من الأمور التي تهتم بها الدول غرس معاني الثقة في نفوس أفراد الجيش والمحافظة عليها وبخاصة بعد الهزائم التي يمنون بها ولي من شك أن جيشنا هذا قد فقد الثقة في نفسه وفقدها في قادته وفقدها في زعماء حكومته فقدها في نفسه يوم رسمت له سياسة خاطئة انتهت به إلى هزيمة لا ذنب له فيها وخرج أفراد الجيش وليس في حلوقهم إلا غصة الهزيمة كلما ذكروا حرب فلسطين وليس في قلوبهم إلا رعب قاتل كلما ذكروا معارك اليهود .
وفقد الجيش ثقته في قادته يوم ساقوه إلى المجازر نتيجة خطط مرتجلة وتركوه عرضة للهزائم والحصار وكم من مرة كانت ترسل الأوامر المتناقضة والتعلىمات التي يهدم بعضها بعضا ويحار الجنود أي الأوامر ينفذون ؟ وأيها يتركون ؟ ويظلون في حيرتهم حتى يلاقوا حتفهم الذي يوعدون كم من مرة حدث هذا وما هو ِأكثر منه حتى امتلأ الجنود حقدا على قادتهم ولم تعد تسمع من الجنود تلك القصص المشرفة التي يتحدث بها الجنود عن قادتهم في أعقاب الحروب ولكنك تستمع دائما إلى روايات مضحكة مبكية وقد لا تكون القصص صحيحة وأغلب الظن أنها ليست صحيحة ولكنها عين السخط التي تزن الأمور بميزانها الخاص .
وعين الرضا من كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدى المساويا
وزاد الطين بلة ما سمعه الجنود عن الأسلحة الفاسدة وعن الدور السيئ الذي لعبته رتب كبيرة وشخصيات عظيمة في نظام الحكومة السعدية .
وفقد الجيش ثقته في زعماء حكومته يوم أسلموا أعنتهم للمستعمر الغاصب يحركهم كيف يشاء وينفذ بأيديهم وعقولهم خططه المرسومة فقبلوا الهدنات المتلاحقة وأضاعوا بتصرفهم ثمار النصر وكلما أحرزت العسكرية نصرا ودفعت فيه ثمنا باهظا خسرته السياسة الهزيلة على موائد المستعمر بثمن بخس .
وسمع الجيش كيف خضع النقراشى وخليفته لسياسة الإنجليز وقام يحارب أخلص فئة من أبناء الوطن ويلقى بهم في غياهب السجون سمع الجيش هذا وقارن بين ما يفعله الإخوان في فلسطين وما يلقونه من حكومتهم في مصر فعل أن البلد الذي يدا فع عنه ليس ملكا له ولكنه ملك للمستعمر وصنائعه!
تلك هي النتيجة التي خرج بها الجيش من حرب فلسطين فقد الثقة في نفسه وفقد الثقة في قيادته وفقد الثقة في حكومته فهل يستطيع جيش ضخم ضم هذه العيوب كلها أن يقف ليحارب عدوا يفوقه في العدة ويكاد يكون خاليا من كل هذه العيوب ؟!.
أعيدوا للجيش ثقته بنفسه ودعوه يؤمن أن الهزيمة التي وقعت لم تكن من صنع يديه وليس له ذنب فيها وأن الجيش قد أدى واجبه في هذه الحرب كاملا غير منقوص على قدر ما تسمح به موارده وعدته .
ودعوه يعرف الكثير عن خصمه ومواطن الضعف فيه وأن الصورة التي تكونت في ذهنه عن المقاتل اليهودي ليست صحيحة إطلاقا فاليهودي لا يزال كما كان دائما مقاتلا فاشلا جبانا لا يتمتع بقوة من صفات المقاتل الممتاز وتلك ناحية من الأهمية بمكان ولقد كنا نقرأ خلال الحرب العالمية الأخيرة مقالات يكتبها كبار القادة الإنجليز عن الجندي النازي أو الفاشستي أو الياباني فيصفونه ويحللون شخصيته ويوضحون نقاط الضعف في نفسه ويعطون لجنودهم صورة واضحة منه مستمدة من المعارك التي خاضها .
وأعتقد أن من واجب إدارة الجيش أن تبادر بطبع رسائل في هذا الموضوع بأقلام بعض الضباط ممن شهدوا الجولة الماضية حتى تمحى هذه الصورة الخاطئة التي أخذها جنودنا عن العدو كمقاتل ممتاز ومضوا يتداولونها فيما بينهم وينقلونها إلى غيرهم ممن لم يشهدوا هذه الحرب .
وأعيدوا للجيش ثقته في قواده ودعوه يؤمن أنه إن كان أفراد قلائل قد سرقوا فإن أفراد كثيرين لم يسرقوا وأن النزاهة ومعاني الشرف إن كانت قد ضاعت من النفوس المريضة أمام بريق المال فإن النزاهة ومعاني الشرف لا تزال بخير في نفوس الغالبية المؤمنة وأنه إن كان بعض القادة قد أخطئوا في إدارة المعارك فإن كثيرين لم يخطئوا وأن الجيش لا تزال فيه كفايات ممتازة لا تقل عن نظائرها في جيوش العالم الحديثة .
وأعيدوا للجيش ثقته في زعماء حكومته فحاكموا مجرمي حرب فلسطين السياسيين وحاكموا مجرمي الوزارة الماضية على ما ارتكبوه من آثام في حق أبناء الوطن وبادروا برفع المظالم عمن ظلم حتى يؤمن الجيش والشعب أنه إن كان نفر من زعمائه يقع تحت تأثير المستعمر وسير في الطريق التي يرسمها فإن نفرا آخر لا يقع تحت تأثيره ولا يملك أن يسير في طري غير التي ترسم له .
دعوة يؤمن أن عنده زعماء يتمردون على الإنجليز ويرفضون تدخلهم في شئون البلاد ودعوه يؤمن أن حرية الرأي والعقيدة مكفولة في مصر وأن علينا جميعا أن نقف صفا واحدا أمام أي عدو يحاول أن يدوس أرضنا ليحرمنا أول ما يحرمنا من حرية الرأي وحرية العقيدة .