ما من فكر أصيل إلا ويرتكز على عمد ممدودة، وجدران قوية، وركائز متينة ثابتة عميقة الجذور، يقام عليها البناء فتتشكل حجراته، وتتنوع أحجامه، وتتغير ألوانه، وتبقى العمد والجدران والركائز ثابتة ثبوت الرواسي، لا يتبدل أساسها ولا تتغير جدرانها ولا تنتقل أركانها.
ولقد علمنا القرآن الكون نفسه قائم على نظام وسنن لا تتغير ولا تتبدل، يحفظ الله بها الكون من الهلاك والدمار ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون(. [يس: 37-40] .
فإذا ما اضطربت هذه السنن الثابتة هلك الزرع والضرع بل انتهت الحياة بكل ما فيها (إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتشر( [الانفطار: 1، 2] لأن الثوابت هي الأسس التي يقوم عليها البناء في كل زمان ومكان مهما تطاول مستقبل الزمان، وفي كل مكان، مهما تباعدت جهات المكان، وهي لا يختلف عليها أحد من المسلمين لأنها اللب والجوهر.
والفكر الأصيل يقوم بنيانه على هذه الثوابت ولولا المحافظة عليها بل والتضحية من أجلها ما بقيت الجماعة التي تحمل التصور السليم والفهم السديد، من أجل ذلك كان أمر هذه الثوابت في جماعتنا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
والإمام البنا رضوان الله عليه أوضح هذه الثوابت والمتغيرات في دعوته، ولأنها كانت واضحة تمسَّك بها الأتباع، وحافظوا عليها بل بذلوا النفس والنفيس للإبقاء عليها، ولولا ذلك ما استمرت إلى يومنا هذا منهجاً وحركة، والذين ابتلوا، وصبروا، وعذبوا بل واستشهدوا في السجون والمعتقلات، وما وهنوا واضعفوا وما استكانوا، هم الذين حافظوا على ثوابت الجماعة من الضياع، ولولا هذه التضحيات ما بقي الاسم ولا المسمى، فضلاً عن الكيان والرجال، ويوم أن حاول نفر ممن عذبوا عذاباً شديداً في سجونهم أن ينحرفوا بفكر الجماعة وتصوراتها واعتنقوا فكر التكفير الشاذ، ودعوا إليه في السجون، تصدى لهم علم من أعلام رجالها ومرشد من مرشديها بالتوضيح والتبيين في كتاب (دعاة لا قضاة) مبيناً ثوابت الدعوة التي لا تحيد عنها، واستمسك بالذي تسلمه بأمانة وإخلاص، وحافظ على ثوابت الدعوة من الانحراف، وسار بها في طريقها الذي رسمه وحدده مؤسسها الإمام البنا رحمه الله، وسار على دربه من أقر بعده من الرجال الصادقين قيادة وجنوداً.
وأصبح واضحاً أن للجماعة ثوابت هي بمثابة العقائد لا يجوز الاقتراب منها مداهنة أو مساومة فضلاً عن تبديلها أو تغييرها.
أما المتغيرات عند الجماعة فيحكمها القواعد الشرعية والاختيارات الفقهية، وهي تطور للأحسن في الوسائل والرؤى دون تفلت، وتقدم للإمام دون تهور أو تغير، واجتهاد مع استمرار في الطريق دون جمود أو تحجر، وأخذ بالعصرية دون انحراف أو مداهنة وتلون، وأصالة وتمسك دون تنازل أو تميع، وتعدد للوسائل دون الخروج على الأصول، وكل ذلك في إطار الثوابت الحاكمة لأنه لا يمكن للتغيير أن يحدث ويُحدث أثره إلا في إطارها.
ولأهمية هذا الموضوع كانت هذه الدراسة التحليلية لمنهج الإمام حسن البنا رحمه الله – ثوابته ومتغيراته – وهي محاولة أسأل الله فيها التوفيق فإن أصبت فمن توفيق الله، وإن كانت الأخرى فأسأل الله أن يغفر لي ذنبي، وأن يصوب لي خطئي من عاش ثوابت الجماعة ونافح عنها من أهل الحل والعقد. وفي كلا الحالين أسأل الله الأجر إنه نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.