ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا رحمه الله كان سياسياً إسلامياً منذ عهد الطلب وهو في المدرسة، يهتم بقضايا شعبه وأمته، ويقاوم الاستعمار البريطاني المحتل لأرضه والناهب لخيراته والمذل لشعبه. ويحكم على الأحداث بما حكمَ الشرع فيها، ويعالجها بمعالجة الشرع لها، يحاول جاهداً أن ينظم الشعب للوصول إلى أهدافه في التحرير والاستقلال والحكم بالإسلام.
لقد تزعم المظاهرات والاضرابات ضد قوات الاحتلال البريطاني في مصر لما حدثت الثورة المصرية سنة 1919 وكان لا يتجاوز ثلاثة عشر عاماً، وكان مدير المدرسة يخشى من تبعات هذه الأعمال حتى إنه أخذ مجموعة من الطلاب برئاسة الشيخ حسن البنا إلى مدير البحيرة وألقى مسؤولية الأحزاب عليهم، وقال للمدير: هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول عن إضرابهم، وعبثاً حاول المدير أن يقنعهم بفك الإضراب فلم يفلح.
انظر شهداء فلسطين ص307.
وكان رحمه الله يعقد الاجتماعات للتخطيط للمظاهرات والإضرابات في بيته الذي يسكن ولا يخشى من البوليس وبطشه، بل كان جريئاً في مواجهة رجال الشرطة ويؤثر فيهم بجرأته وشجاعته.
يقول في مذكراته رحمه الله:
ولست أنسى يوم أن أضربَ الطلابُ في يوم من الأيام الثائرة، واجتمعت اللجنة في سكننا في منزل الحاجة خضرة شعيرة في دمنهور، وداهم البوليس المجتمعين، واقتحم البيت يسأل عنهم، فكان جوابها أنهم خرجوا منذ الصباح الباكر، ولم يعودوا، وأنها مشغولة كما رآها (بتنقية البقلة) ولكن هذا الجواب غير الصادق لم يَرُقْني فخرجتُ إلى الضابط السائل وصارحته بالأمر – وكان موقف الحاجة خضرة حرجاً للغاية – وناقشته بحماس وقلت له: إن واجبه الوطني يفرض عليه أن تكون معنا، لا أن يُعطّل عملنا، ويقبض علينا، ولا أدري كيف كانت النتيجة أنه استجاب لهذا القول فعلاً، فخرج وصرف عساكره أو انصرف معهم بعد أن طمأننا، ورجعت إلى الزملاء المختبئين وأنا أقول لهم: هذه بركة الصدق، ولابد أن نكون صادقين ونتحمل تبعة عملنا ولا لزومَ للكذب مهما كانت الأحوال.
انظر مذكرات الدعوة والداعية ص28-29.