وإنما التسبيح عنوان الإيمان وإسلام النِفس لله تعالى ، والإيمان عنوان التصور الموزون ، وضمانة الثبات أمام مخاطر الطريق .
" ركيزة الإيمان والتِقوى أولاً .. التِقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التِقوى الدائمة اليقظة التي لا تِغِفِل ولا تِفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله : { يا أيها الذين آمنوا اتِقوا الله حقَّ تُِقاتِه } .. اتِقوا الله - كما يحق له أن يُتِقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القِلب مجتهداً في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتِقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ وإلى مرتبة وراء ما ارتِقى ، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !
{ ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون } والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه ، فمن أراد ألا يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً . وذكر الإسلام بعد التِقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعاً لمنهجه ، واحتكاماً إلى كتابه . وهو المعنى الذي تِقرره سورة آل عمران كلها في كل موضع منها .
هذه هي الركيزة الأولى التي تِقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق و جودها وتؤدي دروها ، إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعاً جاهلياً ، ولا يكون هناك منهج الله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية ، ولا تِكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية " 66
" لا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر ، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكِفي ، فقِد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختِل ، ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر ، يستِند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .
وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه ، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون .. ومن هذا التصور العام تِنبثق القواعد الأخلاقية ، ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد ، ومن سلطان شريعته في المجتمع تِقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك . ثم لا بد من الإيمان أيضاً ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، و يحتملوا تكاليفه ، وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثِقِل المطامع ... و زادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان ، وسندهم هو الله .. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد ، و كل عدة سوى عدة الايمان تِفل ، و كل سند غير سند الله ينهار " 67
و يحدثنا إقبال عما فعله هذا الإيمان من توحيد التصور الذي انتبه إليه سيد قطب فيقول :
وُحّöد الرئي لنا و الفكرة **** كسهَام جمعتها جعبة
نحن فكر و خيال واحد **** ورجاء و مآل واحد 68
فهذا أقصى ما يكون من الاتحاد ، بأدنى ما يكون من الوسائل ، فالرؤية واحدة ، والفكر والخيال واحد ، والرجاء واحد ، والمصير واحد ، كل ذلك يعطيه الإيمان ، وما أسهل تِناوش من ملك القلب لهذا الإيمان البسيط ، ذي الأعطيات الثمينة .