كتبت في مقال سابق في موضوع (ثقافة التغيير) وبينت أن لكل قضية ثقافة تعبر عنها وتمهد لها، وتدفع الجماهير لتحقيقها، وقلت إن عشرة ركائز ثمثل عناصر هذا الثقافة .وقلت إن هذه العشر ينبغي أن يتبناها المصلحون المنادون بالإصلاح وينشرونها في المجتمع، وكانت الركيزة الأولى التي أوضحتها في المقال السابق بعنوان ( ثقافة الحقوق) وهي ركيزة الركائز التي ينبغي أن يبرزها الدعاة وتتحرك بها الجماهير لنيل حقوقها ولو انتزاعا من غاصبيها .
وفي هذا المقال الثاني نضيف الركيزة الثانية من ركائز ثقافة التغيير ألا وهي:
2- الإيمان بالحاجة إلى التغيير وضرورته
التغير طبيعة كامنة في مخلوقات الله، والتغيير واجب مفروض يوم يكون تغييرا بالحق وإلى الحق، لكن التغيير الذي يدير أصحابه للحق ظهورهم فهو إلى الانحطاط أقرب منه إلى الإصلاح، وقاعدة التغيير في التنزيل واضحة :\" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم\" الرعد:11 . فلابد من الإيمان بضرورة التغيير، وهذا نوع توجه تسبقه محاسبة توقف صاحبها على حقيقة نفسه وحاله، وتوقف الأمة والجماهير على واقعها بين الأمم، وموقفها من رسالتها.
وتنجح هذه المحاسبة إذا توفرت لها العناصر التالية :
- العلمية المنهجية في التقييم والمحاسبة.
- الصدق الكامل مع النفس .
- الشمول في النظرة .
كل هذا على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة، فالعلمية المنهجية نور يحدد به الفرد وتقف بها الأمة على نقائصها ونقاط الضعف عندها، وأمم الأرض اليوم تتبع المنهج العلمي في التخطيط والتقويم، ورسم الطموحات وطرائق التغيير، وأمتنا وهي أمة العلم والفهم والفكر مطالبة من قبل ربها بألا تغادر هذه المنهجية إلى العشوائية والارتجال .
وأما الصدق فهو تمام النظرة وكمالها، واجتماع أركانها، وقوة الصراحة والشجاعة في تحديد العيوب الفردية والجماعية، وقد قال الإمام حسن البنا رحمه الله:\"وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق وكتمان السر، والاعتراف بالخطأ والإنصاف من النفس\" ويوم نبرأ من التبرير الذي يزين الباطل ويطيل عمر الأخطاء يومها سننطلق إلى أفق التغيير الحق.
وأما شمول النظرة فهذا عنصر رئيس يكافئ حجم الواجبات التي طالها التقصير، سواء في الناحية الروحية أو البدنية أو الثقافية أو السياسية أو أو ... الخ فهناك تقصير واضح في فروض الكفايات وفروض الأعيان، هناك تقصير الرعية وإهمال الرعاة، هناك تخاذل العلماء ...الخ .
إن العلمية المتحققة بالصدق التي آفاقها الشمول هي ركائز المحاسبة التي تدفع بإذن الله تعالى إلى (الإيمان بالحاجة إلى التغيير وضرورته)
أن هناك عدة آفات أصابت الكثير من أفراد الأمة في هذا الجانب منها :
- الظن أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان .
- المبالغة في إحسان الظن بالنفس.
- إلقاء اللوم على الآخرين والكلام عليهم ونقدهم .
- النظرات الجزئية للنفس والواقع .
إلى غير ذلك من الآفات المقعدة عن الإيمان بضرورة تغيير النفس وإصلاح الأمة .
والسؤال الآن : هل نحن كأفراد وكأمة في حاجة إلى تغيير وإصلاح ؟ أرجو أن نتحلى بعناصر المحاسبة المذكورة ثم نمارسها قبل الجواب .
هذه الركيزة ينبغي توسيعها نظريا لتكون مادة للمصلحين من الدعاة والمثقفين يشبعون بها عقول الجماهير البائسة التي فقدت كثيرا من المفاهيم، وأصبح الإعلام الآثم يزيد في ضلالتها.
والمقترح هنا:
- أن يتبنى الدعاة في خطابهم الجماهيري كالخطب والدروس والمحاضرات، وخطابهم الشخصي في علاقاتهم الفردية الاجتماعية والمهنية وغيرها هذا المفهوم ويشيعونه بقوة ليؤمن الناس أنهم في خطر دائم ولن يغير الله أحوالهم إلا إذا آمنوا بأنهم محتاجون إلى التغيير ثم يسعون إليه عمليا.
- أن تتبنى النقابات المهنية واتحادات الطلاب والجمعيات والمؤسسات الثقافية وغيرها هذه القضية وتعد لها مؤتمرات وتنشر مكتوبات ومسموعات عن ضرورة الإيمان بحاجتنا إلى التغيير كمقدمة لتلقي المنهجية العملية التي يطرحها الدعاة والمصلحون للتغيير والإصلاح.
- أن يتبنى عموم الأفراد من العاملين للإسلام هذه المفاهيم وتكون مادة في احتكاكهم بالمجتمع، فهي إيقاظ للإيمان المخدر الذي رضي أصاحبه بحالهم ولم يتنبهوا إلى خطر ما هم فيه.
والله تعالى الموفق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
د/ أحمد محمد زايد
كلية أصول الدين جامعة الأزهر
azayd@hotmail.com