وشعار الدعوة: أن الطاعة بالمعروف ، وأنها باب من العبادة وطلب الأجر، وما هي بتبعية ولا إلغاء لأدوار أهل الفضل من الدعاة، ولذلك فإنه ليس من الأخلاق الدعوية ولا من منهجية التربية القيادية أن تبالغ في الطاعة إلى الحد الذي تعطل فيه تفكيرنا ثقة بتفكير الرائد ، ونشيد بوعيه الفريد وعلمه المزيد ، حتى لكانة المعصوم ووارث الخاتم السحري، أو تقول: لو لم يكن قوله صوابا لما قاله، أو نقول: من ا لمستبعد أن يفوته رأي . بل من فقه الدعوة أن نحاور بالحسنى، وأن نعتقد عجزه عن العصمة، وأن نعرض ما عندنا من رأي بأدب، ثم تكون بعد ذلك طاعتنا الواعية المعتمدة على القرار الشوري.
وهذا القدر من الفهم الدعوي الصحيح لحدود الطاعة ومعنى الإمارة أصبح من العلم الشائع الذي لا يجهله الدعاة ، ولكن تجاهله يكون حيث يستقر في القلب شيء يحمل صاحبه على التماس تمير معنى من المعاني وإنفاذه ، فيتوسل لذلك بوسيلة المبالغة هذه ، يظن أنها ثمن وأجب لتوفير غطاء لإشاعة ما يذهب إليه، وهيهات ، إذا كان مقلدا في الوقت الذي يريد له قائدة الاجتهاد ، والأمير التقي يحزن إذا رأي سيطرة البداوة الإمعية العاتية اللاغبة لآثار المناهج التربوية ، ويبرأ من ذلك ، وكل أمير يفهم أن المقلد أعجز من أن يشارك في استئناف النهضة الحضارية الإسلامية، وأن أقدار المقلدين المفوضين لن تعدو تأسيس مشيخه صحراوية ، وفي أحسن نتائج التأول لهم أنهم في مثل حالة هيام الصوفية بشيخهم حين ينسبون له الكرامات.
ومن البدائل في إنقاذ المعاني: أن يقوم صاحبها باستنطاق أقرانه وأخذ رأيهم فيها، لإضفاء صفة شبه جماعية عليها إذا وافقوه ، فإن وجد سكوتا أو مغيارة: كان منه إلحاح ربما يضجر منه المقابل فيوافقه للتخلص من حصار الإلحاح. ومن ثم غيره الإكراه أو شبهه . فإذا كان نطقهم: نسب الرأي لهم وعزاه ، والسوي بريا بنفسه عن هذا الإختبار، ويبارز وجاها، فإنها أخلاق الفروسية وطباع الفرسان حيث يثبتون في مواقعهم في قلب المعارك ، ولكن قد ترى في أقاصي ساحتها من يحمل على حمار إعراج، ربما، ولكل مسلم حظه رزقه من الفكر والمنطق والوضوح ، أو ترى أخر يعرق الحقيقة الفيزياوية في وجود فراغ المندفع المسرع تتضاءل فيه مقاومة الهواء، فيرتضي لنفسه أن يحتل ذاك الفراغ ، لضعف طاقته ، وليعينه التيار المنتقل إلى فراغ الإندافع، فيظل راضيا بالمنزلة الخلقية ، والجهات التبعية.
وداعية صالح من الذاكرين ، رقت نفسه وصفت ملأته عاطفة، ونقلته إلى حالة من الرحمة والشفقة على جميع إخوانه ، بحيث أصبح لا يستسيغ أن نعظ المخطئ ، بلسان صارم، ولا يرى جواز توجيه عقوبة لمسئ ، ويفهم حل كل الأمور على مبدأ : تصافحا تعانقا ، غير ناظر إلى عواقب الفتن، وضرورة الحزم ن وقبح خلع الطاعة ، وعدم تساوي منزلتي الكفين، ولو جرت الأمور على قياسه لكنا في زفة عرس لا موكب دعوة تريد أن تهدم الطواغيت.
وعلى عكسه صالح آخر، إداري في تعامله مع إخوانه، وليس في قاموسه لفظ العاطفة ، يابس ناشف ، يدير قطاعه بأعراف الشركات، فهو ثابت عند قناعته لا يتزحزح، مطرق لا يبتسم ، حرفي لا يتأول، نصي لا يجتهد ، لا يقبل عذرا، ولا استثناء ، ولا وصفا مقاربا، أو حلا بديلا، وإنما ديدنه الجداول والاصطلاحات والإلزامات والنسبة المئوية، بل الألفية.
وأخر لا يعجبه العجب، ولا يرضي عن صحبه ، إذ هم في هجرة أو وضع صعب ، وفي تقسيم نعرف نقصانه عن الحدود النموذجية بتأثير الضرورات، وصاحبنا يقيس بموازين أيام العافية والاستقرار ، ويشتهي على رسله، وينتمي مربيا رفع الصفات ، وأصحابا أشكالا ، وهيهات ، ولو قنع بالقسمة وعاون لكن خيرا وأبرد لقلبه ، ولو وزر لمربيه لتكامل الأمر واستقر.