((أيها الإخوان لا يهمكم ما يجرى في مصر فإن مهمتكم هي مقاتلة اليهود ومادام في فلسطين يهودي واحد فإن مهمتكم لم تنته)). حسن البنا
لم يؤثر قرار الحل في سياسة الإخوان في فلسطين وظلوا يؤدون واجبهم المقدس في مجاهدة أعداء الإسلام رغم ما كان يصلهم من أنباء مثيرة عن الإرهاب الحكومي في أرض الوطن .
وما كاد شهر ديسمبر ينتصف وتصل الحالة الداخلية في مصر إلى أسوأ مراحلها حتى استغل اليهود الفرصة وقاموا بأعنف هجمات شهدتها حرب فلسطين وكان الإخوان في ذلك الحين يعاد تدريبهم في المعسكر بعد أن قضوا أكثر من عام في معارك متواصلة ومما تجدر الإشارة إليه أن اللواء (فؤاد صادق) كان قد افتتح بعض المدارس العسكرية في رفح للتدريب على الأسلحة الصغيرة وفنون القتال وطلب انتساب نفر من الإخوان إليها ليعاد تدريبهم فبعثنا عددا كبيرا من الإخوان ووزعناهم على الفرق المختلفة ولقد كان إقبالهم على الدرس والتدريب ورغبتهم الشديدة في تعلم أساليب الحرب الحديثة مثار إعجاب الضباط الذين زاملوهم في الدرس أو اتصلوا بهم .
ولما انتهت فترة التدريب اقترح القائد العام أن يظل الإخوان في معسكراتهم ليكونوا (قوة ضاربة) تكون مستعدة دائما للدخول في أية معركة .
ولم يطل الانتظار طويلا ! إذ نقض اليهود الهدنة في (23) ديسمبر وهاجموا مرتفعا حاكما جنوبي دير البلح يعرف باسم التبة(86) وكان نجاحهم في احتلال هذا الموقع يعنى عزل (حامية) غزة وتمثيل مأساة الفالوجا مرة أخرى .
ولقد رأينا كيف اضطر الجيش إلى إخلاء مناطق برمتها عندما احتل اليهود موقعا مشابها عند (بيت حانون) وكان هذا ما يرمى إليه اليهود من معارك (الطرق) التي اتسمت بها حربهم في فلسطين من قطع مواصلات الجيش وإرغامه على التقهقر ثم طلب الهدنة لتمكنهم من المحافظة على ما وقع في أيديهم وكان هذا ما أرادوه من احتلال مرتفع (دير البلح) الذي نتحدث عنه .
ولقد حدث إلى الأميرالاى (محمود رأفت) قائد قطاع (دير البلح) بالتليفون في ساعة متأخرة من ليلة (23) ديسمبر وأخبرني أن العدو قد نجح في اختراق خطوطنا الأمامية في دير البلح وانتزع المرتفع من أيدي جنودنا الذين أذهلتهم ((المفاجأة) وأن قواته تتجمع الآن وتحاول الوصول إلى طريق المواصلات الرئيسي ولكن قوات الجيش تحاول حصره فوق المرتفع حتى الصباح حيث يمكننا أن نقوم بهجمات مضادة لاسترداده وتطهيره ثم صارحني بأن الموقف جد خطير وأن هذه المعركة سوف يكون لها أثر بالغ في النتيجة العامة للحرب وختم حديثه طالبا أن يستعد الإخوان ليكونوا آخر (ورقة) نقذف بها في وجه اليهود .
فألقيت سماعة التليفون وخرجت من المكتب وكانت أصوات الانفجار العنيفة تسمع عن بعد في جبهة القتال وطلقات الرصاص المضيء تمزق حاجب الليل المظلم وترسم على صفحة السماء خطوطا حمراء متشابكة فأمرت بصفارة الإنذار فأطلقت ولم تمر دقائق على إطلاقها المعسكر قد أخذوا مواضعهم الدفاعية وتجمعت القوات الاحتياطية في ارض التدريب وكل فصيلة أمامها قائدها ومعها أسلحتها ومعداتها وتحركت مصفحات المعسكر وسياراته المدرعة وانتظمت في تشكيلات الاستعداد واحذ قوادها يمدونها بحاجتها من البترول والماء ثم دعوت الإخوان المسئولين وشرحت لهم الموقف في إيجاز وطلبت تجهيز سرية للاشتراك في هذه المعركة وكانت المشكلة أمامي وأمام الإخوان المسئولين إقناع بعض الأفراد بالبقاء فكل فصيلة تريد أن يكون لها شرف العمل دون غيرها فلما وقع الاختيار على الفصائل الثلاث هلل أفرادها وكبروا وأخذوا يهتفون من أعماق قلوبهم :(( هبي ريح الجنة هي هبي ))ومضوا يعدون أسلحتهم ويستعدون لمنازلة العدو وبعد ساعة تحركت السيارات بمن فيها لترابط قريبا من أرض المعركة .
كانت نسمات الفجر تحمل إلى أنوف المحاربين رائحة البارود المحترق مختلطة بأنفاس الشهداء الأبرار وكانت أشعة الفجر الأولي تتسلل إلى الميدان فتكشف معاملة شيئا فشيئا والغيوم تتكاثف وتلقى حمولتها من الماء فوق رءوس المحاربين وكان اليهود حتى ذلك الحين لا يزالون فوق المرتفع الذي احتلوه ولا تزال مدافعهم تسيطر على مسافات شاسعة من الأرض المنبسطة حوله .
ولم تكد الشمس ترسل أول أشعتها حتى صدرت الأوامر لجنود الجيش بالتقدم فانسحبوا في أفواج متلاحقة تريد أن تصل إلى القمة وتطرد العدو الرابض فيها ولكن ارتفاع الموقع وسيطرة أسلحة اليهود على الأرض المحيطة به كانا يمنعان الجنود من الاقتراب وظلت الحالة هكذا موجات إثر موجات وجرحى كثيرون وشهداء يسقطون دون الهدف وكيف يمكن للحوم آدمية أن تقاوم القنابل والرصاص والعدو الماكر يربض خلف خنادقه التي أعدها بعناية ويصوب نيرانه منها على لحوم بشرية متراصة وبدا جلي للعيان أن لا أمل مطلقا في كسب المعركة إلا في حضور عدد من الدبابات فأرسلوا في طلبها على عجل وجاءت الدبابات ودفعت إلى المعركة واحدة تلو الأخرى فأطلت منها اثنتان على سفح التل ولم يستطيع أحد الاقتراب من مواقع العدو .
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر والريح لا تزال تدوي بشدة وتسوق أمامها موجات من السحب الكثيفة وعواصف المطر الباردة ووقف الضباط يتطلعون لي السماء يلتمسون العون من الله العلى الكبير بعد أن جربت كل الأسلحة ووضح جليا أن هذه المعركة قد ((ماعت) وضعت الأمل في حسمها قبل الليل .
وكان لابد من إلقاء الورقة الأخيرة فطلب الأميرالاى (محمود رأفت) إحضار الإخوان على عجل وما إن سمع الجنود والضباط اسم الإخوان حتى سرت في نفوسهم روح جديدة من الأمل والثقة وطلبت إلى القائمقام (على مقلد) قائد الفرسان أن يوفر دباباته ليدفع بها أمام جنود الإخوان وبعد لحظات وصل جنودنا إلى ميدان المعركة وترجلوا عند مكان أمين لتنظيمهم وإعدادهم وكانت الخطة تقضى بتقسيم الإخوان إلى ثلاث مجموعات تهاجم اثنتان منها الموقع من الأمام ومن جهة الشمال بينما تدور القوة الثالثة حول المرتفع وتهاجم مؤخرته وتمنع تدفق الإمدادات عليه وتجذب اهتمام لمدافعين إليها وتشغلهم عن القوتين الأخريين وكان المفروض أن تتقدم الدبابات متجمعة أمام قوة الإخوان تحت ستار من نيران المدفعية والأسلحة الرشاشة وتحت غلالة من قنابل الدخان التي كانت تطلقها مدافع الهاون التابعة للإخوان المسلمين وبدأت المعركة على هذا الأساس وانطلق الإخوان إلى أهدافهم وقد علت وجوههم إشراقة الإيمان القوى وكانوا ينشدون في حماسة نشيدهم المعروف :
هو الحق يحشد أجناده ويعتد للموقف الفاصل
فصفوا الكتائب آساده ودكوا به دولة الباطل
وأمسك الضباط والجنود أنفاسهم وهم ينظرون إلى هذا الشباب المؤمن يتوائب في ثبات وقوة ولا يثنيه الرصاص والقنابل عن التقدم لملاقاة أعدائه لقد آمن الضباط والجنود أن هناك نتيجتين لا ثالث لهما : إما أن ينتصر هؤلاء الشباب أو يموتوا جميعا لأن الانسحاب والتراجع لا يدخل في برنامجهم إطلاقا وبخاصة في مثل هذا الموقف الحرج الخطير .
وظلت مدافع الإخوان تقذف الموقع بقنابل الدخان فترة طويلة حتى أحالت القمة إلى سحابة قاتمة لا ترى خلالها غير ألسنة اللهب الناتج عن انفجارات القنابل وسكتت المدافع وانساب المجاهدون إلى أهدافهم وبدأت معركة الخنادق وروع اليهود حين رأوا الإخوان يلقون بأنفسهم فوقهم في الخنادق والدشم ويعاركونهم بالقنابل والحراب والأيدي ورغم كثرة الضحايا من الإخوان فإن القوة قد تمكنت من احتلال خنادق العدو وأخذت تطهرها جزءا جزءا ولم يجد اليهود بدا من إخلاء الموقع فصمتت مدفعيتهم وأسلحتهم وشوهدت مصفحاتهم تتحرك للخلف حاملة الجرحى والهلكى وكان هذا المنظر حافزا للجنود الآخرين ملهبا لحماسهم فأخذوا يتكاثرون على الموقع ويتمون تطهيره حتى بدأت أخيرا الحمالات (قاذفات اللهب ) تطارد فلول العدو المنهزمة وانتهت المعركة بنصر حاسم وكانت إحدى المعارك الكبرى التي تكبد فيها العدو خسائر فادحة دون أن يحصل على نتيجة تذكر ووجد ضمن القتلى عدد من كبار الضباط الإسرائيليين وبينهم قائد المعركة وهو (كولونيل) روسى يحتل مركزا هاما في الجيش الإسرائيلي ووجدت في جيبه تفاصيل الخطة التي اتبعت في دير البلح والخطط المقبلة التي كان يراد منها إلقاء الجيش المصري في أعماق البحر .
كانت الشمس قد مالت للمغيب حين انتهت المعركة وأخذ الجنود يحتلون الموقع بعد فرار اليهود منه أما جنود الإخوان فقد انسحبوا في سكون وهدوء بعد أن أخذوا منهم كميات وفيرة من الأسلحة الألمانية والروسية وأكداسا من القنابل والذخائر وكان الضابط يعانقونهم عند خروجهم ويهنئونهم بهذا النصر الحاسم ويشيدون بجهودهم وفضلهم .
ولقد سقط من الإخوان في هذه المعركة وحدها عدد كبير من الجرحى والشهداء وكان أول الشهداء قائد الفصيلة المرحوم (السيد محمد منصور) من إخوان الشرقية ومما يروى عن هذا الشهيد المبرور أنه حين أصيب بالضربة القاتلة التف حوله نفر من إخوانه وشغلوا به عن الهجوم فنهرهم بشدة وحينما حملوه إلى الخطوط الخلفية أفاق من غيبوبته وسألهم عن سير المعركة فأجابوه بما طمأن نفسه فابتسم وتمتم الحمد الله
ولم يقف لسانه عن الدعاء لحظة : اللهم انصر دعوتنا وحقق غايتنا حتى لفظ أنفاسه الطاهرة ومضى إلى جنة ربه الواسعة ليحمل البشرى إلى سكانها (إن شجرة الإسلام الخالدة قد بدأت تورق من جديد)).
أما الشهيد (حسن العزازى) من إخوان العريش فقد أصيب بجرح في كتفه وكان في وسعه أن يعود ولكنه ظل يكافح بصعوبة حتى احتمى بنتوء بارز في مواجهة العدو وأخذ يلهب خنادقه برصاص مدفعه الرشاش حتى أسقط منهم عددا كبيرا مما اضطرهم إلى تركيز نيرانهم عليه فأصابته عدة طلقات في مواضع مختلفة من جسمه فسكت مدفعه وصعدت روحه الطاهرة بعد أن ثأر نفسه ومتع نظره برؤية الدم الصهيوني المراق .
وقد كان عدد الجرحى كبيرا ومنهم من مات متأثرا بجراحه بعد وصوله للمستشفي ومنهم من عاد في (إرساليات) مرضية إلى مصر ثم تم علاجه في معتقلات الطور وهاكستب ! ولا تظنني أمزح أيها القارئ الكريم فإنني لا أسجل إلا الحق والصدق فإن اثنين من جرحى هذه المعركة وهما الخوان المجاهدان (عويس عبد الوهاب )و( سيد عيد يوسف) قد نقلا بعد المعركة إلى مستشفيات مصر لمعالجة جراحها الخطيرة ولكن البوليس السياسي أشار بنقلهما إلى الطور ولعله خشي انضمامهما إلى الجيش (الإرهابي السري) فنزعا من المستشفيات وجراحهما لا تزال تنزف دما وألقيا في أحد العنابر الرطبة دون غذاء أو علاج ولا يزال أحدهما يعانى ألما مراً من رصاصه مستقرة في يديه(!!..
انتهت معركة (دير البلح) على الصورة التي ذكرنا وكان دور الإخوان فيها مفخرة كبرى من مفاجر هذه الدعوة وأثرها في تكوين المحارب الناجح وبجانب الكسب الأدنى فقد غنم الإخوان عددا كبيراً من الأسلحة الرشاشة التي كانوا في أمس الحاجة إليها ولقد كلفهم هذا الانتصار غالبا فسقط منهم عدد كبير من الجرحى والشهداء وكان يزيد في عظم الخسارة استحالة تعويضهم من مصر وقت أن كانت المذبحة قائمة على قدم وساق غير أن هذه الخسارة وما لا بسها من ظروف ومحن لم تزعزع من إيمان الإخوان وثباتهم ولقد خشيت أن تكون كثرة الخسائر قد نالت من روحهم القوية فقمت في الصباح الباكر بجولة بين حجراتهم فما وجدت للحزن أثرا وما وجدت إلا استبشارا وغبطة للنتيجة التي أرادها الله وكانوا يتناقلون فيما بينهم قصص البطولة التي سجلها شهداؤهم على أرض المعركة ويمنى كل واحد منهم نفسه بنتيجة مماثلة ويرجو أن يكون خطه من جهاده طلقة تؤدى به إلى رحاب الجنة فالشهادة في نظرهم ليست موتا ونهاية ولكنها بداية لحياة هنيئة طيبة في جوار الله فلم لا يتعجلونها وقد رأوا أماراتها بأعينهم في ابتسامات الشهداء وسمعوا بشرياتها بآذانهم في آخر كلمات نطق بها المحظوظون السعداء وهم يستروحون أولي نسمات الجنة ويضعون أقدامهم على أولي درجات الحياة الباقية .
ولقد زارني في ذلك الصباح مندوب من قبل القائد العام وأخبرني أن اللواء (فؤاد صادق) يرغب في مطالبة الحكومة بالألغام بأوسمة عسكرية رفيعة على الإخوان إشادة بفضلهم واعترافا بجهادهم في هذه المعركة وغيرها وهو يريد منى كتابة كشف بأسماء (الإخوان) الذين اشتركوا في معركة الأمس فمانعت أولا في تقديم كشف لهذا السبب وقلت : إن الإخوان لا يعلمون بغية أوسمة وشارات ولكنهم طلاب ثواب ومغفرة وليس لهم مطمع من جهادهم غير الاحتفاظ بكرامة أمتهم وجيشهم والإبقاء على عروبة فلسطين كجزء من وطنهم الإسلامي الكبير فإن حققوا ذلك فقد وصلوا إلى أقصى ما يريدون من نتائج ولكنه ألح إلحاحا شديدا وحاول إقناعي بأن الألغام على الإخوان لا يعد انتقاصا لبرئهم وثوابهم بل هو اعتراف من الدولة بشجاعتهم وصدق جهادهم ثم هو فوق ذلك اعتراف بفضل الدعوة التي صنعتهم .
وأمام هذا الإلحاح لم أجد بدا من إجابة مطلبه فأعطيته الكشف المطلوب ولقد أخبرني بعض ضباط الرئاسة أن اللواء (فؤاد صادق ) تقدم للحكومة السعدية طالبا منح نياشين رفيعة لإخوان غير أن الحكومة اعتبرت تنفيذ هذا المطلب اعترافا منها بجهاد الإخوان وحسن بلائهم فكيف توفق بين ذلك الاعتراف وبين خطتها في القضاء على جماعة الإخوان وتشويه كل مظهر من مظاهر نشاطها ؟.
وكيف توفق بين هذا المسلك وبين ما تكتبه صحفها (للعقاد) وغيره من الكتاب المرتزقة من مقالات وبحوث يدللون فيها على خيانة هذه الجماعة وتأمرها مع اليهود؟ فماطلت الحكومة السعدية زمنا طويلا وحاولت إقناع (فؤاد صادق) بالعدول عن مطلبه غير أن الرجل الشجاع أصر على ذلك واعتبر هذه المماطلة امتهانا لكرامته وإحراجا لمركزه مما اضطر الحكومة لإجابة مطلبه فاختارت حلا وسطا وصدرت النشرة العسكرية في مايو سنة (1949) تحمل أسماء خمسة عشر جنديا من الإخوان المسلمين المصريين والفلسطينيين ورأت الحكومة أن تدارى موقفها المخجل فسمتهم في نشرتها (جماعة المتطوعين المصريين) ! ثم تتابعت النشرات العسكرية تحمل الألغام على أبطال الإخوان المسلمين في (بيت لحم) و(صور باهر) وغيرهما من المناطق ومن المضحك أن تصدر النشرات العسكرية وفيها اعتراف رسمي ببطولة جنود الإخوان وقت أن كان الأبطال المنعم عليهم لا يزالون يقاسون مرارة الاعتقال ويعيشون كالمجرمين الخطرين خلف الأسلاك الشائكة بين معسكرات (رفح) و(الطور) و(الهاكستب) !! وهكذا أباحت العقلية المنكوسة لنفسها معاملة طائفة من الناس على أنهم أبطال مغاوير ومجرمون خطرون في آن واحد .
ولاشك أن استمرار هذه الخطة في كبت الحريات الإسلامية القوية في صفوف الشعب والجيش مهما كانت دوافعها ومبرراتها ومهما كانت فوائدها القريبة السطحية للحاكمين فهي لن تؤدى في المدى الطويل إلا إلى قتل فعاليات الأمة ,إضعاف مناعتها الذاتية وتعويدها على الخنوع والاستسلام حتى إذا هاجمها العدو الخارجي كانت أشبه ما يكون بالجسم الذاوي النحيل الذي يتهاوى تحت أول هجمة من هجمات المرض دون أن تكون لديه القدرة على المقاومة والثبات وفي تقديرنا أن إصرار الحكام المصريين على السلطة المطلقة وكراهيتهم للشورى والحكم الشعبي الحر وتوجسهم من الدعوة الإسلامية لما تحمله من حد لشهواتهم وغرائزهم مع خضوعهم الأعمى في كثير من الأحيان للسلطة الأجنبية سواء كانت سياسية أو عقائدية كل ذلك يدفعهم إلى التصدي للحركات الشعبية القوية التي هي في واقع الحال قوة للوطن في مجموعه فيعملون فيها يد الكبت والاضطهاد والتشريد وتكون النتيجة دائما شيوع الأحقاد والفتن في صفوف الأمة وقيام فجوة عميقة من الشك المتبادل بين الحاكم والرعية ولو أنهم كانوا يضعون مصلحة الوطن والدين فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية لاستطاعوا إيجاد المناخ السليم الذي تعمل فيه جميع الأفكار الصالحة متعاونة لبناء وطن قومي سليم قادر على الصمود في وجه المؤامرات والأعاصير .
إن دور الإخوان في حرب فلسطين يجب أن يكون درسا وعبرة لأولئك الذين يفكرون بإخلاص وتجرد في بناء قوة عربية إسلامية تكون قادرة على مواجهة التحدي الإسرائيلي والتغلب عليه وحين نتحدث عن دور الإخوان المسلمين لا ينحصر تفكيرنا في النطاق الضيق لجماعة معينة أو هيئة معروفة ولكننا نستشرف الإسلام في معناه الرحب الواسع كفكرة سماوية تخلق المجتمع المتكافل النظيف وتصنع الفرد الجاد المستعد دوما لتلبية النداء وتقديم النفس رخيصة في سبيل الله دفاعا عن العقيدة السامية والوطن العزيز وليس جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين وما سجله من بطولات فردية وجماعية خارقة سوى ثمرة محتومة لهذه التربية الإسلامية التي أنبتت قديما خالدا وأبا عبيده وطارقا وشرحبيل وغيرهم من قادة الفتح وجنود الإسلام عبر قرون طويلة وفي ملاحم لا تزال قمما شامخة في تاريخ الصراع بين الخير والشر وهي تربية لا تزال قادرة على أن تنبت أمثالهم في كل عصر ومصر إذا ورد المسالمون نبعها الصافي والتمسوا عندها العلاج لأمراضهم ومشكلاتهم .
إن دور الإخوان المسلمين في الحرب الفلسطينية عام (1948- 1949) يجب ألا يقاس بمقياس مادي صرف نعنى : بعدد القوات التي اشتركت منهم في المعركة ونسبتها العددية إلى القوات العربية النظامية والقوات الإسرائيلية ولكن يقاس في إطاره المعنوي والروحي ذلك أن الإنسان الذي يصد في ظروف صعبة يدافع عن عقيدته وإيمانه ويموت وعلى شفتيه ابتسامة الرضا والظفر لأنه يؤمن بالقضية التي يحارب من أجلها ويعتبر الموت ثمنا متواضعا يقدمه في سبيلها هذا الإنسان كان دائما هو العنصر الحاسم في الحروب وسيظل كذلك مهما تطورت أسلحة الحرب وفنونها ووسائلها وإذا كانت الحرب الفلسطينية الأخيرة كما أسلفنا في موضع سابق هي ((مزرعة تجارب)) لنا وللعدو يستفيد كل فريق من دروسها واختباراتها ما يعينه على خوض الجولات المقبلة بصورة أفضل فإن الإنسان العربي الذي سيخوضها في المستقبل يجب أن يحظى بعناية ألا تقل عن العناية بتطوير أمام الصهيونية يجب أن تقدم قصة الأخ المسلم في الحرب الفلسطينية أو بعبارة أدق عقيدة الإسلام الخالدة كمدرسة لإنتاج الأبطال الذين نريدهم في هذه المحنة التاريخية أمام الغزو الصهيوني
وإذا كان محتوما على المسلمين ولاسيما العرب أن يرتبطوا بالإسلام وأن يبنوا حياتهم وكيانهم على أساسه المنيع في كل وقت فإن التحدي الصهيوني الراهن يجعل ذلك أكثر حتمية وأشد إلزاما لأنه سيكون في تقديرنا الفرق الرئيسي بين الهزيمة والانتصار وبين الظفر والاندحار وبين أن تبقى الأمة العربية بعد هذه التجربة أو لا تبقى على الإطلاق أو يصبح وجودها ذليلة مستعبدة أعدم سواء بسواء .
إن الحركة الصهيونية التي تقوم على التوراة والتلمود وتوحد يهود العالم تحت حائط المبكى ومدينة داود لا يمكن أن تواجهها إلا أمة إسلامية متماسكة تمشى بينها آيات القرآن وتحركها سيرة محمد وبطولات الصحابة والتابعين وترتبط بأرض الإسراء والمعراج ارتباط عقيدة وإيمان وترى الموت دفاعا عنها أقرب سبيل إلى الجنة والرضوان عقيدة تجعل الملمين حكاما وشعوبا يدركون معنى الآية الكريمة التي جعلها الإخوان المسلمون شعارا لهم { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } ويجعلون منها واقعا حيا ملموسا ى إعداد الأمة كلها شيبا وشبابا لقتال العدو وتسخير أموال الشعب في التماس أسباب القوة الرادعة في مجالات التسليح والتدريب حتى يصبح الوطن قلعة عنده أساسها الإيمان والعقيدة ولحمته الرجولة والتضحية وغطاؤها أقوى ما وصل إليه العقل البشرى من وسائل الإعداد وفنون القتال وهذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم للأمة الإسلامية المجاهدة هي لعمري الصورة الوحيدة لأي أمة تريد أن تبقى حرة كريمة في العالم يموج بتيارات الشر والاعتداء والتوسع على حساب الضعفاء .
وهذه الصورة هي التي يريدها الإخوان المسلمون للأمة العربية ولا يريدون لها بدلا وهذا هو السبب في صدامهم دوما مع الحكومات المصرية المتتابعة التي لا يؤمن إلا بكراسي الحكم والثراء الحرام .
ومن هنا نود أن نكرر أن تسجيلنا لجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين لم يكن مجرد امتداح للجماعة أو تغنيا بأمجاد فئة معينة وإنما كان إلى جانب الاعتراف بالفضل محاولة لإبراز هذا الدرس العملي الملموس ووضعه أما المسلمين حكاما وشعوبا وهم يدعون أنهم بسبيل الاستفادة من دروس النكبة وعبرها المريرة لبناء قوى رادعة تسمح العار وتنقذ الديار لعله يرشدهم إلى الاتجاه الصحيح لإقامة مجتمعات منيعة وجيوش صلبة إن ما أردنا أن نصل إليه هو أن نقول لهم جميعا إن الإسلام بمفهومه الواسع الصحيح هو الرد على الصهيونية المعتدية فإما أن تسلكوا سبيله أو تنظروا المزيد من الكوارث والنكبات فهل يسمعون أم تغلبهم النزعات الشخصية والضغوط الأجنبية ؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام ؟!!.