في زنزانة الماء ظللت حتى جاء اليوم السادس . . وفى ضحى اليوم أخرجوني من الماء إلى الزنزانة المجاورة ، فتوترت أعصابي انتظارا لما سيحدث . . فقد مرت بي في هذه الزنزانة ألوان من العذاب . فوضت أمري إلى الله ، وجلست مستندة إلى حائط الزنزانة . . أحسست بأشياء تتحرك ،فرفعت رأسي إليها، فإذا بخيوط متصلة من الفئران تنزل من النافذة كان أحدا يفرغها من كيس ! !
أخذتني رعدة شديدة، وشعرت برعب مريع ! ! . . أخذت أردد اللهم اصرف عنى السوء بما شئت وكيف شئت ".. ورددت هذا الدعاء، حتى سمعت أذان الظهر، فتيممت وصليت وجلست أختم صلاتي، وأذكر الله حتى أذان العصر فأديت صلاته . .
وهنا دخل الوحش صفوت الروبي. . كانت الفئران قد انصرفت من النافذة من حيث أفرغت ولم يتبق إلا فأر أو اثنان ! ! دارت عيناه في أنحاء الزنزانة في نظرات دهشة، وارتسمت على وجهه ألف علامة تعجب ! !
وكأن ذلك قد عز عليه ، فانصرف يسب ويلعن تلاحقه خيبة الأمل ! ! . . وأعادني إلى زنزانة الماء ، ثم عاد ومعه الضابط رياض .
وقف رياض خارج الزنزانة في محاولة يائسة لإقناعي لأقول بأن تنظيم الإخوان كان يهدف إلى قتل عبد الناصر والاستيلاء على السلطة بعد قلب نظام عبد الناصر . . فقلت له : هذا كذب وافتراء. وما كنا نجتمع إلا لنتدارس كتاب الله وسنة رسوله ، وتربية جيل مسلم يفقه الإسلام ، ويعمل لقيام دولته .
فقال : أنت مصرة على هذا؟ ستعرفين كيف يكون العذاب من الآن. . إن كل ما مر عليك يعتبر محاولات إلى جانب ما سيأتي . وذهب وبقيت أنا في الماء..!! ثمانية أيام وأنا على هذه الحال ، حتى بلغ بي الإرهاق والإجهاد درجة تفوق كل احتمال .
وبدا ذلك واضحا على صحتي التي وصلت إلى حال يرثى لها! !
وفى اليوم التاسع جاء رياض ومعه صفوت وضابط آخر في زيه الرسمي . وأخرجوني من الماء .
بدأ رياض يهددني بأن هذه المرة هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ نفسي، فإما أن أعترف كما يريدون ، وأما الخلاص مني نهائيا .
وقال : أنت فاهمة ربكم عنده جهنم صحيح ؟! جهنم هنا عند عبد الناصر. . الجنة عند عبد الناصر جنة موجودة حقيقية . . وليست جنة وهمية خيالية مثل التي يعدكم بها ربكم إ! ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) الكهف.
ثم أخرجوني من الماء إلى الزنزانة المجاورة وأغلقوها ثم انصرفوا . . وفزعت إلى الله في صلاتي؟ أطلب منه أن يصرف عنى شر هؤلاء، كنت في صلاتي عندما دخل الزنزانة عدد من الجند يزيد على العشرة ومعهم ضابط بزيه الرسمي . ثم انضم إليهم حمزة البسيوني ، وصفوت الروبي .
قال صفوت لحمزة البسيوني : أوامرك يا باشا في بنت الِِ . . فقال حمزة البسيوني للجند: ماذا شربتم ؟!
فقالوا : شاي يا معالي الباشا . . . فقال : شاي يا أولاد الكلب . . خذهم يا صفوت اسق كل واحد منهم زجاجة خمر، وأن يدخنوا الحشيش ، وأطعمهم كل ما يشتهون ، ثم ارم لهم بنت الِِِ. . ولهم عندي إجازة ومكافأة . وأغلقوا الزنزانة وانصرفوا .
مكثت في الزنزانة حتى صلاة العصر . . كنت ساجدة في الصلاة عندما فتحت الزنزانة ويندفع صفوت وجذبني من ذراعي في وحشية وقطع صلاتي، ثم أخذني إلى زنزانة المياه وأغلقها وانصرف !
وجاء رياض ودلف إلى الزنزانة، وكله علامة تعجب يحاول أن يخفيها تحت ظلال من الذهول وهو يقول : تريدين أن تكوني قديسة ؟ الجنود الذين أعددناهم لك ذهبوا إلى المستشفى. . لكنهم غدا سيأتون ينهشون لحمك نهشا، في المستشفى حقنوهم وأصبحوا كالكلاب المسعورة . . وأنها أوامر جمال عبد الناصر. . لن يتركك أبدا . . تعبنا من النصيحة وحاولنا معك مرة ومرات وأنت لا تتزحزحين عن موقفك . . تريدين أن تكوني قديسة ردى، ردى . . أين سوطك يا صفوت ؟" أخذ صفوت يضربني ورياض يستحثه : استمر يا صفوت . . قديسة يعنى إيه يا بنت الِِِ . . ! ! تريدين بعد موتك بثلاثين سنة يقيمون لك ضريحا في مسجد ويقولون إن زينب الغزالي الجبيلي أظهرت كرامات في السجن الحربي. . لكن ، أنت هنا، ولا الشيطان يعرف ماذا نعمل فيك ؟!.
وضحكت وأنا في قمة المعاناة كانت ضحكة سخرية من جهله وغروره ، وقلت : إذا كنا نريد ما تقول ، ما دفع الله شروركم عنا . ولما استطعنا المقاومة والصبر" والتغلب على ما تسموه ، بأنفسكم جحيم عبد الناصر. . لكننا طلاب حقيقة نطلب الله ، ثم رضاه . . سينصرنا الله عليكم إن شاء الله وسيفرى الله أسنان الأشقياء الذين تعدونهم لنهش لحومنا .
كان صفوت قد ابتعد عن رياض ، فناداه هذا مستعينا .
"أدركني يا صفوت بنت الِ . . . . بتخطب . . إنها تخطب يا صفوت . .. وأسرع صفوت لنجدة رياض وألهبني بسوطه .
وقال : دعها لي يا سعادة البك . وغدا سترى وتشاهد ما نزل بها! !. وأجلسوني الجلسة المعتادة في الماء ثم أغلقوا الزنزانة وانصرفوا . .
الله وحده يعلم الحالة التي كنت عليها.. لقد كنت في قمة الألم ، وقمة الإجهاد، وقمة المعاناة . إن آلاما مبرحة تسرى في كل جسدي .
آه ! ! مسكين يا بلدي! ! هل أمرك إلى هذه الطغمة التي اعتدت على كل القيم ، وحطمت كل القوانين ؟! !
شغلني التفكير في بلدي عن بعض آلامي . . وإن كان أضاف هما إلى همومي ! ! إن ما أصابني ويصيبني قد أصاب ويصيب غيري بكل تأكيد. . لقد بت أتصور أن البلد كله قد صار سجنا حربيا، يحكمه حمزة البسيوني، وصفوت ، ورياض ، والسفاح الشرس شمس بدران ! ! . . كلهم حلقات واحدة في سلسلة متصلة تكبل هذا البلد. .إ!
مسكين يا بلدي. . لا، لا لن تكون مسكينا يا بلدي، وفيك حملة كتاب الله وسنة رسوله ، ومن يستظل بمظلة لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . . إننا إن ذهبنا فسيأتي بعدنا وبعدنا من يرفع الراية غدا . . تشرق الأرض بنور ربها، وتتفيأ البشرية ظلال العبودية لله الواحد القهار . .