هل تتذكر الذين أحسنوا اليك في حياتك؟ أنا جئت يوما ثم حصرتهم حتى توفي اليهم حقهم؟ ان لم تكن قد فعلت هذا، فابدأ منذ اللحظة، فرسول الله كان وفيا للكافر فما بالك بالمسلم! واليك هذه القصة العجيبة الفريدة لترى وفاء النبي بعد عشرة سنوات حتى مع الكافر!!
في مكة حينما كان الايذاء شديدا من الكفار على المسلمين.. كان هناك رجل اسمه: أبو البختري بن هشام (كافر) وكان من سادة الكفار، ولكنه وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم نقض الصحيفة وقفة مشرقة، ودافع عن المسلمين رغم كفره وعدم اسلامه.. ومرت الأيام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ومرّ على هذا الموقف عشر سنوات، ولكن النبي وفيّ لا ينسى من أحسن اليه، وجاءت غزوة بدر واذا بالنبي صلى الله عليه وسلم ينادي في أصحابه قائلا:
' من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، فانه كان له معنا بمكة كذا وكذا..'
وفي أثناء الغزوة يجد أحد الصحابة فجأة أمامه أبا الختري بن هشام، فالطبيعي أن يقتله الصحابي، فلقد كان كافرا ويحارب المسلمين، ولكن المسلمين أوفياء.. فتركه الصحابي، وقاتل رجلا بجواره، فتعجب أبا البختري وقال له: لم تركتني؟ قال له: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقالك، فقال له: ولم؟ قال الصحابي: وفاء لك لما فعلته معنا يوم الصحيفة.. فقال أبو البختري: افرأيت ان قلت لك: واترك هذا، فقال الصحابي: لا، انما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتركك أنت وحدك، فقال له أبو البختري : فسأقتلك أنا، فقال الصحابي: اذن أتركك، فجرى أبو البختري وراء الصحابي ليقتله وأوشك على اللحاق به وكاد أن يقتله، فالتفت اليه الصحابي فقتله، ثم عاد يرتجف ويقول: والله يا رسول الله لولا أنه كان سيقتلني ما قتلته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:' عفا الله عنك' رواه القرطبي في تفسيره 8\49.
قراءتك الأولى لهذه القصة كانت عادية، وكان همك أن تعرف نهايتها، واني أدعوك الآن لقراءتها مرة أخرى، واجعل همك الاغتراف من معين الوفاء المتمثل فيها.
ان الاعتراف بالجميل والوفاء به لا ينسى ولو بعد عشرات السنين.. ان وفاء المسلمين وفاء، فرسول الله يفي بالموقف الذي فعله أبو البختري وهو كافر.. أما يكفيك هذا!؟.
الوفاء مع معلمك
يقول الامام أحمد بن حنبل:' ما بت منذ ثلاثين سنة الا وأنا أستغفر للشافعي، وأدعوا له' انظر الى الوفاء الدائم. نعم انه وفاء قلوب حية لا تنسى أصحاب الفضل عليها.
وانظر الى تلميذ للامام أبي حنيفة يقول:' والله اني لأدعوا لأبي حنيفة قبل والدي في الصلاة'. أي وفاء هذا..؟ قبل الوالدين!! وليس هذا بمستغرب فلقد تعلمه من أستاذه أبي حنيفة، فلقد قال:' ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد وفاء له، وان بين بيتي وبيته لسبع سكك'!
يا الله.. حاول أن تتخيل هذا، واياك أن يأخذك تفكيرك للمسافة وتترك المهم.. ألا وهو الوفاء الذي يتمثل في هذا الاحترام.. أين الوفاء مع أستاذك؟ واجب عليك.
اذهب الى مدرستك الابتدائية وسلم على مدرّسيك واشكرهم على ما أنت صرت اليه، فهذا وفاؤك المتواضع جدا لهم، وكذلك مدرستك الاعدادية.. اذهب الى من أخذ بيدك الى الله.. من علمك حديثا.. من حفظك آية.. كن وفيا، واعلم أن الحر لا ينسى وداد لحظة.. هيا كن وفيا على قدر هذا الفهم.
الوفاء مع والديك
وان أحق من أحسنوا اليك هما أبوك وأمك.. اننا لن نستطيع أن نوفي حقهما.. ولكن بقدر ما نستطيع، وتكفي النية الطيبة فهي النجاة. جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مات أبي وأمي فهل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:' نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما، واكرام صديقهما' رواه أبو داود 5142 وابن ماجه 3664.
أيها الأحبة: ان هذه الوصايا بعد موتهما!! وواله ان الوفاء لهما أثناء حياتهما لأكبر من هذا.. اعلم أن منكم من بحق أبيه وأمه حيين، ويحسن في ذلك بقدر ما استطاع، فاني أحسبكم بخير.. فالأب والأم.. الكلمات لن تستطيع أن تعبّر عن كيفية الوفاء لهما.. ولكن أمامنا خمسة أشياء للوفاء لهما ميتين، فلنصل عليهما أيّ ندعو لهما، ونستغفر لهما بعد كل صلاة، وننفذ عهدهما، ونصل الرحم التي لا توصل الا بهما، ونكرم صديقهما، ان أردت الوفاء لأبيك وأمك فعليك بهذه الخمسة.
الوفاء مع شرطي المرور!
ان من أحسنوا الينا كثيرون، ولا بد أن نكون أوفياء لهم.. فشرطي المرور الذي يضبط المرور وفاؤنا له ألا نكسر اشارة، وأن نحترم قواعد المرور..
يا الله.. لن نستطيع أن نحصر الذين لهم علينا فضل واحسان، ولكن الله المستعان.. كل من يؤدون الخدمات العامة في هذا البلد لا بد أن تفي لهم بأفضالهم، انه أمر عظيم لا يتطلب منك الا أخلاقا حسنة وأولها خلق الوفاء.