وإليك بعض الأقوال لهؤلاء:-
1. نقل البرزلي عن القاضي أبى بكر بن العربي أن تعاطي ما يقطع الماء عن الرجل، أو يبرد الرحم عن المرأة لا يجوز.
2. وقال الحطاب: قال الجزولي في شرح الرسالة (ولا يجوز للإنسان أن يشرب من الأدوية ما يقلل نسله).
3. قال صاحب المعيار (إن المنصوص لائمتنا رضوان الله عليهم المنع من استعمال ما يبرد الرحم، أو يستخرج ما هو بداخله من الماء، وعليه المحصلون والنظار).
4. نقل في شرح الأحياء، عن العماد بن يونس، والعز بن عبد السلام، وهما من أئمة الشافعية: أنه يحرم على المرأة استعمال دواء مانع للحمل.
- قال ابن يونس: ولو رضي الزوج.
- أما تعاطى الأدوية لقتل الحيوان المنوي بعد وصوله إلى الرحم، فقد فرق الأئمة بين حالتي: قبل التخلق وبعده، فأما ما بعد التخلق، فالإجماع على حرمته تقريبًا، أما قبل التخلق ففيه الخلاف المتقدم.
إذا تقرر هذا ولاحظنا معه أن الإسلام لم يغفل ناحية القوة في الأبناء، والصحة في الإنتاج، بل أوصى بذلك، ونبه إليه، فعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تقتلوا أولادكم سرًا – فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة عن فرسه) أخرجه أبو داود.
والغيل أن يقرب الرجل امرأته وهى ترضع فتضعف لذلك قوى الرضيع، فإذا بلغ مبلغ الرجال ظهر فيه أثر هذا الضعف.
علمنا أن الإسلام مع وصيته بالإكثار من النسل وإرشاده إلى أسباب القوة فيه، قد تجعل رخصةً تستخدم إذا توافرت الأسباب والدواعي التي تدعو إليها.
وعلينا إذا أردنا أن نستخدم هذه الرخصة أن نسأل أنفسنا الأسئلة الآتية: -
1. أليست هناك أسباب تدعو إلى الإكثار من النسل لا إلى تحديده ؟
2. هل ثبت بأدلة قوية، وقرائن صادقة أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى التحديد، وهل تأكدنا أن كثرة النسل هي السبب في الضائقة الاجتماعية ؟
3. هل يمكن استخدام علاج اجتماعي آخر ؟
4. هل وثقنا من أنه سوف لا تنجم عن هذا التحديد أضرار خطيرة ؟
5. هل اتخذت الاحتياطات الكافية لمنع هذه الأضرار؟
6. ما الوسائل التي ستتخذ، وهل يبيحها الإسلام ؟
7. هل وثقنا من أن هذه الرخصة ستستخدم بالقدر الضروري فقط، وأنه سيستخدمها الذين يراد منهم استخدامها، وأن العود إلى القاعدة الكلية، هي ترك التحديد سيكون ممكنًا إذا ما دعت الحاجة إليه ؟
1- وأخيرًا هل الأفضل في ذلك أن يعالج بصورة عامة أو بصورة فردية خاصة ؟
2- أليس من الجائز أن تسفر هذه التجربة عن عجز معالجة الأضرار المزعومة، كوفيات الأطفال مثلاً – فتظل هذه الدواعي كما هي، ويضاف إليها الأضرار التي ستنجم عن التحديد ؟
3- وملاحظة أخرى قد تكون بعيدةً عن تفكيرنا المحدود بالواقع والبيئة الخاصة وإن كانت صحيحةً في ذاتها: هي أن الإسلام لا يتقيد بهذا التقسيم السياسي في الوطن الإسلامي العام، فهو: عقيدة ووطن وجنسية، وأرض المسلمين في نظره وطن واحد، فالزيادة في جزء منه قد تسد نقصًا في جزء آخر.
وعلى ضوء البيانات التي سمعتها في هذه الدار الكريمة من حضرات الباحثين الفضلاء أستطيع أن أستخلص النتيجة التالية:
أن نجاح التشريع غير مضمون في القرى بتاتًا فإن أولاد الفلاح هم رأس ماله وثروته، والفلاحون في أشد الحاجة إلى الإكثار من الذرية.
وأن المشاهد أن الطبقة التي تستخدم التحديد هي الطبقة المتعلمة التي ينتظر منها الإكثار، وذلك ضار بالأمة، فإن القادرين على التربية هم الذين يفرون من كثرة الأبناء، ولهذا نحن في الواقع نخشى إن استمر هذا الحال أن نجد أنفسنا في المستقبل أمام مشكلة هي كيف نكثر من النسل لخدمة الوطن المحتاج إلى كثرة الأبناء؟.
ومعنى هذا أن استخدام رخصة التحديد التي أباحها الإسلام لظروفها لا تجوز بصورة عامة، ولا يصح أن تحمل عليها الأمة، بل تستخدم بصورة خاصة فردية بحتة مع الذين تتوفر عندهم دواعيها فقط.
أن هناك من ظروف الأمة الخاصة في نهضتها الجديدة ما يدعو إلى تكثير النسل، فأمامنا الجيش، وأمامنا السودان، وأمامنا الأرض البور في مصر وهي تبلغ ثلاثة ملايين من الأفدنة أي نصف المشروع الحالي.
ولأن أسباب الأضرار المشكو منها اقتصاديًا وصحيًا، واجتماعيًا لا ترجع إلى كثرة النسل، بل إلى ارتفاع مستوى المعيشة من جهة، وجهل الأمهات من جهة أخرى والمزاحمة من جهة ثالثة، وأسباب أخرى نعجز عن حصرها وسردها.
وذلك ما استبان لي وفوق كل ذي علم عليم.