لاشك أن قراءة السيرة لابد أن ترتبط بالتعلممن دروسهاº ذلك لأن سيرة الرسول صلَّى اللهعليه وسلَّم أولاً جزء من سنته التي أمرناالله عزَّ وجلَّ باتباعها، وثانيًا لأنالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد مَرَّفي جهاده من أجل إعلاء كلمة الله تعالى،وإنشاء الدولة الإسلامية الأولى بكل مايمكن أن تمر به الأمة في سعيها نحو إعادةتمكين الشريعة الإسلامية، وإقامة دولةالخلافة من جديد، وتحقيق مفهوم الأمة الواحدةكما أراد الله تعالى.
منهنا فإن قراءة أحداث السيرة بمفهوم عصري،أي إسقاط الأحداث على ما يجري حاليًا هيخطوة ضرورية لفهم ما يجري، وما يمكن أنيحدث بعد ذلك.
ومنثَمَّ يمكننا من خلال إعادة قراءة أحداثغزوة الأحزاب فهم ما جرى في غزة، وما يحدثفي المنطقة.
لقدكانت صدمة المشركين في غزوة بدر 2هِ ضخمةºإذ لم يتوقعوا أن تُهزَم جحافلهم المدججةبجميع أنواع الأسلحة من ثلث عددها الذينلا يحملون إلا السيوف، وكذلك كانت صدمةاليهود في المدينة المنورة الذين كانوايتابعون الأحداث بعد أن قبلوا مضطرين إلىالقبول بالمعاهدات مع النبي صلَّى اللهعليه وسلَّم آملين أن تتغلب قوى الشرك علىدولة الإسلام الوليدة.
منهنا قامت قريش بالاستعداد لغزوة أُحُدالتي جرت في العام التالي 3هِ، وكان النصرمتراوحًا بين المسلمين في بداية المعركة،والمشركين في نهايتها بعد مخالفة أغلبالرماة الشهير لأوامر النبي صلَّى اللهعليه وسلَّم.
هدأتقريش قليلاً بعد هذه المعركةºفقد حققت شبه انتصار حاولت أن تجد فيه سلوىوتعويضًا عن هزيمة بدر، وسكنت جراحها شيئًاماوإن لم تندمل تمامًا، ولكن كان هناك منكان قلقهم يتعاظم من ترسخ وجود دولة الإسلام،وهم اليهود...
اليهوديحركون قوى الكفر
لقدوجد اليهود - وخاصة يهود بني النضير الذينطردهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إثربعض خياناتهم - أن تعاظم قوة الدولة المسلمةليس في صالحهم، ولا يخدم أهدافهم الإستراتيجيةالمتمثلة في القضاء على الفكرة الإسلاميةمن الأساس، والسيطرة على المدينة المنورةكبداية من خلال إثارة الحروب والنزاعاتبين الأوس والخزرج، ثم السيطرة على بقيةالجزيرة العربية وقبائلها من خلال ترسيخأنهم أفضل من بقية العربي لأنهم أهل كتاب،ومن خلال سيطرتهم على المال، والسلاح،واستخدام الربا في السيطرة على الأفرادوالزعماء، واستخدام الجنس وإشاعة الفاحشةكذلك..
منهنا بدأ اليهود وقد أقلقهم مرور الأياموالشهور دون حروب من قريش ضد المسلمين بدأوافي إرسال وفود إلى قبائل العرب تدعوهم وتحرضهمعلى ضرب الوجود افسلامي في المدينة المنورةضربة تجتثه تمامًا، وتقضي عليه، وكانعلىرأس الوفود حيي بن أخطب سيد بني النضير.
التحريض
بدأتتلك الوفود بقريش – لأنها صاحبة العداوةالأولى والمصلحة المباشرة في القضاء علىالإسلام – وبدأ الوفد يحرض قادتها، وبلتأكيدقد قالوا لهم: إن استمرار وجود المسلمينقد أفقدكم هيبتكم، ويوشك ان يقضي على مصالحكمباعتباركم سدنة بيت الله الحرام، والمتحكمينفي زواره، والمستفيدين من موسم الحج بالتجارة،وبيع الأصنام، وقد كانت العرب تدين لكمبالطاعة، أما إن استمر المسلمون فسيدخلالجميع في الإسلام، وتفقدون كل شيء.
واقتنعتقريش بالأمر، ورغم صلات القربى التي تجمعأفرادها بالمسلمين إلا أن الكيد اليهوديآتى ثماره، وأخذت المراجل تغلي في الصدورتشوقًا لليوم الفصل، ولكن اليهود لم تكتفöبقريشº فقد كانت تريد توجيه ضربة قاصمةللدولة الإسلامية لا تقوم بعدها أبدًا،ومöن ثَمَّ فقد جابت الجزيرة العربية تطلبالتأييد من كل القبائل، بل تطلب المشاركةالكاملة في الحشد والقتال، والحصار الاقتصاديإن لزم الأمر.
استطاعاليهود إقناع القبائل بنفس ما أقنعوا بهقريشًَا، وتشكل الحشد العربي غير المسبوق – لا في مناصرة الحق، وذوي رحمهم من المسلمين،ولكن – من أجل إعلان الحرب الشاملة عليهم.
ولكنأدرك اليهود أنه لابد من وجود مساعدة داخليةتسهل للحشد العدوان، وتحقيق الانتصار..
لابدمن عنصر خائن عميل يضرب المسلمين في ظهورهمبينما هم مطمئنون إليه، ووجدوا بغيتهمفي يهود بني قريظة المرتبطين بمعاهدة معالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولكنهل يقبل بنو قريظة أن يخونوا الرسول صلَّىالله عليه وسلَّم والمسلمين؟
لقدرفضوا في البداية، ولكن حيي بن أخطب ظلَّيحاول إقناع سيدهم كعب بنأسد القرظي، ويذكر له الحُلم اليهودي فيالسيطرة وامتطاء الأممº حتى وافق كعب علىشرط أنه إذا لم يستطع العرب الانتصار علىالمسلمين، وتركوا المدينة ورجعوا أن يدخلحيي بن أخطب مع بني قريظة، ويجري عليهمسويًّا ما سيجري لهم من عقاب الرسولصلَّى الله عليه وسلَّم.
وبقيفي التخطيط المتكامل للعدوان إعداد الترتيباتالتالية للغزو والانتصارº فلو تم الهدفمن المعركة، وقُتöلَ الرسول صلَّى اللهعليه وسلَّم، واكابر الصحابة، ورجع الباقونعن الإسلام، أو خضعوا لسلطان المشركينºفمن سيتولى الأمر في المدينة؟
مَنالسلطة التي ستتولى حكم المدينة تحت وصايةاليهود؟
وكانالبديل متوافرًا في المنافقين، وعلى رأسهمعبد الله بن أُبَي بن سلول، ومن ثَمَّ اكتملالتخطيط.
كاناكتمال الحشد يحتاج لوقت طويلº فهذا اجتياحلم يسبق له مثيل، ووالهدف كبير، ولابد منإعداد طويل قد يحتاج شهورًاº لذا لابد منخداع المسلمين حتى لا يتنبهوا للأمرº فلامانع إذن من التهدئة معهمº حتى يصرفوا فكرةالحرب والاستعداد لها من عقولهم.
ولكنعلى الجانب الآخر كان النبي صلَّى اللهعليه وسلَّم متيقظًاº لذا اخبرته أجهزةمخابراته بما يُدَبَّرº فعقد مجلسًا تشاوريًاخرج منه باقتراح سلمان الفارسي رضي اللهعنه بحفر الخندق لحماية المدينة، ومنعالمشركين من اقتحامها، وتم الحفر بمشاركةالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.
الحصار
وتكونأكبر جيش عرفته الجزيرة العربية – عشرة آلاف مقاتل - ووصلت الجيوش المشركة، وعجزت أمام الخندق،وأمام العزائم الصلبة التي تحلَّى بهاالمسلمون، وبدأت محاولات اقتحام الخندقالتي باءت بالفشل أمام بسالة المسلمينفي الدفاع عنه.
انتهزتوسائل إعلام المنافقينفرصة الحصار والتضييق، وبدأتفي العمل "هُنَالöكَابْتُلöيَ الْمُؤْمöنُونَوَزُلْزöلُوا زöلْزَالًاشَدöيدًا * وَإöذْ يَقُولُالْمُنَافöقُونَ وَالَّذöينَفöي قُلُوبöهöمْ مَرَضñمَا وَعَدَنَا اللَّهُوَرَسُولُهُ إöلَّاغُرُورًا" (الأحزاب : 11 ، 12)
وبدأوايحرضون المسلمين على الفرار من الخندق "قَدْيَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّöقöينَمöنْكُمْ وَالْقَائöلöينَلöإöخْوَانöهöمْ هَلُمَّإöلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَالْبَأْسَ إöلَّا قَلöيلًا" (الأحزاب : 18).
أمَّاالمؤمنون فكان الحصار الشديد دافعًا لهمإلى زيادة الإيمان والتسليم "وَلَمَّارَأَى الْمُؤْمöنُونَالْأَحْزَابَ قَالُواهَذَا مَا وَعَدَنَااللَّهُ وَرَسُولُهُوَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُوَمَا زَادَهُمْ إöلَّاإöيمَانًا وَتَسْلöيمًا" (الأحزاب : 22).
وجاهربنو قريظة بالعداوة، وهم المحتلون للجبهةالجنوبية للمدينة، ويستطيعون تمكين المشركينمن دخول المدينة من جهتهم، وأخذت وسائلإعلامهم تشوّöه صورة المسلمين، وتُظهرهمانهم كانوا هم السبب فيما حدث من حصار للمدينة،وأن المدينة قبل مجيء الرسول والإسلامكانت آمنة مطمئنةº فلما أتوا أصابها الخطر،وتجمع العرب حولها يريدون تدميرها.
الانتصار
لميكن الله عزَّ وجلَّ ليترك المؤمنين علىما هم فيه من الحصار، ويُشْمöت بهم الأعداء،وما كان الله لينصر المشركين على دينه،ولكنه سبحانه وتعالى أراد ان يعلمنا درسًاجديدًا بليغًا في قواعد النصر والهزيمةºفليس معنى النصر دائمًا أن تقضي على عدوكتمامًا، أو ان تقتل منه عددًا كبيرًاº فقدتكون قواتك أقل عددًا وعُدَّة من قواتهºلذا فحينها يكون صمودك اما عدواك، وثباتكعلى دينك ومبدئك هو النصر، وسوف يُكمöلالله تعالى لك الباقي.
جاءنصر الله عزَّ وجلَّ في هذا الوقت بشكلجديدº فأرسل ريحًا كفأت قدور المشركين،واقتلعت خيامهم، وقذف الله في قلوبهم الرعبºفصاروا لا يستطيع الواحد منهم الخروج وحده،ولم يعودوا يحاولون اقتحام الخندقº حتىأيقنوا أنهم لا مقام لهمº فرجعوا خائبينلم يحققوا هدفهم"وَرَدَّاللَّهُ الَّذöينَ كَفَرُوابöغَيْظöهöمْ لَمْ يَنَالُواخَيْرًا وَكَفَى اللَّهُالْمُؤْمöنöينَ الْقöتَالَوَكَانَ اللَّهُ قَوöيًّاعَزöيزًا* وَأَنْزَلَالَّذöينَ ظَاهَرُوهُمْمöنْ أَهْلö الْكöتَابöمöنْ صَيَاصöيهöمْ وَقَذَفَفöي قُلُوبöهöمُ الرُّعْبَفَرöيقًا تَقْتُلُونَوَتَأْسöرُونَ فَرöيقًا *وَأَوْرَثَكُمْأَرْضَهُمْ وَدöيَارَهُمْوَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًالَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَاللَّهُ عَلَى كُلّöشَيْءٍ قَدöيرًا" (الأحزاب : 25 – 27).
ونحنقد شاهدنا النصر في غزة كماشاهده المسلمونفي الخندق، ونرجو من الله استكمال النصربإذنه، وأن يهزم اليهود ومن عاونهم، ويورثناأرضهم، وديارهم وأموالهم، وأن يمكن لناديننا الذي ارتضى لنا، "وَكَانَاللَّهُ عَلَى كُلّöشَيْءٍ قَدöيرًا".
إسلام عبد التواب
باحث إسلامي