و " إن هذا النظر ، الذي وراءه التذكر ، الذي وراءه التِقوى ، التي وراءها الله ، هذا وحده هِو القوة التي تتِناول شهِوات الدنيا فتصفِّöيها أربع مرات ، حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر ، و آخر وجودها التلاشي " 100
و " إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعداً لها , فإن كان مُعداً لها : عاش راضياً بها , فإن عاش راضياً بها : كان عمره في حاضر مستمر ، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها ، فلا يستطيع الزمن أن ينغِص عليه مادام ينقاد معه و ينسجم فيه ، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح ، ولا في الصبح أن يبعد الليل " 101
و بمثل هذا النظر و الترقِب الذي أكسبه الأنبياء عليهم السلام من قاتل معهم من الربّيين : صفت النفوس ، و ثبتت بركيزة من الطمأنينة سكنت معها و هدأت ، فرأت حين زال الاضطراب إطار الحقائق الترابية للشهوات الدنيوية ، فزال ما هنالك من تطلع زائد .
ثبات له من الرسوخ إزاء الأماني مثِل الذي كان ما بين رؤية إبراهيم عليه السلام للأفولö ، فلم يحب الآفلين ، وبين بقية من حنيفيته – كادت أن تتصل ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – أرَتْ أمية بن أبي الصلت حقائق الحياة ، فكاد أن يسلم ، فصرخ فيما حوله من جاهلية :
اقترب الوعدُ ، والقلوب إلى اللهو **** و حب الحياة سائقُها
ما رغبةُ النفسö في البقاء وأن **** تحيا قليلاً والموت لاحöقها ؟
أمامِها قِائِد إلِيِه ، ويحدوها ****حثِيِثِاً إلِيِه سائقُِها
قد أيقنت أنها تصير كما **** كان يراها بالأمس خالقُِها
و إن ما جمّعت وأعجبها **** من عيشة مُرة مفارقُها
من لم يَمُت عَبطة يمت هَرَما **** للموت كأسñ و المرءُ ذائقُِها
فكانت صرخاته في عكاظ إرهاصاً ينبي عن نبوة جديدة ، أحيت لما جاءت سنن الترقب و النظر الذاكر ، فزهد أصحابñ ورثوها بما هنالك ، فانقِلبوا يصلحون للإنسان الواهم ما أفسدتِه شهِواته ، وما متاع أحدهم عند الوداع غير بُردة قصيرة جعلت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يبكي ، و يعاف الطعام ، ويقول :
( قُِتِل مصعب بن عمير وهو خير مني : كُِفِن في بُردة ، إن غُطي رأسه : بدت رجلاه ، وإن غُِطي رجلاه : بدا رأسه , ثم بُسط لنا من الدنيا ما يُبسط ، وقِد خشينا أن تِكون حسناتِنا عُِجِّöِلِت لنا ) 102