانات بقصد الإخلال بالراحة.
4- إطلاق الإشاعات والتحذيرات().
الأمر الذي جعله يكتب لحسني الزعيم الرسالة التالية بعد مرور عشرة أيام فقط على اعتقاله.. (في هذه الرسالة يعترف عفلق بأخطائه وأخطاء حزبه إزاء نظام البناء والعمل الإيجابي ويعلن: أنني قانع كل القناعة بان هذا العهد الذي ترعونه وتنشئونه يمثل أعظم الآمال وإمكانيات التقدم والمجد لبلادنا، فإذا شئتم فنكون في عداد الجنود البنّائين. وإذا رغبتم أن نلزم الحياد والصمت فنحن مستعدون لذلك.
سيدي دولة الزعيم، لقد اخترت أن انسحب نهائيا من كل عمل سياسي بعد أن انتبهت بمناسبة سجني إلى أخطاء في أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق، وأعتقد أن مهمتي قد انتهت وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد، وأن بلادي لن تجد من عملي السياسي أي نفع بعد اليوم.
سيدي دولة الزعيم، أنتم اليوم بمكان الأب لأبناء البلاد، واتركوا لنا المجال كي نصحح أخطاءنا ونقدم لكم البرهان على وفائنا وولائنا)().
والرسالة في حدّ ذاتها لا قيمة لها.. فهي وثيقة كتبت تحت الضغط.. ولكنها تعطينا الدليل على صلابة زعماء البعث الرواد الذين تنكروا لكل شيء بعد اعتقال دام عشرة أيام فقط.
فهل ينتبه الجيل إلى الزعامات التي قاومت الطغيان السنين ذوات العدد فما انحنت لهم هامة ولم يطلبوا العفو إلا من ربهم؟
الانقلاب الثاني
لم يدم حكم حسني الزعيم غير ستة أشهر، سقط بعدها هو والسيد محسن البرازي (رئيس وزرائه) برصاص انقلاب آخر، ومحاكمة سرية لم يعرف عنها شيء تقريباً. لم يعترض أحد على الإعدام بدون محاكمة، لم يتبادر لأذهانهم أنها ستصبح ذات يوم تقليداً وجزءاً من تاريخ سورية المعاصرة.. فهل توقف البعث عن القيام بهذه اللعبة القذرة: تهديهم الديمقراطية بالانقلابات العسكرية؟
وكما حصل في الانقلاب الأول، فقد كثف حزب البعث وأكرم الحوراني اتصالاتهم بالضباط الشبان، وكان الانقلاب الثاني بتاريخ 14 آب (أغسطس) 1949 بقيادة اللواء سِامي الحنِاوي.. وقد وصفه الصحفي اللبناني، أدوار صعب، على النحو التالي: الرجل.. ليس عنده بالفعل ما ينم عن شخصية بارزة، ولا عن مزايا إنسان قوي ومصمم، فهو بدين ومترهل وأمّي تقريباً، وهو أعجز من أن يصمد في مناقشة، وتراه باستمرار يغير من أفكاره وقناعته، إذا ما وجد نفسه أمام متحدث مقنع ومتحمس. وكان يقال في دمشق: إن الحناوي ولد ليكون عميلاً)().
وشكل الحناوي وزارة برئاسة هاشم الأتاسي، دخلها ميشيل عفلق وزيراً للتربية وأكرم الحوراني وزيراً للزراعة.. الأول ليرسل فيها البعثيين في بعثات إلى الخارج، والثاني ليصفي حساباته مع زعامات حماة التقليديين.
في الانتخابات النيابية التي جرت في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 1949 فاز فيها جلال السيد عضو اللجنة التنفيذية للحزب عن منطقة دير الزور. (ولقد أكد جلال السيد نفسه بأن نجاحه لم يكن بقوة الحزب، بل لما كان له من نفوذ شخصي ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً ما مارسه العراقيون من ضغوط انتخابية مختلفة لمصلحته)(). كانت الهيئة التأسيسية المنتخبة تضم أكثرية من حزب الشعب()، وقد طالب النواب بالاتحاد مع العراق وكانت جميع الأجواء مهيئة لهذا الاتحاد.. وفجأة حدث ما يشبه الثورة الداخلية في هيئة الأركان العامة بتاريخ 19 كانون الأول (ديسمبر) 1949. وقد تزعم ذلك العقيد أديب الشيشكلي وكان هناك تياران وراء التمرد الجديد: الأول يمثل البعثيين والحورانيين.. والثاني يمثل السياسيين والضباط الذين تربطهم علاقات وثيقة بالدوائر الأجنبية التي كانت تنظر بعين القلق والعداء لأي تقارب بين العرب().
وهكذا ساهم البعثيون للمرة الثالثة في إنهاء الحياة المدنية ومحاربة الوحدة هذه المرة عن طريق الانقلاب العسكري. وكان لهم في الهيئة التأسيسية موقف آخر في غاية الاستهجان وهو التصدي بكل عنف واستهتار للأستاذ مصطفى السباعي ممثل الإخوان المسلمين وهو يطالب أن يكون الإسلام دين الدولة.. بينما يدعون هم للعلمانية وإبعاد الدين عن الدولة.
وفي تاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1951 نفذ الشيشكلي انقلابه الثاني وأعلن عن تولي الجيش شؤون البلاد.. وحل البرلمان، وعفلق الدستور، واعتقل معروف الدوالبي رئيس الوزراء وعزل رئيس الجمهورية. ولقد استقبل حزب البعث الانقلاب بارتياح وأظهر تأييداً كبيراً للانقلابين اللذين قادهما الشيشكلي في 19 كانون الأول (ديسمبر) 1949 و29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1951(). ولكن سرعان ما قلب الشيشكلي للحزب ظهر المجن وأقام له حزباً خاصاً به أسماء (حركة التحرير العربي).. واضطهد جميع الأحزاب والكتل التي لم تخضع لديكتاتوريته. وإذا كانت الذي يتزعمه أكرم الحوراني وقد أسفرت هذه المصائب عن ولادة حزب جديد اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي) ولا بأس أن نلقي نظرة على أكرم الحوراني الذي لعب دوراً هاماً في تاريخ سورياً الحديثة.
أكرم الحوراني
أكرم الحوراني من الشخصيات شبه الغامضة، إليه تنسب معظم الانقلابات العسكرية التي قامت في سوريا.. سياسي واقعي.. يؤمن بالأفعال أكثر من النظريات.. مبادؤه المصلحة، وأنصاره الحمويون.. انتهازي من الطراز الأول هو صانع الانقلاب، ومتآمر من أجل انقلاب آخر. ولد أكرم الحوراني في مدينة حماه عام 1912 من أسرة إقطاعية.. كان أبوه من كبار ملاكي الأرض في المنطقة. وقد حاول في ظل الإمبراطورية العثمانية أن يسلك طريق السياسة مرشحاً نفسه للانتخابات النيابية في ذلك الحين غير أن الإخفاق الذي مني به في هذه الانتخابات والمناعات المستمرة بين عائلتِه والعائِلات الإقطِاعية الأخرى أفقده القسم الأكبر من ثروته(). هذا الإخفاق قد يكون السبب الذي جعل أكرم يحرص أشد الحرص على تحدي الأسر التي هزمت والده. انتسب في البداية إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1936 وأسس فرعاً له في حماة وجمع حوله الاجتماعي عام 1936 وأسس فرعاً له في حماه وجمع حوله أعداداً من الفلاحين لمواجهة الأسر الأخرى التي كانت أساساً تعمل ضمن الكتلة الوطنية التي تصدت لمكافحة المستعمر الفرنسي في البلاد. ويعتقد الكثيرون أن أكرم الحوراني استخدم هذا الحزب لاستخدام واجهته أكثر من أي شي آخر.. خاصة وأنه بدأ يلمع نجم هذا الحزب في سماء سوريا. ومع ذلك فقد كتب رسالة إلى الجنرال (ويغان) الفرنسي في بداية الحرب العالمية الثانية يؤكد له فيها أنه انسحب من الحزب القومي السوري.. الذي لم يكن بالنسبة له أكثر من إيجاد هيئة سياسية معارضة لحزب الكتلة الوطنية. وفي ختام رسالة الحوراني إلى (ويغان) يقول له: وما من شاب سوري يتأخر عن مساعدة الأمة الفرنسية النبيلة للقضاء على النازية الفاشية التي تحاول أن ترجع بالعالم إلى عصور الهمجية والتوحش الأولى(). وهذه الرسالة تدل على عقلية أكرم الانتهازية التي تهمها المكاسب أكثر مما تتوقف عند المبادئ.
في عام 1940 أسس أكرم بحماه حزب الشباب.. وعلى نفس النمط السابق، فقد كان الحزب مجرد واجهة لتجميع الشباب المثقف في مدينة حماه.. والفلاحين في ريف المدينة وشحنهم ضد الإقطاعيين أعداء أسرته.. وإذا كان ريف حماه أغلبه من الفلاحين النصيريين أدركنا حجم الجريمة التي قام بها في تجميع هؤلاء وشحنهم بالحقد ضد العناصر الأخرى المعادية لأكرم الحوراني.. وليس صحيحاً أن خصوم أكرم السياسيين كلهم من الإقطاعيين، فهؤلاء أعدادهم محدودة أما أكثرية أهالي مدينة حماه فكانوا من الإخوان المسلمين الذين لا يرتاحون ببأساليب الغوغائية الانتهازية التي يسلكها أكرم الحوراني.
دخل أكرم الحوراني البرلمان منذ عام 1943، عندما نجح باسم حزب الشباب، ومنذ ذلك التاريخ لم يفقد مقعده في هذا المجلس حتى عام 1963 موعد قيام الانقلاب البعثي في سوريا.
كما همه الأول إقامة الصلة مع ضباط الجيش، وخاصة الحويين منهم.. فقد كان يرى المستقبل من خلال هؤلاء.. عمل مع كل الديكتاتوريات التي حكمت سوريا ثم انقلب عليها. وعندما كان وزيراً للدفاع في فترة الشيشكلي الأولى دفع أعداداً متزايدة من الشبان الحمويين ومن ريف حماه من النصيريين إلى الكلية الحربية في حمص.. كما عمل على تسريح أعداد كبيرة من ضباط الأحزاب الأخرى.. في عام 1952 وبتشجيع من أديب الشيشكلي عقد مؤتمراً كبيراً في حلب وأعلن فيه عن تشكيل حزبه العري الاشتراكي، الذي شكل فيما بعد، وبعد اندماجه مع البعث في 13 نوفمبر عام 1952، حزب البعث العربي الاشتراكي بزعامة ميشيل عفلق.
في 14 تشرين الأول (أكتوبر) انتخب أكرم الحوراني رئيساً لمجلس النواب السوري فحقق بذلك إحدى أمنيات وأصبح بالفعل شخصية سوريا القوية بما لديه من نفوذ في البرلمان والجيش. وفي 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1957 عقد اجتماع مشترك بين وفد برلمان سوري برئاسة الحوراني ووفد برلماني مصري برئاسة أنور السادات واقترح المجتمعون إقامة اتحاد فيدرالي بين القطرين.
عُيّن رئيساً للمجلس التنفيذي السوري في دولة الوحدة عام 1958 ثم جرّد من مسؤولياته كممثل للحكومة المركزية لدى المجلس التنفيذي في الإقليم الشمالي في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1958.
وقع مع صلاح الدين البيطار وثيقة الانفصال.. وابتدأت مواقفه تفترق عملياً عن مواقف القيادة القومية للبعث التي يمثلها شخص ميشيل عفلق.. في المؤتمر القومي الخامس الذي عقد في مدينة حمس في النصف الأول من شهر أيار (مايو) 1962 لم يدع إلى هذا الاجتماع كل من أكرم الحوراني وأنصاره.. وبالتالي فقد أبعدوا من الحزب بصورة عملية.
بعد الهزيمة في فلسطين تشكلت لجنة عسكرية هدفها تحديد العوامل السياسية والعسكرية التي أدت إلى الهزيمة، وعن طريق عضويته في هذه اللجنة على صلة وثيقة بالضباط والانقلابات.
بعد انقلاب 8 آذار 1963 صدر قرار بالعزل السياسي تناولت مجموعة من السياسيين كان منهم أكرم الحوراني بحجة أنهم أيدوا الحكم الانفصالي.
هذا هو أكرم الحوراني الذي لعب دوراً بارزاً في تاريخ سوريا السياسي من خلال حزب البعث وقبله وبعده، وهو يريد استخدامها فاستخدمته. وكان يظن نفسه ذكياً قوياً.. فتبيّن أنها أقوى منه وأذكى يوم رمته بعيداً هيكلاً لا قيمة له.. هذا هو أكرم الذي قبض من الجميع وسار في ركاب شخصه وخسر أخيراً كل شيء.
الانقلاب على الشيشكلي
وفي آذار (مارس) 1954 غادر الشيشكلي البلاد بعد إعلان النقيب مصطفى حمدون عن انقلاب جديد.. وكان للبعثيين كالعادة دور طليعي في إسقاط الحكم السابق.. وفي تأييد الانقلاب اللاحق.
يذكر عضو اللجنة التنفيذي لحزب البعث (أن المفاجأة التي ظهرت لنا فيما بعد هي أن الحزب لم يكن إلا وسيلة ومخلباً. وأنه لم يكن مطلعاً على تخطيط يجري من وراء ظهره. فقد كان للعراق ضلع كبير بل وضلع وحيد في إسقاط الشيشكلي)().
وهذا رأي آخر لبعثي آخر يقول: (عندما اقتربت نهاية عام 1953 وبدأ عام 1954 ظهر بوضوح أن القوى الاستعمارية والرجعية بالذات، بدأت تهيئ لقلب نظام الشيشكلي بعد أن شدد مضايقته، لمصالح البرجوازية التجارية والإقطاعية، وأصبح حجر عثرة أمام الأحداث الدولية المعقدة التي توّجت بحلف بغداد)().
هذه هي قواعد اللعبة الدولية البريطانية والأمريكية في إجهاز الجيش السوري، وحرف السياسة السورية، عن مجراها الشعبي الرئيسي.. وهؤلاء هم مخالب القط في تنفيذ هذه اللعبة القذرة مباشرة أو بالواسطة. وعلى الرغم من استمرار اللعبة الديمقراطية في الظاهر (فمازال الجيش يدير الأحداث من وراء ستار) وبناء على ضغط البعث فقد أجبر الجيش صبري العسلي رئيس الحكومة الائتلافية على الاستقالة في 11 حزيران 1954.
soutahhan@hotmail.com
المقالات الخاصة بنفس الكاتب
Query Error