ومما أدركه الإمام البنا وحذر المسلمين منه الهجمة الشرسة الغربية على الإسلام ومحاولة تشويهه من جهة، ومن جهة أخرى إعطاء معنى استعماري للإسلام، بمعنى تصوير الإسلام أنه دين تعبدي لا علاقة له بالحكم وبالقوة والإعداد والسياسة والجهاد، وأنه لا يطلب من معتنقيه الدفاع عن أوطانهم وتحريرها من غاصبها.
وقد أطلق رحمه الله على هذا المفهوم الغربي للإسلام الذي أشاعه المستعمرون: الإسلام الاستعماري الغربي الذليل. انظر مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين المنعقد في المحرم 1357هِ من مجموعة الرسائل161-162.
ومما يؤسف له أن هذا المعنى الذي حرص عليه أعداء الإسلام من مستعمرين وغيرهم شاع عند كثير من المسلمين، فخنعوا وخضعوا لهذا الكافر المستعمر، ووقفوا من الحكم والجهاد والإعداد والتصدي موقف الجبان الذي يتبرأ من هذه الأمور والفرائض الإسلامية.
ووصل الأمر إلى غايته من السوء حين تأثر بعض من ينسبون إلى العلم والعلماء والمستشرقين المعادين للإسلام والمسلمين وأخذوا يرددون كلامهم الكفري القبيح. ومن هؤلاء علي عبد الرزاق الذي ألف كتاباً سماه الإسلام وأصول الحكم بعد سنة من سقوط الدولة العثمانية وإعلان الكافر أتاتورك علمانية الدولة وإقصاء الإسلام من واقع الحياة، ومحاربة كل مظاهره في الدولة العثمانية. يؤيد أتاتورك في فصل السياسة عن الدين وينكر في وقاحة وجهل أو تجاهل أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، ولا يوجب إقامة دولة، بل إن الخلافة الإسلامية كانت شراً على المسلمين، ويزعم في غباء وضلال أن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ دعوة ربه للناس، وليس من وظيفته إقامة كيان سياسي للمسلمين، وينفي أن يكون في الكتاب والسنة دلل واحد على وجوب الإمامة والحكم بالإسلام، فهو يقول: ولم نجد فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض، من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآيةٍ من كتاب الله الكريم، ولعمري لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه إليه، والإشادة به، أو لو كان في الكتاب ما يشبه أن يكون دليلاً على وجوب الإمامة، لوجد من أنصار الخلافة المتكلفين، وإنهم لكثير، من يحاول أن يتخذ من شبه الدليل دليلاً.
الإسلام وأصول الحكم ص13-14.
والحق أن في كتاب الله وسنة رسوله أكثر من دليل على ذلك، من ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء]، وقوله تعالى: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) [النساء]. والمعلوم أن أولي الأمر في الآيتين المذكورتين الأمراء وعلى رأسهم الإمام.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه أخذ كلامه هذا عن كتاب المستشرق الكافر توماس أرنولد وأحال عليه، فهو يقول: (وإذا أردت مزيداً في هذا المبحث فارجع إلى (كتاب الخلافة) للعلامة السير توماس أرنولد، ففي الباب الثاني والثالث منه بيانñ ممتعñ مقنع).
الإسلام وأصول الحكم ص15.
لقد عاصر الأستاذ البنا رحمه الله هذا الكلام وسمعه وردّ عليه دون أن يذكر اسم صاحبه وسمّى هذا المفهوم الغربي للإسلام الذي أشاعه المستشرقون وأمثالهم: الإسلام الاستعماري الغربي الذليل.
وكان دور الإمام البنا رحمه الله ورسالته شرح الإسلام كما أراده الله للناس عقيدة وشريعة ونظام حياة، وإبطال هذه المفاهيم الاستعمارية للإسلام، هذه المفاهيم التي تدعو المسلمين إلى الخنوع والذل والاستسلام لأعدائهم ليحتلوا أوطانهم ويدنّسوا مقدساتهم ويسوقوهم إلى مجازر الحروب مع أعدائهم في أكثر من حرب ظالمة استعمارية أثاروها، فكان هؤلاء الخانعون من المسلمين وقوداً لها.
وشاع مفهوم للإسلام بعد الإمام البنا قريب من هذا المفهوم، وصاحبُ هذا المفهوم أمريكا الشيطان الأكبر، وهو ما يسمى بالإسلام الأمريكي، فإن زعماء أمريكا وعملاء أمريكا من المسؤولين في بلاد المسلمين يقولن لك: الإسلام دين لا سياسة فيه، ويحرم أن تدخل الدين بالسياسة، ولا سياسة في الدين، ولا جهاد في الدين، بل هو الإرهاب والعنف والتطرف، وإن الذي يقاتل اليهود الذين احتلوا أرضه وطردوه من بلده إرهابي وما قام به أو يقوم به إرهاب لا يُقره الإسلام، بل ليس هذا من الإسلام في شيءž!؟.
والإسلام الأمريكاني هو الإسلام الذي لا جهاد فيه، ولا سياسة فيه، ولا حكم فيه، ولا دولة فيه، ولا خلافة فيه، ولا ضرب المصالح الأمريكية الظالمة المسروقة من أموال الناس فيه، ولا مطاردة لشذاذ الآفاق الذي نشروا الفسق والفجور في البلاد والعباد.
إن لابناء رحمه الله قد أحدث وعياً سياسياً، بهذا الفقه السياسي الإسلامي، وقامت على هذا الفكر حركات جهادية ترى أن الإسلام جاء ينظم جميع شؤون الحياة، فلا بد أن يحكمها، ولا بد أن يسود، ولا بد أن تطرد أمريكا وسائر دولة الكفر من بلاد المسلمين، ولابد أن يحارب الإسلام الأمريكاني بتوعية الناس وتفقيههم سياسياً.