وإنما أرشدك الصالحون طريق الاستعلاء والسيادة بالنية والهمة ، وعليك تعبه وركوب مصاعبه ، وذلك : إن السيادة نهج واضح الوعر .
وليس أمرها بالهيَّن ، وإنما هي قول ثِقيل ألقاه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه : يجب أن يسودوا .
ويمكن لهذا الثِقِل أن تخِففه النية ، فيتعاظم تأثير التعب القليل بصلاحها ، كما أشار الذين وصفِوا الابتداء ، ولكن هداية القِلب ، وإضاءة النفس ، ونهضات الهمة ، إنما يذكيهن الجد ، فمن أرادهن دائمات : أدام جده ، وهِو معنى قولهم : ( استجلب نور القلب بدوام الجد )
فلا بد من الجد الدائم ، لأن خواطر الفكر دائمة ، وحركات الجوارح متصلة ، فإن لم يكن الجد معهن دائماً : شغلهن ما هو دونه أو ضده ، فيكون الهبوط من بعد الاستعلاء ، يحذرك إياه عبد الوهاب عزام ، و ينبهك أن :
" الفكر لا يحد واللسان لا يصمت ، والجوارح لا تسكن . فإن لم تشغلها بالعظائم : شغلتها الصغائر .
و إن لم نُعمöلها في الخير : عملت في الشر .
إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين ، و نفوراً عن المكره والشاق ، فارفع نِفسك ما استطعت إلى النافع الشاق ، ورضها وسسها على المكروه الأحسن ، حتى تألف جلائِل الأمور وتطمح إلى معاليها ، وحتى تِنفر عن كل دنية و تربأ عن كل صغيرة .
علمها التحليق : تكره الإسفاف . عرّفها العز : تِنِفر من الذل .
وأذقها اللذات الروحية العظيمة : تحقِر اللذات الحسية الصغيرة " 48
و أنت صاحب إيمان :
" وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان ، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس ، وتتِفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتِفتح له أبداً وهو قاعد آمن ساكن ، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة ، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته ، و بعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته ، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة .
وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، وأول ما تِفسد : فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح ، وتسترخي معه الهمة ، و يتلفها الرخاء و الطراوة ، ثم تأسن الحياة كلها بالركود ، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها ، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء " 49
وأتعب الناس من جَلّت مطالبه
وأنت حر كريم
و " لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة و مبلغ القدرة ، مستمداً قوة من بعد قوة ، محققاً السحر القادر الذي في نفسه ، متلقياً منه وسائل الإعجاز في أعماله ، مرسلاً في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم تثبت لكل ذي عينين إنه النجم لا شيء آخر " 50
و أنت صاحب غاية :
و إنما يوصل الداعية إلى غايته : " شغفه بدعوته و إيمانه ، و اقتِناعه بها ، و تِفانيه فيها ، وانقطاعه إليها بجميع مواهبة وطاقاته ووسائله ، وذلك هِو الشرط الأساسي والسمة الرئيسة للدعاة " 51
و أنت طالب نفوذ إلى الله .
و " طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة ، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة ، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به فيه ، يحتاج أن يكون شجاعا ًمقداماً ، حاكماً على وهمه ، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه ، عاشقاً لما توجه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه ، والطرق القواطع عنه ، مقدام الهمة ، ثابت الجأش ، لا يثِنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل ، كثير السكون ، دائم الفكر ، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم ، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته ، لا تستِنفره المعارضات ، شعاره الصبر ، وراحته التعب " 52