نحن أمام شعب محطم مكدود أكلته الحرب وقذفت به أمواجها العاتية زبدا رابيا على شواطئها السحيقة شعب ساهم العالم المتحضر كله في تحطيمه وتشييع جنازته وساهمت الجامعة العربية وحكوماتها بالنصيب الأوفر في ذلك .
والحق أنني أحس بنقمة شديدة على هذه الجامعة العربية ولست أشك في أن القارئ يحس بما أحس به كلما ذكرت محنة فلسطين وحالة شعبها البائس ولا أمر على معسكرات اللاجئين وتصافح عيني صور البؤس والفاقة التي ارتسمت على وجوه سكانها حتى أصب اللعنات على أولئك الذين ساهموا في تنفيذ هذه المؤامرة الدامية ولا أنسى إذا لعنت اليهود مرة أن ألعن الإنجليز مرتين ثم ألعن الجامعة وحكوماتها ألف مرة ذلك لأن اليهود كانوا يعملون لمصحتهم وينفذون فكرة آمنوا بها وسعوا إلى تحقيقها والإنجليز حينما أقاموا (( إسرائيل)) لم يقيموها حباً في اليهود وسواد عيونهم ولكن حبا في إمبراطوريتهم وتمشيا مع مصالحها التي تفرض إيجاد ((توازن)) في الشرق العربي يضمن لبريطانيا البقاء في ربوعه .
ولكن أي عذر نلتمسه لزعماء العرب ورؤساء حكوماتهم وقد وقفوا من القضية موقفا متداعيا حتى كبر الخطر واستحال التغلب عليه وأي عذر لهم اليوم بعد أن وقعت الهزيمة وبدأ العدو يتحفز لوثبة أخرى وهم لا يزالون يجتمعون ويقررون ولاهم لهم إلا القضاء على شعوبهم وكبت كل حركة قوية تظهر فيها وكأنهم قد رضوا بالأمر الواقع ولم يبق إلا أن يتبادلوا التمثيل السياسي مع إسرائيل !...
هذا الشعب فقد أرضه ووطنه وفقد معهما كرامته ومعنوياته ولا يزال الأوضاع الحاضرة تعمل عملها لتقتل في نفسه كل دوافع يدفعه لمواصلة الكفاح وأصبح هدفه كله أن يحصل على لقمة الخبز اليسيرة وحتى هذه اللقمة التافهة التي تلقى إليه في المعسكرات يتناولها من يد أعداء أمته وكأن العرب والمسلمين قد طواهم الموت وغيبتهم ظلمات القبور .
كنت أسمع من كثير من اللاجئين لأستطيع أن أجيب عنه ((أين العرب وأين المسلمون ؟ أهذه هي حقوق الجيرة والقرابة والدين ؟ أنترك هكذا نموت جوعا ولا نجد العون إلا من أمريكا وهيئة الأمم ))؟ إني أعلم أن حكوماتنا ((الرشيدة)) تساهم في إغاثة اللاجئين عن طريق هيئة الأمم وذلك هو الغباء المطلق فالوضع الصحيح أن تساهم معنا الحكومات الأجنبية في إغاثة اللاجئين وتقدم لنا ما تستطيع المساهمة به ونقوم نحن بتوزيعه أبنائنا وإخواننا أما أن تعكس الآية فنساهم نحن بالنصيب الأكبر ونغيث إخواننا عن الطريق الهيئة ليقوم بتوزيع المواد على اللاجئين مندوبون من جميع الدول والأجناس إلا الدول الإسلامية والجنس العربي فهذا ما لا تفهمه ولا نستسيغه .
في معسكرات اللاجئين اليوم القوة المعطلة مئات من الشباب يتسكعون على المقاهي والطرقات وينتظرون اليوم الذي ينطلقون فيه لتطهير أرضهم ولا ينقصهم إلا قيادة مخلصة تسوى صفوفهم وتسلك بهم طريق الكفاح الشاق .
ولكن السياسة المتخاذلة التي لعبت دورها في الوصول بهم إلى هذه الحالة لا تزال تلاحقهم ولا تزال مخالبها المخضبة تلتف حول أعناقهم وتعوقهم عن الحركة والتفكير والأغلال التي استدارت حول أرجلهم منذ كان في فلسطين استعمار لا تزال الأغلال التي تكبلهم عن العمل وتقعدهم عن الكفاح.
وكيف لا يكونون كذلك وزمام أمرهم في يد الحكومات العربية و الحكومات الداخلية التي بداخلها الاستعمار ما يشغلها عن التفكير في فلسطين ووضع الوسائل العملية لاستردادها .
ألست ترى أن المحادثات والمفاوضات تدور اليوم حول مشكلة اللاجئين وطريقة إغاثتهم وتهيئة سكن مستقر بهم ؟ أما القضية فلسطين نفسها وقضية الوطن المباح والكرمة المهدرة والإسلام الذبيح تحت أقدام اليهود فهذه كلها أهداف وآمال تدور في عقول الخياليين الواهمين من أمثالنا ممن يبتعدون عن الواقع ولا يفكرون إلا بالعقول التي أراد لنا المستعمر أن نفكر بها وحتى قضية اللاجئين التافهة على ما فيها من وضوح لا تحتمل معه كل هذا الشد والجذب يحاول الاستعمار أن يحلها على حساب العرب أنفسهم دون أن تتحمل إسرائيل شيئا في حلها فتارة يقترحون نقلهم إلى ((سيناء)) وتارة يقترحون نقلهم إلى ((برقة)) والزعماء العرب يصرفون مقالات المديح في ساسة أمريكا وبريطانيا الذين يشغلون أنفسهم بهذه القضية الإنسانية أما إرجاع اللاجئين إلى وطنهم الأصلي حيث ولد آباؤهم وأجدادهم وحيث لا تزال دورهم وأمتعتهم في انتظارهم فهو مالا يسمح به المستعمرون وهو مالا يدور إطلاقا في عقل الزعماء الأمجاد !.
إن دل الاستعمار تريد أن تحل مشكلة اللاجئين لا رحمة باللاجئين أنفسهم لا إشفاقا على وجه الإنسانية الصبوح أن تشوهه المآسي ولكن إشفاقا على إسرائيل نفسها لآن ببقاء اللاجئين على وضعهم الحالي يشعر إسرائيل أن القضية لم تنته ويجعلها في قلق دائم لا تستطيع معه أن تباشر الإعداد والإنشاء في جو هادئ مستقر إذن فلا بد من ((التصفية)) على أن تكون تصفية يتحملها العرب أنفسهم ولا تتنازل ((إسرائيل)) فيها عن شبر من الأرض التي اغتصبتها ولا تنفق مليما واحدا من المال الذي تجمعه لتنفذ به برامجها الواسعة ولا يمكنها أن تنفق منه على هذه التفاهات الصغيرة ..
تلك هي السياسة التي ترسمها دول الاستعمار لحل مشكلة اللاجئين ومن هنا تقترح إسكانهم في ((برقة)) وإسكانهم في صحراء ((الأردن )) وإسكانهم في سيناء .
إن حل مشكلة اللاجئين في أيدينا ولن تحل قضيتهم إلا بالرجوع لأوطانهم وخروج اليهود منها لن يعدا إليها بالمحادثات المفاوضات لن يترك اليهودي أرضا غنمها بالسلاح إلا تحت ضغط القوة المسلحة هذا هو الطريق فاسلكوه ولا تضيعوا الوقت { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ولا تغرروا بالجماهير البائسة فالقضية لا تحتمل كل هذه السياسة وهي أما قتال سريع أو موت بطئ وذل دائم .