بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ محفوظ نحناح...وفلسفته في الإصلاح
" المصلح الذي عاش في سلام مع نفسه ومع غيره "
تقديم
هذه المقالة هي محاولة ومساهمة متواضعة ، كتبناها وفاءً للشيخ في ذكراه الخامسة ، وهي أيضا نوع استجابة لطلبات بعض إخوتنا من الذين أحبوا الشيخ رحمه الله تعالى ولم يدركوه وحرصوا على معرفة أقادر من ميراثه الفكري والتربوي، ولم يستهوهم التنافس الحاصل بين إخوانهم على بعض مواقع النفوذ والسلطان التي هي أيضا من جملة ميراث الشيخ الذي تركه أمام حركته ورجالاتها لينفذوا من خلاله إلى دوائر إصلاح مجتمعهم والتأثير فيه.
والله أسأل أن يجنبنا الزلل ، وأن يجد في مقالنا هذا كل إخواننا وأخواتنا على حد سواء ما يفيدهم وينفعهم.
في البداية:
أذكر وبأسى عميق يوم الجمعة الحزينة 20 جوان 2003 ، التي خرج فيها آلاف المشيعين لجنازته ، بعد أن غادرنا وارتحل عنا يوم الخميس ذلك الرجل الكبير الذي اسمه الشيخ النحناح يرحمه الله تعالى ، والذي اختلف حول تقييم مساره الكثيرون، و أثارت ممارساته و مواقفه الكثير من الجدل وأسالت الكثير من الحبر، حول منهجيته وفلسفته في العمل التي جعلته يتعاطى مع الجميع بما في ذلك خصوم الحركة الإسلامية، وجلبت له احترام قطاعات واسعة من المجتمع صاحبتها معارضات قليلة و مؤقتة حتى من بعضقيادات العمل الإسلامي داخل الوطن و خارجه ، وأضافت منهجيته للممارسة السياسة الإسلامية بعدا جديدا لم يكن معهودا، ونظر إلى الأشخاص و المشاريع و المواقف من الزوايا التي لم يتعود أبناء التيار الإسلامي و الوطني النظر من خلالها ، ودعى وفي وقت مبكر إلى أفكار كانت غريبة بل ومصادمة لما كانت تعتقده طوائف من فعاليات الحركة الإسلامية .
ومن مناقبه رحمه الله تعالى أنه كان شجاعا جريئا ، وقد حفظ له الجميع اليوم أنه في زمن الفتنة التي هجمت على بلده والتي سكت فيها بعض العقلاء واحتار قد تكلم هو و (قدم بيانه الواضح وقت الحاجة وبقدرها) ، وفلسفته في ذلك أن الأمر بالتحرك عندما يتعلق بتهديد المصلحة العليا لوطنه والحفاظ على أرواح الناس يصير واجبا أكيدا لا مجال لتركه والتهاون فيه، وقد عجز خصومه السياسيين عن الحد من حركته أو الوقوف في طريقها ، وعجزت أيضا بعض الأفكار الساذجة التي كانت و لا تزال تنهك المشروع الإسلامي عن الحد من مشروعه، و تمكن وبكفاءة عالية من نقل أفكاره وإضافاته إلى جميع الأوساط،خصوصا في المواقع النوعية ليعتنقه كل من أتيحت له فرصة الاطلاع عليه وفهمه لينطلق به بعد ذلك في الآفاق الرحبة والمساحات الواسعة حيث طاف العالم و حضرو حاضر في جل المواقع و المنابر و المناسبات المتعلقة بالفكرة الإسلامية وعلاقاتها مع غيرها .
فكيف صُنع الشيخ النحناح ؟ و كيف كمُلت أخلاقه و استوت سلوكاته اليومية ؟ و إلى ماذا كان يطمح ؟ و هل حقق ما كان يصبو إليه ؟ ..إلى أمثال ذلك من الأسئلة التي لا شك أن تقييم مسار هذا الرجل من خلالها سيطبعه الجدل نفسه الذي كان حاصلا حول مواقفه و ممارساته.
وستحاول مساهمتي هاته الإجابة عن بعض تلك الأسئلة ، وربما اكتست معانيها في بعض مناحيها قيمة خاصة بحكم موقعي كإطار تشرف بالعمل إلى جنب هذا الرجل كعضو في ديوانه الخاص، مع اعترافي المسبق أنني لا أستطيع التخلص من جاذبيته وتأثيره السحري لأتمكن من التطرق إلى نقاط الضعف في مساره إلا أن الوقت كفيل بذلك خدمة للموضوعية التي تقتضيها الكتابة في تقييم مسارات الرجل والمشاريع التي جاء بها ، كما أن ضعف إمكانياتي اللغوية والبحثية قد يحدان من قدرتي في تبليغ ما يجيش في خواطري عن هذا الرجل و مشروعه الإصلاحي ، إلا أن ذلك لا يمنع من التطرق إلى أهم ما تبدّى لي من خلال الأتي:
أولا :مناقبه الشخصية:
إنها شهادتي أمام الله تبارك وتعالى أن هذا الرجل كان على مرتبة كبيرة من الولاية والصلاح ملتزما بالإسلام في نسكه الخاص و في معاملاته اليومية مع الناس في حدود الشرع والأخلاق لا يتعدّاها ولا يتساهل فيها ، فطول فترة صحبتي له و رغم ما فيها من ضغوطات نفسية ومادية ، وطنية و دولية ، وعلى ما فيها من انشغالات وصوارف، لم يتخلف هذا الرجل عن أداء صلاة الجماعة في وقتها إلا نادرا، و مهما كانت الأحوال والظروف ، وسواء كنا في المقر المركزي للحركة أو في المطار أو في الأسفار، أو في اللقاءات الرسمية المختلفة تجده حريصا على الركوع والسجود كأنه يحدث مشاورات مع ربه سبحانه في مثل هذه القضايا الشاغلة. لذلك وجدتُه مداوما على النوافل و قراءة القرآن لدرجة أنني وفي كثير من الأحيان عندما أدخل عليه مكتبه صباحا وأجده منغمسا في ورده متأملا في مصحفه ، أخرج في هدوء ولا أسلم عليه حتى لا أقطع عليه خلوته ، وكم كان رحمه الله تعالى يتأذى عندما يقاطعه بعض الإخوان ليظفروا بالسلام عليه ، وكان كثيرا ما يجمعنا كلما أتيحت لنا الفرصة لنشهد بحضرته ختمة من ختماته للقرآن الكريم ، حيث كان من عادته أن يجمع أعوانه في المكتب ويختمه بالدعاء ويطلب من كل واحد مهم أن يدعو بما شاء فيتحوّل مجلسه ومكتبه ذاك إلى محراب خاشع وفرصة روحية نادرة تخشع فيها النفوس وتبكي العيون و تتعانق الأرواح ، و نحن نبكي من حوله ونتضرع إلى الله دعاءً و استغفارا حتى يشعر الواحد منا وهو خارج من تلك الجلسات السَّنية بطاقة روحية و صفاء نفساني لو استمرت معه لاشتم روائح الجنة وهو في هذه الحياة الدنيا .
و لم تفته رحمه الله تعالى إلا نادرا العمرة في شهر رمضان وشهود موسم الحج كل سنة، حيث يتزود بالزاد الروحي الأكبر، وهي فرصته ليتواصل مع أمثاله من العلماء والدعاة والمشايخ الذي كان يقدرهم كثيرا و يقدرونه أكثر .
و كانت فيه أخلاق النبل العالية بحيث وجدته يتمثّل ويطبّق قوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ، فالرجل رغم أنه كثير الإنصات إلاّ أنه لم يكن يتأثر بما ينقله له الإخوان عن بعضهم البعض من أخبار ومعلومات صحيحة كانت أو مغلوطة إلاّ بعد التبيين والتأكد، بل أحيانا تكون انتقادات الإخوان لبعض الإطارات لاذعة وتحاملهم عليهم شديدا ثم تجد الشيخ يقرب البعض من أولئك الإطارات ويكلفهم بأعمال وملفات لا تخطر ببال أولئك المتحاملين.
ولم تكن هذه الكتلة من الأخلاق مقصورة في تعامله مع أصحابه فقط بل كانت ديدنه حتى مع خصومه السياسيين ، فكان الرجل يتورع في أن يتجاوز الحدود الشرعية في المعاملة معهم.
وبالجملة كان رحمه الله تعالى متشبعا بأخلاق الإسلام ، إذ تجده دائما يبادرك بالتحية والسلام، ويقابلك بالبشاشة والابتسام، حتى في أحلك الظروف ، وكان متسامحا جدا مع الآخر كل الآخر،ولم يتصرف يوما مع معارضيه في الحركة من ذوي الرأي أو من الفوضويين والمشاغبين بالتصريحات الشاذة على صفحات الجرائد أو من مرتكبي الحماقات السياسية ، فلم يتصرف معهم جميعا إلا بالحسنى والخفض من جناحه نحوهم ، بل تجده أحيانا كأنه يرفع من مقامهم في المجامع واللقاءات العامة رغبة في ترويضهم و تربيتهم و تكوينهم والتخفيف من تنافساتهم، وحين ما كان يغتاض المقربون من هذه السياسات يوحي لهم و لا يصرح بأن مصلحة الحركة تقتضي المحافظة على مثل هذه التوازنات الدقيقة و يفهم المقربين منه أنهم أصحاب رسالة فلا بد أن يحترقوا ليضيئوا للآخرين ، ولا أذيع سرا إذا أشرت أنه في الوقت الذي كان بعض معارضيه يتمتعون بخيرات المواقع التي أوصلهم إليها كان هو رحمه الله تعالى وبعض مقربيه لا يجدون قوت يومه وكان بعضهم عندما يعود في ساعة متأخرة إلى أبنائه لا يجد عندهم ولا كسرة خبز ، وعزائهم في كل ذلك أنهم قد اختاروا صحبة الشيخ والقرب منه ، ولأن الغذاء الروحي و الشعور بالمسؤولية اللذان كان الشيخ يهبهما لمقربيه تجعلهم بشرا من نوع آخر ويجدون في ذلك خير العوض.
وكان رحمه الله تعالى رقيق القلب ، حاضر الدمعة و في أكثر من مناسبة رأيت دمعته تذرف عندما يسمع بحال مسكين أو موت أحد الصالحين أو مس بمقدسات، وخصوصا عندما يرى سقوط الشهداء على أرض فلسطين و عبث الصهاينة وحلفائهم بالإنسان ومصالحه، إن القوة والهيبة والهيلمان الذي يطبع هذا الرجل من بعيد يختفي تماما في هذه الحالات ويظهر لك كأنه طفل صغير يذرف دموعا متتابعة بشهيق يحول الموقف إلى مأتم، ذلك لأن الرجل كان يتأثر بكل ما يسئ إخوانه المسلمين في دينهم و دنياهم ، ولا تملك أنت أمام تلك الدموع إلا مشاركته في ذرف دموعك لعل قلبك يرق كما رق قلبه .
إنني لا أريد من خلال هذه التفاصيل إلا نقل بعض الصور التي عشتها و عايشتها مع هذا الرجل لعلها تكون عبرة لمتصدري العمل السياسي الإسلامي في جميع المواقع والأقطار، ولتسمح لي أخي القارئ الكريم على هذا الاستطراد والتكرار لأني فقدت منذ قليل وأنا أكتب هذه الأسطر السيطرة على الكتابة وحروفها لأني في هذه اللحظات تذكرت تلك اللحظات وحالت دموعي بيني و بين التسلسل المطلوب ، فخلاصة القول أن هذا الرجل كان والله حسيبه ولا نزكيه على الله من عباد الله الصالحين ومن أوليائه المقربين قبل أن يكون زعيم حركة أو حزب سياسي.
و كانت آخر كلمة سمعتها من فمه الطاهر قبل أن تتعطل عن الكلام و هو بالمستشفى بفرنسا حينما سألته عن صحته هي " تهلاوا فالدعوة " ، أي أوصيكم خيرا بالدعوة إلى الله ، و هي الوصية التي أود أن أنقلها إلى جميع من آمنوا بأفكاره ومشروعه ممن عرفه عن قرب أو ممن سمع عنه ولم يره.
ثانيا : أخلاقه السياسية .
وكان رحمه الله تعالى ينظر إلى إخوانه نظرة حسن ظن ويؤاخي باستمرار بين العاملين معه و يبتعد عن كل ما من شأنه توليد المشاحنات والتشنجات و الخصومات بين الأفراد، و كان يكره الجيوب ويشمأز من أصحابها.
أما نظرته إلى غير الملتزمين من عموم الناس، فكانت نظرة رحمة وشفقة يطبعها طمع في دعوتهم و هدايتهم ، وطمع في تجنيدهم في مشروعه الإصلاحي و الاستفادة من خدماتهم ، ولم يكن ينظر إليهم أبدا نظرة العداء أو الحقد أو الجفاء التي تطبّع عليها بعض متصدري العمل الإسلامي ، لذلك تجد له محبة خاصة في القلوب و تقدير من نوع خاص من طرف هؤلاء و أولئك ، فعندما نكون في الأسفار تجد خليط من الرجال والنساء يتزاحمون على القرب منه و يتبركون بمصافحته ويسلمونه أبنائهم و صبيانهم تبركا ، ويبادلونه تحيات الإعجاب و أفواههم تردد "شيخنا ، شيخنا ... " ، وكان دائما عندما يخلو لنا الجو معه بعد ذلك يقول لنا " لا تعافوا الناس " أي لا تضجروا منهم و من خلطتهم.
إن هذا السلوك يرتكز على فلسفة خاصة وراسخة في العمل الدعوى، تجعل الداعية ينظر إلى الغير ممن لا يلتزم بشعائر الدين بأنهم الحقل الذي يجب أن يشتغل فيه، فلا بد أن ينظر إليهم برحمة الداعية و ليس بحقد الغانم، إقتداءً برسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان يردد دائما " اللهم أهدي قومي فإنهم لا يعلمون "، وكان يقول "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ".
وفي معاملاته مع خصومه أيضا يتخيل لك أنهم أصدقاöؤه من الطراز العالي فالابتسامة و العناق ، طباعا لا يكاد يغفل عنها رحمه الله عندما يصادفهم في اللقاءات والمجامع العامة، وهو يرسل من وراء ذلك رسائل إلى الصحافة ولكل الناس، وكان يقول لنا دائما " إننا نبش في و جوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " ، وقد شهد على مثل هذه الأخلاق الصحفي الجزائري البارز والعنيد حميدة العياشي عندما قال في مرثيته : « أيها الشيخ الذي تعرف كيف تصبح صديقا حتى مع خصومك ".
أما معاملاته مع رجالات الدولة و المسئولين الساميين فكان يطبعها توازن بين الاحترام الواجب إسداؤه لهم وبين التعبير عن أرائه و مواقفه و المحافظة على استقلاليته تجاههم ، فلا تجده بدا يتجه نحوهم بكلام جارح أو خارج عن حدود اللياقة في الوقت الذي يتوجه إلى أفكارهم بالتمحيص و النقد بأسلوب مملوء بالمزاح و المرح، بحيث يفهم الطرف الآخر مقصود الشيخ دون أن يجد ما يجرمه عليه ، ومن القصص الطريفة في هذا المجال أنه و على هامش جنازة المرحوم شريف مساعدية التقى واحدا من كبار المؤسسة العسكرية الذي كان مجرد ذكره يخيف الكثيرين من رجالات الطبقة السياسية ، فتبادلا الابتسامة و التحية و تفنن الشيخ في عبارات التحية و ضمنها جملة طريفة قال فيها لصاحبه " واش يا حضرات كاش صناديق طائرة " و كان يقصد الغمز إلى حالات التزوير والتلاعب بصناديق الانتخابات.
و إذا ما وافق مسئول أو تحالف معه لا ينخرط فيه بالشكل الذي يجعله تابع لا إرادة له، و لا يغدر ولا يتنصل من شيء التزم به ، بل كان دائما يحافظ على توازنه و ينبه إلى الأخطاء و الهفوات و ذلك حبا في من و افقه أو تحالف معه لأن كثرة الوفاق نفاق كما يقال ، وهذا ما كان يدفع بحلفائه إلى المزيد من تقديره و احترمه ، و هو ما جعل من تصريحاته و مواقفه مؤشرات و محددات تمكن رجال الصحافة و المتتبعين للشأن الجزائري و المحللين من بناء إستنتجاتهم و قراءاتهم ، فقد أصبح الرجل من خلال ذلك مرجعا إذا تكلم أو صرح لا بد أن يدرس في أكثر من جهة داخل الوطن و خارجه على عكس الكثير ممن قد يتكلم أو يكتب و يقول بمناسبة و بغير مناسبة .
وقد تميز الرجل بخلق راق جدا و هو خلق الاستماع إلى الآخر ، حتى يتخيل لكل من يتحدث معه أنه من أهم الناس إليه ، وكان يستمع لمخاطبيه مهما كان الموضوع و مهما كان أسلوب المتكلم ، ومن الغريب أنه كان يستمع لمعلومات أو أخبار لمرات عديدة وكلما كلمه أحد فيها يشعره أنه هو أول من حدثه في ذلك ، فلا يقاطعه و لا يعلق عليه إلا بما يقتضيه الحال ، إن هذا الخلق كان يحفز الجميع على نقل ما يملك من معطيات أو معلومات إلى الشيخ الذي يقدره ويستمع إليه باحترام ، فخلق الاستماع يحتاج إلى طاقة روحية ونفسية قوية و إلى سعة صدر و طول بال ، تعتبر من نعم الله النادرة على الإنسان في هذه الحياة .
كما تميز الرجل بخلق الحفاظ على الأسرار، فلا تجده يحدث بما يسمع إلا نادرا ، و إذا ذكر معلومة يندر أن يذكر مصدرها أو صاحبها، وعندما تكلمه في أي أمر تشعر بالحماية الكاملة لان سرك مصان و محفوظ ، مما جعله محل ثقة الكثير من الرجالات في مواقع غاية في الحساسية ، ولعل الرجل مات وارتحل وأقبرت معه الكثير من الأسرار التي لا يعرفها حتى أقرب المقربين إليه ، وإذا ما أسر لأحد مقربيه بسر من الأسرار فلا يكون ذلك إلا بناءً على عمل يتوقف عليه و بعد أن يتأكد تماما من توثيق صاحبه.
فهذا الخلق وحده يمكن أن نسميه خلق الأخلاق في العمل السياسي، فمقتضيات الدولة تقتضي الحفاظ على أسرارها مهما كان الأمر، على عكس حماقات بعض السياسيين الذين يحلو لهم نشر الأسرار و محتوى اللقاءات الخاصة على صفحات الجرائد، فضلا عن التبجح بها في الصالونات واللقاءات العامة .
وكم كان يقدر العلماء و المشايخ و أصحاب الفكر و الثقافة، لقد كان لتواضعه معهم و تقديره لهم الأثر البالغ في احترامهم له و هو ما مكنه من تجاوز كل الصعاب التي صاحبت مواقفه و سياسته خصوصا بعد توقيف المسار الانتخابي، فقد كان يؤمن بحاجة السلطة إلى المثقف الواعي و العالم الذي يكبح جماح الاستبداد و يشارك في بلورة القرارات ويمارس مهمة الرقابة أثناء التنفيذ .
وقد تميز رحمه الله أيضا بسعة صدره لمنتقديه في مختلف الأوساط و على رأسهم رجال الصحافة و الإعلام ، حيث لم يكن ينزعج إطلاقا مما يكتب عنه و عن سياسته و يكفي هنا الاستشهاد بشهادة الصحفي العنيد أحميدة العياشي الذي كتب في مرثيته بجريدة الشروق " كنت أسميك في عمودي الشيخ الباندي ، فلم تغضب مرة ، بل كنت تقهقه و تعلق و تثمن حرية النقد و الرأي ، لم يضق مرة صدرك بسهامي الموجهة لسياستك و كان ذلك يكبر من مكانتك في قلبي ....".
وتميز أيضا بخلق التجميع و إصلاح ذات البين على جميع المستويات، فعلى مستوى الحركة كان الرجل أبا للجميع ورمزا للوحدة يحرص دائما على استيعاب الكل وامتصاص غضب الغاضبين و مسايرة سلوكيات المشاركين و الترفع عن الهفوات و الأخطاء مما كان يكسبه باستمرار موقعا مرجعيا يلجأ إليه الجميع في الملمات و المنعطفات ، فيخرج منها الجميع نحو آفاق رحبة و مكاسب جديدة و مواقع متقدمة و انسجام متنامي .
و في خارج محيط حركته كان الرجل سباقا للإصلاح بين جميع المتخاصمين داعيا إلى وحدة الصف و حل الخلافات بالتي هي أحسن سواءً تعلق الأمر بجماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب أو بمكونات الدولة التي كانت تتجاذب خلال سنوات الأزمة حيث ضل يدعو إلى ضرورة و حدة القرار الوطني.
وطُبöعَ الرجل أيضا على التّعفف و الزهد عن ما في أيدي الناس مما أكسبه ثقة الأغنياء فكانوا يتسابقون في عرض خدماتهم عليه و كانت الحركة و مشاريعها هي المجال الوحيد الذي يوجه إليها ما توفر لديه من أموال و عطايا، ولم يعطي لنفسه الحق في التمتع بذلك، فقد عاش الرجل و أسس حركته في بيته المتواضع بمدينة البليدة و مات و لم يترك إلا ذلك، إن الزهد و التعفف و الترفع الذي ميز أخلاق الشيخ لهو الرأس المال الكبير الذي لا تقدر قيمته بثمن، فثقة المحسنين والمتبرعين مفتاحها تلك الأخلاق النادرة اليوم.
إن تلك الميزات و ما جلبته له من ثراء معنوي جعلته يظهر لمن لا يعرفه، أنه من كبار الأثرياء حتى قيل الكثير عن ممتلكاته و شركاته إلا أنه في نظر المقربين إليه رجل في منتهى البساطة المادية و في منتهى الثراء المعنوي، فمجرد كلمة أو رسالة منه تعتبر تزكية و تسمح لحاملها بالولوج في عوالم لا يدرك أهميتها إلا من عاشها أو شهد عليها .
و كم كان الرجل معجبا بالمبادرة والمبادأة و مشجعا لها ومستمع لمقترحات أصحابها وموجها لهم ، ومهما كان حجم تلك المبادرات أو مجالاتها، فإنه كان ينظر إليها كأنها مخلوقات حية من حقها عليه أن يرعاها و ويوجهها ويحفظ حقوقها في الإضافة والمشاركة في مشروعه الإصلاحي ، فالرجل كان يشع بالأفكار و المقترحات في جميع المناسبات والمواقف مما يرهق معاونيه ومن اختاروا القرب منه وتحمسوا لمتابعة و تنفيذ ما يطرحه من أفكار و مبادرات، ولعل العيب القاتل لبعض من كان في محيطه البشري أنه لم يكن قادرا على الشعور بأهمية ما يطرحه هذا الرجل و لم يكن قادرا أيضا على متابعة و رعاية ما قام منها على أرض الواقع ، والأكثر من ذلك أن الكثير منهم كان يمارس دورا سلبيا و ذلك بحجج مختلفة لا ترقى إلى مقام صحبة أمثال هذا القائد ، لذلك كان رحمه الله تعالى يضجر من هذا النوع ويسمي بعض محيطه البشري " بالقتلة " يقصد الذين يقتلون المبادرات.
ورغم ذلك فقد كان للشيخ قوة خارقة في احتضان مبادرات الغير بنفسه و دعمها و تشجيعها لدرجة أن مجرد موافقته وتزكيته للاقتراحات و الأفكار من طرف الكفاءات المبدعة كانت تشكل بالنسبة لهم مفتاحا من مفاتيح النجاح لأن موافقة الشيخ و تزكيته كانت تحمل طاقة روحية و دعم معنوي توفر لصاحب المبادرة عاملا أساسيا من عوامل النجاح فضلا عما يزودها من علاقات و آليات أخرى كان الشيخ يجود بها على المبدعين من أصحاب المبادرات الذين كثيرا ما يسمعون الشيخ يرسل إمضاؤه بالكلمات الدالة على الموافقة كقوله "انطلق على بركة الله..." ، أو إلى " الأمام"أو "بالتوفيق.."
ثالثا : فلسفته في الإصلاح السياسي :
إن فلسفة الإصلاح السياسي عند الشيخ رحمه الله تعالى هي فلسفة إسلامية أصيلة تستند إلى معاني القرآن الكريم و السيرة العاطرة و ذلك بحكم التربية و التكوين التي نشأ عليها الشيخ وبحكم تأثره بالمشروع الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين و المشروع السياسي للحركة الوطنية من جهة ثانية، دون أن نغفل التأثير القوي لدعوات الإصلاح التي حملها كل من جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و الشهيد حسن البنا هذا الأخير الذي تأثر الشيخ بفكرته التغيرية بشكل كبير جدا .
وهذا كله جعل مشروعه يرتكز على مفهوم التغيير الطويل والشامل الذي يبتدأ من إصلاح الفرد ثم البيت أو الاسرة ثم المجتمع ثم الحكومة أو السلطة ، حتى يصل إلى الأستاذية والعالمية مصداقا لقوله تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ، أما نتائجه فلم يكن الشيخ مستعجلا على رؤيتها لأنها مرتبطة بعوامل النصر التي حددها القرآن الكريم بوضوح و وعد الملتزمين بمحتواها بشكل صريح من خلال قوله تعالى " وعد الله الذين أمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " .
رابعا : مساره في الإصلاح السياسي :
إن فلسفة الإصلاح التي اعتمدها الشيخ رحمه الله تبلورت لديه من خلال مسار طويل مليء بالتجارب و الاحتكاكات المختلفة إلى أن ظهرت معالمه للناس بوضوح في المؤتمر الثاني للحركة الذي حسم في موضوع المشاركة التي دار حولها جدل كبير ، و يمكن تقسيم مسار الشيخ في الإصلاح إلى أربعة مراحل أساسية تتمثل فيما يلي :
1- مرحلة ما قبل الاستقلال .
2- مرحلة ما بعد الاستقلال .
3- مرحلة ما بعد الخروج من السجن .
4- مرحلة ما بعد الانفتاح السياسي .
فمن الضروري دراسة هذه المراحل بنوع من التفصيل من خلال تجميع المعطيات التي بحوزة من رافقوا الشيخ في هذه المراحل من أجل الوقوف عند الأبعاد التاريخية والقناعات الفكرية التي بلورة مشروع الإصلاح .
فمن المعلوم أن مرحلة ما قبل الاستقلال ميزتها مشاركة المرحوم ومن معه من المؤسسين في ثورة التحرير ، ومن المفيد هنا دراسة الجدل الذي دار بين قيادات الثورة في المنطقة و بين منفذي الحسابات السياسية في الانتخابات الرئاسية خصوصا أن الجدل انتهى بتسليم شهادة المشاركة في الثورة إلى المرحوم في آخر أيامه بعد أن كانت هذه الوثيقة هي سبب إقصائه من حق المشاركة في الترشح لرئاسيات 1999 .
أما في مرحلة ما بعد الاستقلال فقد عايش المرحوم التهميش والإقصاء الذي تعرض له الدعاة و العلماء عشية الاستقلال حيث اختار التخندق معهم في مشروع الصحوة الذي يرتكز على الإصلاح الديني كمقدمة ضرورية لأية إصلاح ، إلا أن الشيخ تميز عن غيره من الدعاة آنذاك بمبادرته بتأسيس تنظيم سري باعتبار أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو أيضا واجب ، كما تميزت هذه المرحلة بالصدام المعروف مع نظام الرئيس هواري بومدين، وبغض النظر عن شكل الصراع و وسائله إلا أن المعارضة كانت تتسم بالجرأة النادرة و الشجاعة الباسلة و كانت تحمل بعدا قيميا كما أنها تحمل بعدا سياسيا و اقتصاديا من خلال رفض أسلوب التسيير و نظام الحزب الواحد و رفض الميثاق و ما دعي إليه فيما سمي آنذاك بمشروع الثورات الزراعية ، و رغم مرارة التجربة إلا أن أيام السجن كانت كافية للمراجعات الضرورية من أجل صياغة جديدة للمشروع تراعي نتائج التجارب السابقة و تأخذ في الحسبان متطلبات المستقبل .
و لذلك كانت مرحلة ما بعد الخروج من السجن مليئة بالنشاط تنظيميا بإعادة هيكلة الجماعة و إرساء معالمها التنظيمية ووطنيا بتجذير العلاقة مع فعاليات الجماعة الوطنية و تجاوز الطبقات العازلة التي كانت تحول بينه و بين صناع القرار و دوليا بتأسيس العمل في الجالية و فتح جملة من العلاقات الدولية على مختلف الأصعدة ، و أصبحت عملية التحضير للانفتاح السياسي المرتقب تتسم بالجدية والاحترافية و كمؤشر على ذالك أذكر أنه في مخيم طلبة الوسط لصيف 1987 قمنا من خلال مجموعة ورشات بإعداد دراسة حول توقعاتنا للخارطة السياسية في المستقبل و كان ذلك تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد مناصرة حفظه الله .
وبالفعل جاء الانفتاح السياسي بعد أحداث أكتوبر 1988 حيث اقتحمها المرحوم من خلال مشاريع كثيرة متكاملة منها مشروع "جمعية الإرشاد و الإصلاح" و مشروع "النقابة الطلابية"و مشروع "النقابة العمالية " الذي لم يكتب له النجاح ، ثم جاء بعد ذلك مشروع "حركة حماس" التي عبر من خلالها بوضوح عن مشروعه المتكامل في الإصلاح .
خامسا :منهجه في الإصلاح السياسي :
يعتمد منهجه الدعوى و السياسي على خيارين أساسيين وهما خيار المشاركة في الممارسة السياسية داخل الوطن و خيار توطين الدعوة في المهجر خارج الدول الإسلامية ، و لأهمية موضوع المنهج نحرص على شرح مبسط لهذين الخيارين ومكاسبهما بما يسمح من فهمها على الوجه الصحيح.
1- خيار المشاركة :
فالمتتبع لكثير من تجارب العمل الإسلامي السياسي في العالم الإسلامي تجده كثيرا ما تميز بالمواجهة مع أنظمته الحاكمة والدخول في مواجهات مع النخب العلمانية و القومية وهو ما أنهك التيار الإسلامي بعامة و ضيع عليه الكثير من الجهود والفرص وأنهك إمكانيات الدولة من جهة أخرى ، و ساهم في ارتماء أنظمتها في أحضان القوى الدولية بشكل زاد من تبعيتها ،وعلى ضوء هذه التجارب أنضج الشيخ رحمه الله خياره هذا وخصوصا أثناء مرحلة السجن وبعد مظاهرات 1976 التي عارض فيها التوجه الاشتراكي و خيار الحزب الواحد بزعامة الراحل هواري بومدين آنذلك ، ومن خلال إعادة دراسته للتراث الإسلامي في مرحلة السجن و بعد الزيارات الكثيرة التي قادته بعد ذلك إلى الكثير من دول العالم و جو التحديات التي فرضتها ممارسات الصراع بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأطراف النظام الحاكم ، اختار المرحوم منهج المشاركة ورفع شعاره المشهور " الواقعية المرحلية الموضوعة " و دعى إلى إنشاء حركة "هادئة هادفة ، هادية " و أكد أن الجزائر حررها الجميع المخلصين و يبنيها الجميع المخلصين ، و دعى إلى بناء الجدار الوطني و الجماعة الوطنية و أصر على دعوته إلى الحوار بين جميع الأطراف، وفي هذه الأجواء ولد خيار المشاركة ولعله ولد غريبا عن وعي الكثير من أتباع و قيادات الحركة الإسلامية، ومن حسن التوفيق أن القناعة بهذا الخيار اكتملت لدى أتباعه في الوقت الذي كان يدعو فيه غلاة العلمانية و الاستئصال إلى الوقوف في وجه مشروعه و منع حركته مما كان يطلقون عليه بانبثاث و تغلغل التيار الأصولي في مؤسسات الدولة .
وتجدر الإشارة إلى ملاحظة دقيقة لها أهمية تاريخية كبرى، وهي أن هذا المنهج السياسي هو من إبداع الشيخ محفوظ نحناح شخصيا و لم يكن يشاركه فيه على مستوى القيادة إلا القليل من الإطارات و لولا زعامته و مصداقيته و دهائه السياسي لما استطاع أن يقنع به جميع أتباعه وأعوانه ويروضهم على مقتضياته إذ يلاحظ كل متتبع لمسارهم ويكفي لدلالة على ذلك، أن أهم المواقف الحاسمة كانت الأغلبية من قيادة الحركة ترى رأي آخر غير الذي كان الشيخ يراه ، و كأمثلة على ذلك، في الوقت الذي قرر الشيخ فيه الخروج من السرية و إدماج التنظيم السري وإطاراته في التنظيم السياسي الجديد لحركة حماس ، وكذلك حين تردد الأخوة في دخول الانتخابات الرئاسية لسنة 1995 وطائفة عريضة تعارض الدخول ، إلا أن الشيخ أقنع الجميع بضرورة الدخول لكن ليس لكسب المعركة وإنما لتسجيل سابقة سيكون لها أثرها الإيجابي على الحركة لاحقا ، وصدق ظنه ، وهكذا ظل الشيخ يروض إخوانه و أتباعه على المنهج الجديد، حتى ألفوه واقتنع بصوابيته وباتوا يبشرون بصوابه في كل الأقطار ، حتى نسجت على منواله بعض القيادات الإسلامية في الداخل والخارج.
ومن الملاحظة المأخوذة أن هذا المنهج في المشاركة لم يحظى بالتنظير اللازم له بل ظل مرتبطا بمسار المرحوم ، وعليه يبقى مستقبل هذا المنهج في غيابه مرتبطا بمدى فهم واستيعاب أبناء الحركة لمقتضياته ، وما يهمنا هنا أن الإنجازات التي أرساها المرحوم في منهج المشاركة أصبحت ملكا مشاعا يحق للجميع العمل به و السير على خطاه ، سواء من خلال الأحزاب الحالية أو التي ستوجد في المستقبل ، لأن العبرة بالمحتويات و ليس بالإشكال ، و لذلك ظل الشيخ ينشر مشروعه في دوائر متعددة ولدى أشخاص متنوعين و في مختلف المواقع، ولم تكن حركة حماس رغم كل ما أعطاها من جهده إلا واحدة من الأطر التي كان يعلق عليها الآمال إلى جانب أطر و آليات أخرى منها ما أوجدها أو ساهم في إيجادها و هو على قيد الحياة ومنها ما أومأ إلى إيجادها مما يجعلها أمانة ودين في أعناق كل من آمنوا و تشبعوا بأفكاره لكي يعملوا على إيجادها في المستقبل فهو الذي كان يردد كثيرا " تأسيس ما لم يؤسس " .
إلا انه لا بد أن نؤكد أن المشاركة يمكنها أن تكون إيجابية ومفيدة للفكرة الإسلامية إذا ما تمسك القائمون عليها بأخلاقهم و معاملاتهم الإسلامية و لم يتحولوا بفعل تأثير المواقع إلى صور مشوهة و ممسوخة، وإذا لم ينس الأفراد أنهم أولا وقبل كل شيء دعاة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة و ما المواقع و الفضاءات التي تتيحها المشاركة إلى منابر جديدة و مساجد و مصليات من نوع آخر، عندها فقط تكون المشاركة فتوى مقبولة ،أما إذا تحولت إلى مسخ في السلوكيات و الممارسات للأفراد و الجماعة فإنه لا بد من الاستماع إلى تحفظات بعض الدعاة من المشاركة و دراستها بعناية ، أي هنا لا بد من الاستماع إلى الرأي الآخر الذي يربط المشاركة بشروط قد لا تتوفر في كل مبتغي لها ، فتبطل فتوى المشاركة لانعدام الشروط ووجود العلل.
2- خيار توطين الدعوة:
و يتعلق هذا الخيار بالعمل الإسلامي في أرض المهجر، حيث كان المهاجرون من قبل مكبلين بفكرة دار الإسلام ودار الحرب و لم يهتدوا إلى فتوى أو نظرية تحررهم من الانزواء و الانعزال الذي ولدته فيهم تلك القناعات القديمة غير المدروسة وغير الواعية ، فكان الفضل في الاهتداء إلى صوابية هذا خيار يرجع إلى الشيخ محفوظ نحناح إلى جانب إخوانه من العلماء و الدعاة كأمثال الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي والشيخ المولوي والأستاذ الراشد والداعية مصطفى مشهور و غيرهم ، الذين ذهبوا إلى أن مصلحة الدعوة تفرض على المهاجر المسلم العيش في البلد المضيف كمواطن عليه أن يتمتع بكامل الحقوق التي تضمنها قوانين البلد المضيف، و يلتزم من جهته بكامل الواجبات ، ويساهم في تنمية ذلك البلد و في خدمته من باب خدمة الإنسانية ، وما يفرقه في ذلك عن غيره هو فقط عقيدته الإسلامية التي تضمن معظم القوانين حريتها ، وهذا الخيار سمح للمهاجرين من الانفتاح أكثر على الفضاءات و الأطر و الأوساط المتنوعة في المهجر و مكنهم من تكوين طموح في تشكيل لوبي عربي إسلامي يحد من تأثير اللوبي الصهيوني في الغرب و يحفظ للمسلمين مصالحهم المادية و المعنوية و لا شك أن الدعاة في المهجر و الإخوة الذين يمارسون العمل الإسلامي يدركون أكثر من غيرهم أهمية هذا الخيار ونتائجه الإيجابية عليهم كأفراد و على البلد المضيف و البلد الأصلي و على الدعوة و مشروعها بوجه عام .
سادسا : الرؤية ومحتوي مشروعه الإصلاحي :
لقد عبر الشيخ محفوظ نحناح في مناسبات مختلف عن ملامح مشروعه وكان أبرزها تلك المناسبات خطابه الافتتاحي للمؤتمر الثاني الذي اعتمد فيما بعد كوثيقة مرجعية للحركة، ومن خلال مفردات هذا الخطاب يمكن الإشارة إلى النقاط التالية بوصفها المحاور الأساسية لمشروع المرحوم.
· الدفاع عن الثوابت الوطنية و القضية الفلسطينة.
· المشاركة القوية في بناء جزائر ما بعد الإرهاب و ما بعد الأزمة على الصعيد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي.
· العمل على تجميع القوى الحية في وطننا و في الوطن العربي و الإسلامي، على المستويين الرسمي و الشعبي للتفكير الجاد في نظام عربي جديد يمكننا من تشكيل قطب دولي محترم يضمن المصالح المادية و المعنوية لشعوبنا إلى جانب الأقطاب الأخرى المشكلة أو التي هي في طور التشكل.
· بناء المؤسسات و تجذير الديمقراطية ثقافة و ممارسة و سلوكا في المجتمع و في مؤسسات الدولة و الأحزاب و المجتمع المدني و لإنجاح التحول الديمقراطي وذلك من خلال:
- استحداث آليات جديدة تعتمد الحوار الهادي و الاستفادة من تجارب الغير و الرغبة الجماعية في الوصول إلى الحقيقة.
- إدراك التحديات المعلومة و الخفية.
- تعميق الاعتقاد بالدور الفعال الذي يمكن أن تقوم به الجزائر في قيادة التجربة الديمقراطية في العالم العربي و الإسلامي و في دول العالم الثالث و إفريقيا.
- تجميع كامل القوى الجزائرية على حد أدنى من النقاط المشتركة على مستوى المبادىء و على مستوى المصالح في إطار الإتلاف الوطني الإسلامي أو التحالف الرئاسي أو الجدار الوطني أو الجماعة الوطنية أو الجبهة الجزائرية أو منتدى الجزائر أو أي شكل آخر.
- دفع السلطة إلى الاستمرار في فتح العمل السياسي و الإعلامي و رفع القيود النفسية والقانونية عن شعبنا وأحزابنا و مجتمعنا المدني.
وكل ذلك يتم في إطار دولة جزائرية ليست لائكية تلغي خصائص حضارتنا و لا دولة ثيوقراطية مبنية على القداسة .
· تمدين النظام السياسي من خلال سلطة منبثقة حقيقية عن الأحزاب السياسية و محافظة على الدستور و قادرة على إدارة شؤون الدولة و الحفاظ على إستراتيجيتها التي لا تربك أجهزة الدولة و لا تخيب آمال المواطنين، و قد أوضح في هذا الإطار الموقف تجاه المؤسسة العسكرية مؤكدا على رغبتها العميقة و طموحها في أن تتشكل مدارس سياسية مدنية متعددة البرامج و الآليات و متفقة على حماية الدولة الجزائرية الفتية و ضمان إستمراريتها في إطار النظام الجمهوري و الخيار الديمقراطي التعددي و ثوابتها الوطنية و تقوية ثقلها الخارجي، إذ أن التحول الطبيعي سيحدث بعد أكثر من عشرية من عمل الأحزاب الحقيقية و ليست المفبركة .
· بناء الدولة الجزائرية الحديثة تقوم على النظام الجمهوري التعددي و الجيش العصري المحترف و المجتمع المدني المنظم و الفعال والاقتصاد الحر و التنافسي و الإعلام الحر والمتعدد و الشفاف و الإدارة العصرية المحايدة والقضاء المستقل و العادل و الجامعة المنتجة المؤثرة كعناصر سياسية لتحقيق الهدف.
· ترقية حقيقية لحقوق الإنسان عبر تشجيع المنظمات الحكومية و غير الحكومية المتعددة والمتنوعة و تمكينها من إبراز جميع جوانب الحقيقية لوضع و صفات لجميع التجاوزات المرتكبة.
· التجنيد أكثر حول القضايا الإستراتيجية للدولة من خلال تحديد مشترك بين الجميع لمفهوم المصلحة العليا الوطنية الواضحة والمتفق عليها.
· التوسيع الحقيقي و الدائم لقاعدة الحكم، استجابة لمتطلبات المجتمع بكل شرائحه واستجابة لتطلعات جيل الإطارات الشابة و تفاديا للتصدعات التي يحدثها القصور عن فهم تطلعات الحاضر و المستقبل.
· منظومة تربوية متطورة تعكس فلسفة البرامج التي اختارها المواطنون بأغلبية واضحة في مختلف المواعيد الإنتخالية دون إقصاء أوإلغاء لأفكار و مجهودات و تجارب الأقلية على أن لا يتعصبوا في فرض تصوراتهم على الأغلبية، إذ لا بد من عدم تجاوز سمات ومحددات المجتمع التي يدركها خبراء العلوم الإنسانية و المجاهدون الصادقون بوصفهم المرجع الأساسي للمجتمع.
· مطابقة المنظومة القانونية لنص الدستور وروحه و معالجة ما فيها من نقائص و ثغرات وتناقضات دستورية و قانونية و لغوية، بما في ذلك قانون الأسرة وفقا لشعار *لا للإبقاء ، ولا للإلغاء ، نعم للتعديل و الإثراء * و للنجاح في كل ذلك لا بد من تجنيد نواب الشعب و المثقفين و العلماء و أهل الخبرة و الاختصاص بشكل فردي و جماعي من خلال تفعيل مراكز الدراسات و البحوث...من اجل إعداد منظومة قانونية متطورة و قابلة للتطبيق بعيدا عن الإكراه أو التملص.
· اعتبار الأمازيغية أحد المكونات للشخصية الوطنية التي يفترض أن تخرج من الدوائر الضيقة إلى دائرة تعليمها في مدارس ولائية نموذجية ضمن الدائرة العربية كما فعل رجال تاريخنا عبر العصور، إذ لا يعقل أن يجهل أبناء الجزائر هذا المكون الذي أدار التاريخ و السياسة و الثقافة و العمل الوحدوي قرونا عدة ضمن دائرة : الإسلام دعوة و قيما و رسالة، والوطنية وحدة و سيادة، والعروبة انتماءً و امتدادا جغرافيا .
· التفكير الجاد و الجريء و المسؤول في إنشاء مقاطعات متجانسة الخصائص ممثلة ببرلمانات محلية تتمتع بالعضوية في المجلس الشعبي الوطني تعزيزا للوحدة الوطنية ووحدة القرار الوطني.
· التأكد على أن الانتماء الحقيقي و العمق الطبيعي و الإستراتيجي للجزائر هو الأمة الإسلامية، مع دعوة الغرب للتعامل مع حضارتها من منطلق الاحترام و الحفاظ المستقبلي على المصالح لأن النظر إلى مستقبل التكامل أولى من لنظر إلى مآلات التصادم .
· الدخول في اقتصاد حر و شفاف و تنافسي لان قيم الخوصصة و الملكية و حرية المبادرة كلها عوامل لا بد من أخذها بعين الاعتبار مع المعالجة النوعية لموضوع الخوصصة بما يمكننا من بناء اقتصاد تقوم الدولة فيه بدور المنظم و الحارس على إحترام قواعد المنافسة و أخلاقيات العمل و مستوى المعيشة لدى الفرد، فثقة المستثمر الوطني و الشريك العربي و الأجنبي تخضع اليوم لمعايير واضحة و شفافة و لموازين قوة مدركة سلفا و لا تخضع بأي حال من الأحوال إلى قوة المناورات السياسية و التي منها تأجيل تراكم السلبيات المهددة بالانفجار وتوريث مشاكل مستعصية تدفع نحو الانهيار أوالانتحار.
· ضرورة بيع الأراضي الفلاحية كعنصر مشجع و محفز للفلاحة مع الأخذ بعين الاعتبار التخوفات المعبر عنها في الموضوع، لذلك لا بد أن تتم وفقا لقانون يخضع العملية لشروط محددة إذا لم تتوفر سينحرف المسعى عن اتجاهه الإيجابي و يرهن مستقبل الأجيال.
· تشجيع المؤسسات الصغيرة و المتوسطة وحماية و دفع بعض منتجاتها الصناعية القابلة للمنافسة لتجد موقعها في السوق الإقليمية و الدولية و تشجيع القطاع الفلاحي تحقيقا للأمن الغذائي.
· إدخال التغيرات اللازمة على النظام المصرفي و البنكي و فتح المصاريف و البنوك فعليا على القطاع الخاص وعلى المنافسة الحرة.
· ترقية الاستثمار الوطني و تعزيز الشراكة عربيا و إسلاميا و آسياويا إلى جانب دعم و عقلنت الشراكة الأوروبية و الأمريكية.
· تثمين قيمة العمل و الابتكار و المبادرة.
· اعتماد سياسة مائية عصرية و فعالة.
· العناية بموانىء الصيد و تكنولوجيا الصيد البحري.
· تحقيق التوازن في المبادلات الخارجية.
· إصلاح الأجهزة المرافقة كالجمارك و النقل و المرافق شبه الاقتصادية و ترقية قطاع الخدمات .
·العناية الخاصة بقطاع المحروقات لدوره الإستراتيجي من خلال تطويره ليتمكن من القيام بدور القاطرة في الإقلاع التنموي المنشود مع التنبيه إلى خطورة الاكتفاء بالاعتماد على الاقتصاد الريعي .
·صياغة عقد اجتماعي و اقتصادي وطني يمكن من تعزيز الموقع التفاوضي للجزائر في تعاملاتها مع المؤسسات و التجمعات الدولية المالية و الاقتصادية و السياسية.
· تنشيط المؤسسات و الهيئات الإقليمية و الجهوية، عربيا و إسلاميا .
·معالجة موانع الإقلاع الاقتصادي المتمثلة على الخصوص في الذهنيات السابقة و التردد في دخول عالم الخوصصة والشراكة، وإهتزاز الثقةو الاعتماد على مصادر قابلة للزوال و الانهيار في أي وقت و التأخر في الإنظمام إلى المنظمات العربية الاقتصادية و التجارية البينية بين الأشقاء العرب .
·ترقية القطاع الثالث الواقع بين القطاع العام و الخاص المتمثل في - قطاع النفع العام - للتكفل بالفئات الاجتماعية المحرومة و مظاهر الفقر و الحرمان و النزوح الريفي و التشرد و العاهات و الأمهات العازبات و الطفولة المسعفة و الشيخوخة غير المكفولة و انتشار البطالة و تدهور المستوى المعيشي و كثرة عدد المعاقين، وهو القطاع المسمى في ثقافتنا و تراثنا بالعمل الخيري المعتمد على الوقف و الإحسان و التبرعات و الصدقات و تنظيم الزكاة ، فلا بد من إعطاء الأولوية لترقية الهيئات و المنظمات و المؤسسات و الجمعيات العامة في قطاع النفع العام بعيدا عن هيمنة و إحتكار السلطة و بعيدا عن التوجيه و التأطير العضوي للأحزاب ، ويمكن في إطار ذلك لمؤسسات الدولة و القطاع العام و الخاص المشاركة استجابة لروح التضامن و وازع الخير وروح التعاون التي يتمتع بها المواطن الجزائري بعيدا عن الهياكل و المؤسسات الرسمية و الحزبية التي أثبتت فشلها و انحيازها و فساد بعضها .
· حماية الطبقة الوسطى من الانهيار و الزوال بفتح باب الاستثمار الاقتصادي و الفكري و الثقافي و الإعلامي أمامها عبر تمويل بنكي لأفكارها و مشاريعها و الإسراع في إصدار قانون عضوي يحمي المصالح المادية المعنوية للإطار الجزائري للتموقع المحترم في سلم القيم، لأن الإطار حاليا يتعرض لضغوطات كثيرة كاغتيال الإرهاب له و إقصاؤه أو دفعه نحو المعاش قبل الوقت و انتهاك المسئولين لحقوقه و عدم توظيف تجاربه و خبراته و علاقاته، ذلك لان الطبقة الوسطى هي ضامن الاستقرار و التماسك وهي العامل الاجتماعي الرئيسي الضامن للالتزامات الاقتصادية.
· التخلص من أزمة السكن من خلال تشجيع القطاع الخاص على الاستثمارات في هذا الميدان و من خلال ترقية التعاون و الشراكة العربية ذات الإمكانيات المالية و التي تبدي تفهما أخويا لأوضاعنا، وقبل ذلك لا بد من توزيع عادل و شفاف للسكنات و مراقبة صارمة للتجاوزات المسجلة في هذا المجال.
· التجنيد القوي لمختلف الفئات الاجتماعية، كفئة الشباب و المرأة الجزائرية التي هي نصف المجتمع و مربية النصف الآخر، من أجل المشاركة في التحديات المستقبلية.
· العمل على إيجاد علاقة متوازنة و إيجابية بين الحاكم و المثقف و العالم يحتفظ من خلالها كل بحقوقه ويتمكن كل من أداء واجباته تجاه المجتمع و الدولة من اجل التعاون و التكامل لمواجهة التحديات و الرهانات الداخلية و الخارجية الحاضرة و المستقبلية.
· بناء الجماعة الوطنية التي لا بد أن يكون فيها للمثقف و العالم الوقع المرموق لمعالجة مرض فقدان الثقة و آفة التآكل الداخلي و من أجل بناء و تأسيس المرجعيات الواقية من الهزات و الإنزلاقات من خلال تنمية دور العلماء في تأطير العقل و تجنيد الأمة و تعميق التواصل و تمثين الثقة بين الحاكم و المحكوم على أسس سليمة .
· دعم الجهود الوحدوية و التجميعية عربيا و إسلاميا و إفريقيا.
· التفكير في التحدي الفكري المتمثل في تقديم تصور حضاري بديل عن الإيديولوجية القائمة على الفردية و النزعة الاستهلاكية و النظرة المادية البحتة التي تقود مسار العولمة معتمدين في ذلك على قيمنا الحضارية .
· مواجهة الدور القذر الذي يقوم به الكيان الصهيوني لزرع بذور الاختلاف و خلق بؤر الصراع و التوتر و منع أي تقارب متوازن بيننا و بين الأوروبيين و الأمريكيين .
· دعوة البشرية اليوم إلى العمل في إطار التشاور و الحوار المستمر لتحديد معالم المستقبل و التغلب على اختلال التوازن بين الشمال و الجنوب و بين الأغنياء و الفقراء و بين الرجل و المرأة و بين الإنسان و الطبيعة، وكل ذلك في إطار التمايز الحضاري الذي لا يضيرها بقدر ما يضرها تعنت النخب الفكرية و السياسية التي توفر لها أجواء التوتر بتصريحاتها و مواقفها و أحكامها المسبقة .
·دعوة شعوب المعمورة و أعضاء المجتمع الدولي و نخب العالم إلى التفكير في الالتقاء أكثر و تعميق الحوار مع التركيز على المشترك من المصالح و المشترك من المبادىء و القيم لوضع التصورات المستقبلية لمعالجة ما تعانيه الكرة الأرضية من مشاكل التلوث و العنف و الإرهاب و الإجرام المنظم و مشاكل الفقر و المجاعة و الانحلال الأسري و السيدا و النزاعات العرفية و غيرها.
·تعزيز ما يمكن أن توفره المؤسسات الدولية الحالية مع الحرص على تطوير دورها و ذلك بتحقيق مزيد من الديمقراطية فيها و توسيع مواقعها الحساسة لممثلي جميع الحضارات.
· دعم حوار الحضارات و الأديان و الثقافات من أجل مستقبل آمن و مستقر للإنسانية.
·دعوة الجميع لأن يكون هدفنا الدولي في هذا القرن أن تكون الكرة الأرضية مميزة بقيم السلم و التنمية و الحوار و الحريات و الديمقراطية و التضامن و التعاون و التعايش و الأمن و الاستقرار و تغيب فيها الحروب و النزاعات .
سابعا : من تكتيك الشيخ السياسي :
إن الرؤية والفلسفة لا تكفي وحدها لنجاح أي مشروع للإصلاح السياسي ما لم يخضع في تطبيقه إلى براعة في التكتيك الذي تتطلبه تناقضات الواقع الذي تجري على مسرحه عمليات الإصلاح ، ولذلك كان لهذا العامل الدور الحاسم في النجاحات التي حققها المرحوم في مشروعه الإصلاحي حيث كان الرجل يعتمد في تكتيكه على جملة عناصر أهمها :
* معرفة التوازنات و مراعاتها على جميع المستويات .
* الالتزام بالأخلاق الشخصية و السياسية .
* مد الجسور مع الجميع و الحفاظ على شعرة معاوية مع كل الأطراف .
* المحافظة على خط الرجعة وفرص الانسحاب الاضطراري.
* عدم الاستعجال في قطف ثمار المواقف و البرامج و المبادرات.
* الحرص على تقاسم الفوائد مع الغير .
* المرونة في المواقف و التصريحات إلا فيما يتعلق بالثوابت أو بقضية فلسطين.
* استغلال الفرص المتاحة و استثمارها في الوقت و الزمان و الكيفية الملائمة .
* تنويع و تعديد الوسائل والأذرع و الواجهات .
* توجيه الرسائل بالطرق المباشرة و غير المباشرة.
* كثرة الحسابات و تقليب الأمر على جميع الأوجه .
* و ضع جميع الاحتمالات و عدم إهمال حتى الأقل حدوث منها.
* الابتعاد دائما عن الانحسار في الزوايا الحادة.
* الحرص على التموقع في ذهن الآخر ، كل الآخر ، و بمختلف الأساليب الممكنة ومن خلال جميع الفرص المتاحة .
* مراعاة المكسب البراغماتي في إطار الحفاظ على المبادئ العامة و الثوابت التي لا اختلاف حولها.
* قياس قوة المواقف التي يتخذها بقوة ما يملك من مقومات القوة الشعبية و التنظيمية و البشرية والمادية .
* التدرج و المرحلية في كل الخطوات و البرامج و المواقف.
* أولوية الأمر بالمعروف و الاستثمار في ذلك على النهي عن المنكر و استنزاف الطاقات قبل زوال المنكر.
* بناء التحالفات و التكتلات في مختلف الاتجاهات وعلى الحدود الدنيا من النقاط المشتركة التي تجمعه بمن يتكتل أو يتحالف معهم .
* التمييز بين التحالفات و التكتلات المبدئية الدائمة والظرفية المؤقتة .
* مراعاة التحولات و التغيرات الحاصلة على جميع الأصعدة و المستويات .
* الحرص في بناء الموقف على المعطيات الواقعية مهما كانت مرارتها و ليس على العواطف و الرغبات .
* ترويض القيادات و الفعاليات الإسلامية، برفق ورقة عالية يدركها المتتبع لمسار بعض القيادات التي كانت توصف بالمتطرفة و كيف تحولت في مواقفها وقناعتها.
ونظرا لحساسية موضوع التكتيك السياسي، بوصفة مهنة وممارسة عملية تحمل في ثناياها الكثير من الأسرار والمعطيات التي يقتضي واجب التحفظ و عدم الخوض المعمق فيها ،أكتفي بذكر هذه المحددات دون شرح أو تفصيل أو تمثيل ، مع الإقرار بوجود نقاط أخرى كثيرة تمكننا بعد حصرها جميعا من وضع الأسس الكاملة لبناء مدرسة سياسية قوية و قادرة على القيادة في وسط جميع التناقضات و التحديات الوطنية و الدولية و هو الحلم الذي ظل يراود المرحوم أو بالأحرى هذا المشروع الذي لم يكتمل ، فمن له القدرة على معرفة هذه الأسس و العمل بها ؟ و في أي إطار حالي أو مستقبلي؟ و في أي اتجاه؟ ذلك ما تجيبنا عليه السنوات القادمة و ما تحمله من مفاجآت قد تغيب عن الكثير من ممارسي العمل السياسي في واقعنا الحالي.
وفي الأخير أسأل الله تعالى أن يكتب النفع بهذه الخواطر.
ولله من وراء القصد
عامر ولد ساعد سعود
0771.48.05.61