حينما ساقتنا القوة الباطشة إلى المعتقلات عقب الحرب الفلسطينية كتبت عدة مذكرات للمسئولين في الجيش المصري ناديت فيها بوجوب تسخير القوة الشعبية الفلسطينية لإرهاق العدو وإرغامه على قتال طويل المدى بواسطة عصابات عربية صغيرة تنتشر في صحارى فلسطين فتدمر الجسور والطرق وتحرق المصانع والمعامل وتغير على المستعمرات الزراعية وتعمل يد التحريق والتدمير في مزروعاتها وآلاتها وتنشر الرعب والفزع في كل مدينة وقرية ومستعمرة وقلت : إن هذه الحالة لن تكلف كثيرا ولكنها كفيلة بتعطيل الجهاز الإنشائي في دولة إسرائيل وإرغام جيشها الكبير الذي تفرغ للتدريب والإعداد على حماية حدودها المترامية وعلى حراسة طرق المواصلات والمستعمرات والمصانع وغيرها من المراكز وفي ذلك ما فيه من إرهاق لميزانية الدولة وإشغال لهذه القوات إلى جانب الخسائر الهائلة التي يمكن أن تقع في الجنود والعتاد .
وقد كان مما يساعد على نجاح هذه الخطة أن الحرب كانت لا تزال قائمة والشعب الفلسطيني لا يزال يعيش في مناطق من فلسطين المحتلة وليست هناك حدود معترف بها بين إسرائيل والمناطق العربية من فلسطين كما أن الدول العربية كانت تستطيع في ذلك الحين أن تعلن أن الشعب الفلسطيني قد استرد حقه في تحرير وطنه بالوسائل التي يراها بعد فشل التدخل العربي الجماعي في تحقيق هذه النتيجة ولقد كنا نعتقد أن اشتعال الحرب التحريرية من جانب الفلسطينيين قد يغرى العدو بتكرار مهاجمة شبه جزيرة سيناء فقد نصحنا بضرورة تحصين هذه المناطق تحصينا قويا ولقد اقترحنا من أجل تحقيق هذه الغاية بناء مستعمرات زراعية على طول الحدود في المناطق التي يوجد فيها الماء والأراضي الزراعية الصالحة كما دعونا إلى إنشاء قوات للبادية من القبائل العربية وإعدادها لتؤدى دورا فعالا في عرقلة وإحباط أي هجوم متوقع من جانب العدو وناشدنا المسئولين في الحكومة السعدية القائمة أن يشجعوا المصريين على الهجرة إلى سيناء وتعميرها حتى لا تبقى هذه المناطق الحيوية فارغة مما يغرى المستعمر الصهيوني باحتلالها .
نعم صرخنا من وراء أسوار المعتقلات في مذكرات مكتوبة إلى المسئولين أن استمروا في الحرب وإذا كانت الظروف قد اضطرتكم لإنهاء الحرب النظامية هذه النهاية المؤسفة وخرجت جيوشكم مثخنة بجراح الهزيمة وبها شوق إلى الثأر والانتقام فأشعلوا حرب العصابات وهي كفيلة بتحقيق ما عجزت الجيوش النظامية عن تحقيقه وإن أمامكم كثيراً من الشواهد على نجاح هذه الوسيلة .
إن العصابات هي التي حررت يوغسلافيا وهي التي حررت فرنسا من الألمان وهي التي دمرت حكومة الصين الوطنية وهي التي حررت إندونيسيا المسلمة وهي التي لا تزال ترج الأرض تحت أقدام الملايو وتوشك أن تفرغ من فرنسا في الهند الصينية .
إن الوسيلة الوحيدة إرهاق إسرائيل وتدمير قواها واستنزاف ماء حياتها لن تكون إلا بحرب عصابات يقوم بها الشباب الفلسطيني الناقم المغبط الذي يتحرق شوقا لملاقاة أعدائه وتنغيص عيشهم كما نغصوا عليه حياته .
قلنا هذا الكلام في ذلك الحين ولكن حكومة الإرهاب كانت مشغولة بقتل ((حسن البنا )) والقضاء على فكرة الإسلام وحين مادت الأرض تحت ذلك العهد الأغبر واصلنا الكتابة والنصح ولكن هذا الجهد كله ذهب أدراج الرياح إني أصبحت مقتنعا أنه لا خير يرجى في هذه الحكومات وليس هناك مفر من إعلان هذا الرأي ودعوة الجماعات الوطنية الشعبية في مصر وسائر البلاد العربية لتتعاون جميعا في هذا السبيل .
هذه هي الأسلحة الخطرة التي يمكن توجيهها إلى إسرائيل : الحصار الاقتصادي المنظم وحرب العصابات المنظمة القوية .
وإني إذ أصدرت هذه الطبعة الثانية من هذا الكتاب أشكر لحضرات القراء الكرام ذلك التشجيع الكبير الذي حبوني به عند صدور الطبعتين الأولى والثانية والذي حملته رسائلهم من مصر وسائر بلاد العروبة مما جعلني أزداد يقينا أن الكثرة الغالبة من شباب هذه الأمة لا تزال تولي قضية العروبة والإسلام في فلسطين ما تستحقه من اهتمام ورعاية .
ومادام هذا الصنف من المؤمنين يؤدى رسالته في بناء الأمة العربية الإسلامية الجديدة فإن عودة الأرض المقدسة إلى أحضان الإسلام باتت وشيكة الوقوع وإن طال المدى وكثرت تكاليف الجهاد وأعباؤه وكل آت قريب {ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا} .
المؤلف
القاهرة (27 فبراير 1951)