الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين
المؤلف: كامل الشريف
التصنيف: تجاري
 

-10-الإخوان يقومون بحرب العصابات

((الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) محمد رسول الله

قد يظن البعض أن حروب العصابات أو الحروب غير النظامية بصفة عامة هي أعمال فوضوية لا هدف لها ولا نتيجة من ورائها وأو قبل أن أبين الدور الذي قام به الإخوان حين اشتغالهم بهذا النوع من القتال أن أوضح بإيجاز ما هي حرب العصابات ومدى تأثيرها على النتائج العامة للحروب .

فالواقع أن هذا النوع من القتال لا يمكن أن يقوم به إلا رجال يؤمنون إيمانا عميقا بعدالة الفكرة التي يحاربون من أجلها ولضمان النتائج الحاسمة يجب أن يكون هؤلاء الأفراد على مستوى رفيع من التدريب والذكاء ذلك لأنهم يتعرضون في قتالهم لكثير من المأزق الخطرة ولأن مهمتهم الأساسية هي محاربة العدو في أرض تحتلها قواته ليثيروا الرعب والفوضى في مؤخرته ويقوموا بهجمات خاطفة على طرق مواصلاته ويدمروا ما تقع عليه أعينهم من أسلحة ومعدات .

ويمكن تلخيص النتائج التي تطلب من رجال العصابات على الوجه الآتي:

أولا: إنزال الخسائر بالعدو دون الاشتباك معه في معارك مباشرة .

ثانيا: إرغام العدو على تشتيت قواته وتخصيص جزء كبير منها لمطاردة هذه العصابات ومكافحتها .

ثالثا: إرغامه على حراسة منشآته وطرق مواصلاته حراسة قوية وفي هذا ما يبعثر قوته ويجعله في قلق دائم .

رابعا: إثارة العناصر الوطنية ضد قواته والتعاون معها وتسخيرها لتسقط الأنباء والتحركات ومعرفة الأهداف العامة كمراكز التموين ومناطق الحشد .

تلك هي خلاصة الواجبات التي تناط برجال العصابات وسنرى بعد قليل مدى النجاح الذي أحرزه الإخوان في خططهم الجديدة على ضوء هذه المعلومات .

وإن الباحث في التاريخ ليجد أن كثيرا من الحروب لم تحسمها الجيوش المنظمة إلا بمعونة العصابات وقد عرف التاريخ الإسلامي هذا النوع من القتال في ((السرايا)) التي كان يبعثها الرسول صلى الله عليه وسلم لتجوب أنحاء الجزيرة لقطع تجارة العدو وإثارة الرعب في قلوب القبائل الموالية له وفي الحرب العالمية الأولى نجحت العصابات العربية التي قادها أنجال الشريف توزيع قواتها بين جبهات واسعة حتى دخلت جيوش الحلفاء بقيادة ((اللنبى )) وأنزلت بها الهزيمة النهائية .

وفي الحرب العالمية الثانية تحطم كثير من الجيوش الأوروبية تحت ضربات الجيش النازي ولجأ قادة الدول المحتلة وزعماء الحركات التحريرية بها إلى حروب العصابات يزعجون بها قوات الاحتلال الألمانية ويغيرون على مراكز حشدها ويقتلون ضباطها وأفرادها حتى اضطرت القيادة العلىا الألمانية إلى التخلي عن كثير من المناطق حيث احتلها رجال العصابات - والاحتفاظ بالمراكز الهامة وظلت هذه العصابات تعمل بنشاط حتى أصبحت شوكة حادة تهدد ظهر الجيوش الغازية وكانت سببا مباشرا للهزائم التي لحقت بالنازيين تحول ميدان القتال إلى القارة الأوروبية وهكذا نجحت العصابات في تحرير بلادها وطرد الغاصبين من أرضها وكانت خير معوان لجيوش الخلفاء المنظمة التي قامت بعمليات التحرير في أوروبا بعد ذلك.

ولقد استخدم اليهود هذا النوع من التكتيكات وأدخلوا في حسابهم دخول الجيوش النظامية فشكلوا قواتهم على أساس حروب العصابات وأخذا يغيرون على مراكز الجيوش العربية ويوقعون بها الضربات دون أن يثبتوا أمامها في معركة مباشرة .

ولما لعبت السياسة الاستعمارية دورها في فلسطين وتوقفت الجيوش العربية بمقتضى قرارات الهدنة ووقف القتال أخذ اليهود يقاتلون كجيش منظم يرمى لكسب الأرض والدفاع عنها بجانب ما تقوم به العصابات الإرهابية من معونة صادقة للقوات النظامية وبخاصة المعونة خلال الهدنة وتكون الحجة دائما أنها عصابات غير نظامية لا سلطان لحكومة إسرائيل عليها وقد رأينا كيف استطاعت هذه الحكومة أن تتنصل من اغتيال (( الكونت برنادوت)) وسيط هيئة الأمم بينما ألقت الوزر كله على عصابات إرهابية متمردة!

ولا شك أن حربنا في فلسطين كانت تحتاج إلى هذا النوع من التشكيلات لتعمل جنبا إلى جنبا مع القوات النظامية وكان المفروض أن يقوم الشعب الفلسطيني بهذا النوع من القتال لولا عوامل الشك وعدم الثقة المتبادلة التي بذرها العدو وجنت الجيوش العربية نتائجها .

وحين دخلت القوات غير النظامية التي شكلتها الجامعة العربية باسم ((جيش الإنقاذ)) وتركت مهمة قيادتها للقائد العربي ((فوزي القاوقجى )) كان من الواجب أن تقوم بهذه المهمة الخطيرة فتتعقب العصابات الصهيونية وتغير على مراكز الجيش الإسرائيلي بينما تحتل الجيوش النظامية المدن والمراكز الهامة وتكون عصاباتنا في هذه الحالة كعصابات اليهود غير مقيدة بقرارات الهدنة ووقف القتال .

وما يقال عن قوات القاوقجى يقال عن جيش التحرير والجهاد المقدس .

وأفواج المناضلين العرب رأوا القوة ((الخفيفة)) التي تولى قيادتها الشهيد أحمد عبد العزيز ولكن هذه القوات كلها خلصت بين عملها الأساسي الذي كان يمكن أن تنجح فيه ومضت تدافع عن القوى العربية وتشغل نفسها بالهجوم على المستعمرات المحصنة دون جدوى .

أما القاوقجى فقد استدرجه اليهود إلى أن ظهروا بقوته وأنزلوا به الضربة القاصمة عند ((مشمار هاعيميك)) وبذلك انتهي أمره وتبعثرت قواته وأما الشهيد أحمد عبد العزيز فقد حاول مهاجمة المستعمرات حتى استقر أخيرا في جبال الخليل وتحولت قوته إلى قوة نظامية تدافع عن منظمة محدودة .

وأود أن أصل إلى غايتي من وراء هذا البحث بأن أناقش رأيا يقول به البعض وهو أن دخول الجيوش العربية لفلسطين كان بداية الكارثة التي أحاطت بها وأن فلسطين لم تكن في حاجة إلا إلى عابات تعمل بحرية ولا تتقيد بقرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم والواقع أن هذا الرأي لم يظهر إلا عقب الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية التي ثبت أن من بعض أسبابها خضوع هذه الجيوش لقرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وبخاصة في هدنة الأسابيع الأربعة حيث تمكن اليهود من جلب الكثير من الأسلحة ومعدات الحرب التي لم يكن لها وجود لديهم قبل هذا التاريخ .

والرد على هذا الرأي ((أن العصابات لا يمكن أن تقاتل عصابات مثلها وتنتصر عليها )) وأن العصابات لا يمكن أن تحسم الحرب بمفردها ولكنها ولا تزال دائما سلاحا خطرا لو سارت في ركاب جيش منظم وأحس تدريب أفرادها وقيادتهم فيحتل الجيش المنظم المدن والمراكز ويتولى الدفاع عنها بينما تقوم العصابات المدربة بتحطيم قوى العدو ومهاجمة وحداته وطرق مواصلاته .

وإذن فلم يكن هناك مفر من دخول الجيوش العربية لتحقيق الهدف الذي حاربنا من أجله ولكن الخطأ أولا وآخرا في عدم استعداد هذه الجيوش استعدادا يكفل لها أداء مهمتها والخطأ بعد ذلك خطأ الزعماء السياسيين الذين لم يدخلوا في حسابهم هذه الهيئات الدولية ومدى خضوعهم لها أما دخول الجيوش نفسها فلا غبار عليه ولا مفر منه ولا يمكن أن تحسم الحرب بدونه لا في الماضي ولا في المستقبل إذا أردنا حقا أن نعاود الكرة لتحرير الأرض المقدسة .

وقد قلنا : إن الدرس الذي استخلصه الإخوان من معركة ((ديروم)) الأولى أن يشرعوا في تنظيم حرب عصابات تشمل صحراء النقب كلها ولقد باشروا تنفيذ هذه الخطة ومضوا يخرجون في عصابات قوية تدمر شبكات المياه وتنصب ((الكمائن )) على طرق المواصلات حتى استطاعوا تدمير عدد كبير من المصفحات والسارات .

ولقد حدث مرة أن قامت قوة منهم بقيادة المجاهد ((حسن عبد الغنى)) بتدمير شبكات المياه بين مستعمرتي ((بيرى))و((أتكوما))وأباحت أنابيب المياه لأعراب المنطقة ينتزعونها من الأرض تحت حراستهم حتى نزعت من الأنابيب مساحات شاسعة ثم رابطت في المنطقة لتمنع العدو من إصلاحها وصبر اليهود يومين عسى أ، تنصرف لشأنها ولكن القوة العنيدة ظلت تواصل تدمير الأنابيب ونزعها والتعرض للمصفحات والقوافل التي تحاول إصلاحها فلم تجد القيادة الإسرائيلية بدأ من الدخول في معركة مباشرة فجمعت عدداً كبيرا من المصفحات من جميع المستعمرات وأحاطت القوة الصغيرة من جميع الجهات وأخذت تقترب منها على أمل أن تظهر بها وثبت الإخوان ثباتا عجبا وأوقعوا في اليهود عدداً من القتلى قبل أن يبعثوا في طلب النجدات من معسكراتهم .

وجاءت مصفحات الإخوان وأقامت حول مصفحات العدو الذي سقط في يده حين رأى نفسه محصورا بين نارين فاضطر إلى طلب نجدات أخرى من المستعمرات القريبة وامتلأ ميدان المعركة بقوات كبيرة من الجانبين واشتد القتال بين الفريقين شدة لم يسبق لها مثيل حتى يئس العدو من زحزحة الإخوان عن موقفهم فأخذ يطلق سحبا من الدخان ليسير انسحابه وما كادت أطباق الدخان تنجاب عن ميدان المعركة حتى سارع الإخوان يجمعون غنائمهم من السلاح ويعودون لتدمير الأنابيب من جديد .

وأيقن اليهود أنه لا قبل لهم بمواجهة هذه القوات المتفانية في حرب شريفة وحاولوا تسميم آبار يستعملها الإخوان في منطقة ((خزاعة)) حيث كان المجاهد ((نجيب جويفل)) يرابط بها بسريته .

ولكن عين الله المبصرة ويقظة الإخوان مكنتهم من اكتشاف الجريمة قبل وقوعها وذلك أنهم لمحوا رجلين يرتديان الملابس العربية ويتظاهران باستجلاء الماء وكان منظرهما يدعو إلى الريبة فاقترب منهما الجندي الحارس وأمرهما بالوقوف فلاذا بالفرار فتعقبهما الجندي الحارس وعدد من إخوانه حتى أدركوهما ولم يبق بينهما إلا خطوات وأمروهما بالتسليم مهددين إياهما بإطلاق النار فرفعا أيديهما بالتسليم وحين اقترب الإخوان منهما انبطحا على الأرض في سرعة وقذفا على المهاجمين عددا من القنابل اليدوية وأسرع الإخوان بملاصقة الأرض ثم أطلقوا عليهما النار فأردوهما قتيلين.

وبلغت النقمة من الإخوان من هذا الغدر أن حملوا الجثتين إلى مستعمرة ((نيريم)) وهناك على مقربة من العدو نحوا الجثتين بالبترول وأشعلوا فيهما النار على مرأى جيد من المستعمرة .

وجن جنود اليهود وأخذوا يلوحون بأيديهم في غضب وانفعال وحين جن الليل هاجموا مواقع الإخوان في ((خزاعة)) انتقاما لهذا الحادث ولم يتمكنوا من زحزحة الإخوان أو لإبادتهم وإن كانوا قد نجحوا في قتل أحد المجاهدين الأبرار وذلكم هو المجاهد الشهيد ((عيسى إسماعيل)) من إخوان الشرقية الكرام .

وهكذا نجحت الخطة الجديدة ولم يعد الإخوان في حاجة إلى معاودة الهجوم على المستعمرات المحصنة والتعرض لنيرانها وحصونها ذلك لأن اليهود قد أضطروا إزاء هجمات الإخوان الموفقة على قوافلهم وطرق مواصلاتهم إلى تعيين دوريات ميكانيكية وقوات كبيرة من المشاة لحراسة تلك الطرق والمنشآت وحمايتها أمام تلك الهجمات ولم يكن الإخوان ليضيعوا الفرصة الثمينة فأخذوا يغيرون على هذه القوات المبعثرة في الصحراء ويرغمونها على القتال إرغاما حتى تحولت تلك المنطقة إلى ساحة حرب قوية ولم يكن يمر في تلك الفترة دون أن تنشب معركة عنيفة تنتهي حتما بقتل عدد من جنود الأعداء وتدمير عدد آخر من مركباتهم ومدرعاتهم .

ولقد حاولت القيادة اليهودية أكثر من مرة القضاء على هذه العصابات وتطهير المنطقة منها فكانت ترسل عدداً كبيراً من قواتها وكان هذا أقصى ما يريده الإخوان فيستدرجونهم إلى المناطق الوعرة ويحاصرونهم في الشعاب والوديان .

وإذا نظرنا إلى هذه الفترة نجد أن الإخوان قد وصلوا إلى نتيجتين لم يكونوا يستطيعون الوصول إليهما بدون هذه الأعمال العصابية فالنتيجة الأولى هي خروج اليهود من مستعمراتهم وحصونهم لمقاومة عصابات خفيفة محصنة في بطون الشعاب والوديان والنتيجة الثانية أن الإخوان استطاعوا الحصول على كثير من الغنائم والمعدات التي لم يكونوا يملكونها كالمصفحات الضخمة والأسلحة الرشاشة البعيدة المرمى هذا عدا أنواع مختلفة وكميات كبيرة من الذخائر والقنابل .

وكان الواجب يحتم علينا منذ شرعنا في تنظيم حرب العصابات أن نتعاون مع أعراب المنطقة غير أن الشائعات التي كانت الدعاية اليهودية ترددها عن خيانة البدو ومدى تعاونهم مع العدو قد وقف سداً منيعا دون ذلك التعاون المنشود ولم نكن نستطيع العمل في هذه المناطق دون أن نتبين مدى صحة هذه الشائعات ودن أن نحيل بدو هذه المنطقة إلى قوة متعاونة معنا على الهدف والغاية ولقد قمنا بمحاولات كبيرة إزاء هذه المشكلة أثبتها في البحث كأساس لما جنيناه من نتائج .

بعثنا عدداً من دوريات الاستكشاف وذهبت بصحبة الإخوان المسئولين أكثر من مرة فخيل إلينا أن هناك شبه تعاون فعلا بين اليهود وبدو تلك المناطق فهذه المصفحات اليهودية تنتقل بين المستعمرات بحرية وأمان وتمر على خطوات من مضارب البدو وخيامهم دون أن يتعرضوا لها بشيء من الأذى ولم تمض إلا أيام حتى فهمنا السبب فبطل العجب وعلمنا أن الخطأ يقع علينا لا على هؤلاء البدو .

كان اليهود يسترضونهم بشتى السبل ويحيطونهم بكثير من صنوف الرعاية والإغراء فهذه أنابيب المياه تصل إلى خيام البدو والماء عند البدو ضرورة عزيزة المنال يسير من أجله ساعات طويلة على جمله ليحصل عليه فإذا كان اليهود يمدونه به حتى خيمته فذلك جميل ما بعده جميل وها هم أولاء قوات المستعمرات اليهودية يضيفون البدو في خيامهم ويسامرونهم ويأكلون عندهم ((العيش والملح)) ويشاركونهم الأعياد والأفراح .

ولا أنكر أن بعض القبائل الأخرى كانت في حالة حرب مع اليهود من اليوم الأول لهذه الحركات ولكن هذا لا يمنع من تصحيح هذه الأوضاع الفاسدة فبدوي واحد ممالئ لليهود يحدث ثغرة عميقة في خطط الدفاع ويكون أخطر من كتيبة معادية تقاتلنا وجها لوجه .

لابد أن تصحيح هذه الأوضاع ليعلم البدوي حقيقة هؤلاء الأصدقاء الألداء ولقد جربت البدو بنفسي فوصلت إلى نتيجة آمنت بها إيمانا عميقا تلك هي أن البدوي لا ينقصه الإيمان بقضيته والتعلق بوطنه ولكنه في هذه مضطر لسلوك هذا المسلك فليس لديه السلاح الذي يواجه به قوى اليهود الموزعة في كل قطعة من وطنه وهو في حالة من الفقر لا تسمح له بشراء الأسلحة وقد كانت تساوى مالا كبيرا في ذلك الحين ولا توجد على مقربة منه قوات عربية منظمة تستطيع أن تدفع عنه العدوان وتحمى أولاده وغنمه من هجمات العدو الغادرة .

وإذن فليس الذنب ذنبه ولكن الجرم يقع على تلك الفئة التي وضعتها الظروف في موضع القيادة من هذه الحرب والذنب بعد ذلك يتركز في الزعامة الشعبية التي لم تكن تكلف نفسها مشقة التجول بين هؤلاء الأعراب وتنظيم حركة المقاومة في مناطقهم وتلقينهم ما يجب عمله إزاء هذه الحالة .

فعلى الذين يتهمون البدو بالخيانة أ، يتهموا أنفسهم بالتقصير والتضليل وإذا قارنا بين جهل البدوي المطبق وبين علمهم ومسئولياتهم وعظم التبعة المعلقة في أعناقهم أمكننا أن نحدد التهمة وأن نضع الأمور في نصابها الصحيح .

أما الذي صنعناه نحن لتصحيح هذه الوضع وإثارة أعراب المنطقة فقد كان من البساطة والسهولة بحيث لا يحتاج إلى كثير من التفكير والتدبير ذلك أننا أوعزنا إلى بعض شباب الإخوان أ، يتسللوا في ظلمة الليل ويبثوا الألغام على الطرق اليهودية القريبة من مضارب البدو دون أن يفطن أحد إلى وجودهم ففعلوا وانفجرت الألغام في إحدى القوافل اليهودية ولم يكن العدو في حاجة إلى التفكير ليعلم أ، هؤلاء البدو هم واضعوها أو على الأقل مشتركون في وضعها فأخذوا يطلقون عليهم النار بلا حساب وكانت قوة من الإخوان مستعدة على مقربة من هذه المنطقة فأغارت على مؤخرة اليهود وكان طبيعيا أن ينحاز العرب إلى عرب مثلهم وأخذوا يشاركوننا في قتال اليهود حتى أرغموهم على دخول المستعمرات .

وهكذا نجحت الخطة وتحولت هذه القبائل من ذلك الحين إلى قوة معادية لليهود وعرف الإخوان كيف يستغلون ذلك فجندوا عددا كبيرا من شباب القبائل وأخذوا يدربونهم على استعمال السلاح حتى إذا أتموا تعلىمهم وكلوا إليهم الأعمال الخطرة والبدوي بطبيعته مقاتل قوى البأس فوق ما يتمتع به من مزايا تجعله بارعا في الإخفاء والتمويه ولقد أظهر هؤلاء الأعراب بعد ذلك إيمانا قويا وتفانيا في العمل وكان لهم أبعد الأثر في نجاح العمليات الخطرة التي اضطلع بها الإخوان بعد ذلك .

ولقد أصبحت هذه القبائل لا تكلفنا إلا شيئا يسيرا من الذخيرة وأفرادا من الإخوان يوجهونهم وينظمون حركاتهم ولقد تداول على قيادتهم عدد من خيرة شباب الإخوان ممن أبلوا بلاء حسنا وأظهروا كثيرا من الشجاعة والمقدرة أذكر منهم المجاهدين :( نجيب جويفل) و(حسن عبد الغنى) و(على صديق) وغيرهم ممن تركوا آثارا باقية وذكريات طيبة ولا يزال رجال القبائل حتى اليوم يمتدحون سيرتهم ويمجدون ذكراهم .

وحين تشعبت أعمال الإخوان واتسعت الجبهات التي يحاربون فيها وزادت القيود التي فرضتها الحكومة لمنع دخول المجاهدين من مصر اضطررنا لتشكيل مجموعات منظمة من رجال القبائل وفتحنا باب التطوع فانهالت جموع كبيرة من شبابهم وفعلا تشكلت منهم عدة (سرايا) وتركنا مهمة تدريبها وإعدادها للأخ ( نصر الدين جاد) الذي بذل جهدا مشكورا في تنظيمها حتى صاغ منها قوة مقاتلة استطاعت أن تثبت وجودها وأن تشترك في معارك الإخوان الكبرى ويكون لها أثر كبير في نتائجها العامة .

ولم نترك هذه القبائل لمصيرها بعد أن وصلنا لأقصى ما نريد من نتائج في هذه المنطقة فأقمنا في منطقتهم موقع( حصينا)للغاية واخترنا لإقامته تلاً مرتفعاً يشرف على مساحات كبيرة من الأرض وأحطناه بالأسلاك والألغام .

وزودناه بالأسلحة والعتاد وكان ضباط الإخوان يتداولون قيادته بنظام ويشرفون منه على تنظيم دوريات مسلحة تخرج بمعونة البدو وتتعرض لقوافل التموين اليهودية وتضطرها للدخول في معركة معها تنتهي حتما بتدمير أغلب وحداتها وقتل كثير ممن فيها وتكررت هذه العمليات حتى روع اليهود وصمموا على محو هذا الموقع وتدميره فهاجموه بمصفحاتهم أكثر من مرة غير أنهم لم يفلحوا في اقتحامه كما كانوا يقدرون .

ومما يدل على مدى اهتمامهم به وإصرارهم على احتلاله ذلك الهجوم الذي شنوه صبيحة يوم (19|7) وحشدوا له قوات كبيرة من جميع المستعمرات القريبة ومهدوا لهجومهم بضرب شديد من مدفعيتهم ثم تقدموا تحت حماية المصفحات واستطاع الإخوان أن يحيطوا بهم وسط التلال المتناثرة على مقربة من خربة ((أبو معيلق)) ويوقعوا بهم هزيمة فادحة الخسائر ويرغموهم على التقهقر بعد تدمير عدد من المصفحات نظير شهيد واحد خسره الإخوان هو المجاهد (سيد حجازي) وعدد من الجرحى منهم قائد الموقع في تلك الفترة المجاهد ((محمد الفلاحجى)) من إخوان الدقهلية .

لقد كان هذا الموقع بمثابة صورة بدائية لمستعمرة محصنة وكان الهدف منه كما أسلفنا هو تثبيت القبائل البدوية في أماكن سكناها حتى لا تهاجر تحت عامل الخوف فتصبح المنطقة كلها تابعة لليهود دون قتال ولقد كنت شديد الاهتمام بقضية إبقاء العرب في النقب اعتقادا منى أن جلاءهم عن أرضيهم وفرارهم يعنى تسليمها للعدو ويعنى أن تمتد رقعة المستعمرات ويصبح بإمكان الوحدات الإسرائيلية فيها أن تنتقل بحرية وأمان وأن تتجمع قواها لتساهم في المعارك الرئيسية ضد الجيش النظامي ومن المؤسف حقا أن القيادة المصرية لم تشاركني هذا الاهتمام بمصير القبائل العربية في النقب ولم توافق على منحى الأسلحة والأموال اللازمة للتوسع في هذا البرنامج ولكنني كنت مقتنعا لدرجة أنني غامرت بأفراد قلائل من الإخوان أرسلتهم ليعيشوا مع البدو في مضاربهم ليدربوهم على استخدام الأسلحة والألغام والمتفجرات واعتبرنا كل قبيلة بمثابة موقع جديد لنا حتى أصبح لدينا عشرات المواقع باسم القبائل العديدة القاطنة في الصحراء وكانت هذه المواقع ترتبط مع قيادتنا في ((البريج)) بأجهزة اللاسلكي وخطوط التليفون كما كانت دورياتنا المصفحة تجوب الصحراء في نظام دوري في الليل والنهار لتوصيل الإمدادات والتموين ولتحريك الوحدات البدوية لضرب الأغراض التي نحددها لها وقد كنت أجد دائما سعادة لا تعادلها سعادة حين أخرج مع هذه الدوريات لزيارة أصدقائي المشايخ والوجهاء ولأسمر معهم على فناجين القهوة ((السادة)) وربما نتناول الثريد ولحم الضأن الذي ينهبه رجالهم يوميا من المزارع اليهودية المجاورة .

ولقد حاولت مرارا متعددة أن أغرى قيادة الجيش المصري باحتضان هذه الفكرة ولكن النظريات التقليدية للحرب كانت تقف حجر عثرة أمام التفاهم على هذه القضية كانت وحدات الجيش المصري (مربوطة) على جانبي الطريق الساحلي من رفح حتى أسدود في شريط نحيل لا يتجاوز في أوسع نقاطه عشرة أميال أما الأرض المواجهة لهذا الشريط وهي في الواقع فلسطيني كلها فكانت بالنسبة لهم أرضا معادية وقد ساعدت هذه النظرة الضيقة لأن تصبح كذلك لأن جميع العرب القاطنين فيها قد اضطروا لإجلائها تحت الإرهاب اليهودي وهكذا أصبح الجيش المصري يواجه مساحة شاسعة يملكها العدو الإسرائيلي ولا يبدو الشريط الساحلي أمامها إلا كخط بالقلم الرفيع على صفحة الإسرائيلية من طور الدفاع إلى طور الهجوم والتقت المستعمرات اليهودية في جيش واحد يندفع كالحراب المشرعة إلى الجيش المسمر على الشريط الساحلي الضيق يقطعه ويطويه حتى يلقى به أخيرا أوصالا ممزقة أمام الحدود .

لقد حاولنا كما أسلفت أن نقنع الجيش بخطتنا لتثبيت السكان العرب في النقب دون جدوى ولقد وضح لي الآن أننا والجيش كنا ننتمي إلى عالمين منفصلين أحدهما يقرأ كتب الحرب ويطبقها حرفيا والآخر يفهم الحرب ببساطة على أنها البحث عن العدو لقتله حيث يكون أحدهما يعتبر أرض فلسطين هي ذلك الشريط الساحلي الضيق الذي تقف على جانبيه قواته دون حركة والآخر يعرفها أرضا واسعة تقع بين البحر المتوسط وخليج العقبة وكلها ميدان حرب مع العدو المعتدى أحدهما ينتظر اليهود أن يهاجموه ليدافع عن نفسه على قدر الاستطاعة والآخر يؤمن بالهجوم المستمر وبدون توقف وهو خلاف قديم ظهر في حروب كثيرة بين العقلية المتزمتة التي تريد أن تخضع الظروف للنظريات الجامدة والعقلية الحرة التي تريد أن تبتكر من النظريات ما يتلاءم مع الظروف الخاصة المتجددة وكان طبيعيا أن تنتهي المحاورة بانتصار صاحب الرتبة الأكبر والنفوذ الأقوى وكانت النتيجة أنني لم أتمكن من تنفيذ خطتي إلا في حدود إمكاناتنا المتواضعة وكم في نفسي وملأها ألما أنها إمكانات لم تسمح لنا بحماية أصدقائنا البدو طويلا وتركناهم بعد أشهر من الزمالة الشريفة يواجهون تصفية الحساب مع اليهود وحدهم فيقتلون منهم كيف يشاءون ويشردون الباقين مع نسائهم وأطفالهم أما نحن فلم يختلف مصيرنا عن مصيرهم كثيرا لأننا كنا بعد نهاية الحرب وراء أسلاك المعتقلات!

ويذكرني هذا الذي تم بيننا وبين قبائل البادية في مناطق النقب بقصة أخرى تدل على أن اليهود قد استخدموا هذا الأسلوب من توثيق علاقاتهم بالعرب لخدمة أهدافهم الخبيثة .

أذكر أنني كنت أقوم بزيارة لمدينة نابلس في أحد أيام شهر فبراير سنة (1948) وكانت الزيارة للسلام على القائد العربي (فوزي القاوقجى) لدى دخوله فلسطين وكنا وفدا كبيرا من إخوان يافا .

وكان الطريق الذي نسلكه يشطر مستعمرة (بيت شيمن) إلى قسمين فما راعني إلا الجنود اليهود يقفون عند مدخل المستعمرة ويشيرون لسيارتنا بالمرور بعد أن يشيروا بأيدهم محيين وذهلت لهذه الظاهرة فملت على أحد الركاب من أهالي مدينة اللد وسألته عن السر في ذلك وكيف أن اليهود لم يطلقوا علينا النار في الوقت الذي تدور فيه المعارك بشدة في جميع أنحاء فلسطين .

فقال لي : ((إن اليهود قد اتصلوا بنا وقالوا إن يهود اللد وعرب اللد أصدقاء ولا يهمهم ما يجرى في المناطق الأخرى)).

وانخدع العرب فترة قصيرة من الزمن حتى قامت جماعة معارضة كان قوامها الشباب الكريم من أهالي المدينة فاشتركت منطقتهم في القتال وقامت بنصيب كبير فيه ودارت الأيام دورتها وكانت تلك المستعمرة هي المركز الذي حشدت فيه القوات اليهودية وهاجمت منه المدينة من الخلف وأرغمت أهلها على الهجرة والفرار بحياتهم موقعة بهم أشنع ما عرفته الحرب من وحشية وإجرام .

ولعل القارئ قد فهم الغرض الذي كان يرمى إليه اليهود من وراء هذه الأساليب الماكرة من تشكيك العرب في قضيتهم وإضعاف المقاومة في بعض المناطق حتى يتفرغوا لكبحها في المناطق الأخرى ولاشك أنها أساليب تدل على ما امتاز به اليهود من المكر والخداع .

تلك هي القصة التي ذكرتها وأنا بصدد معالجة ذلك الإشكال الماثل الذي تعرض لي في صحراء النقب والذي تغلبنا عليه بتلك الخطة المضادة التي قمنا بها والتي فاتت غيرنا من القوات العسكرية المنظمة حين تركت هؤلاء البدو لشأنهم ولم تفكر في الإفادة منهم حتى أصبحوا سلاحا مغلولا ألقته الجيوش العربية وحمله اليهود واحتفظوا به وقد ينجحون في استعماله لو واتتهم الظروف .

|السابق| [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error