إن الذي يقرأ ما كتبه الإمام البنا رحمه الله وما حاضَرهُ في المحاضرات العامة والخاصة وما حفظه من مُتونٍ في العلوم المختلفة يدرك بسهولة أن الإمام كان على جانب كبير من الفقه، وكان مستوعباً لقضايا عصره في العالم العربي والإسلامي، وكان مُطَّلعاً على الأحداث العالمية، وكان مدركاً لحقيقة الحضارة الغربية أنها حضارة المتع والشهوات.
فهو رحمه الله واسع الإطلاع منذ نعومة أظفاره نشأ في بيئة علمية فقهية خاصة، فأبوه من مشاهير العلماء المُحَدّöثين في العصر الحديث، وله من المصنفات في الحديث النبوي وشروحه ما أثار إعجاب العلماء في عصره، فقد نثر أحاديث مسند الإمام الشافعي وسننه على أبواب الفقه وسماه بدائع المنن في ترتيب المسند الإمام الشافعي والسنن. وكذلك مسند الإمام أبي حنيفة وأهم انجازه هو نثر أحاديث مسند الإمام أحمد (بما فيها زيادات ولده عبد الله) التي بلغت أربعين ألف حديث على أبواب الفقه وخَرَّج هذه الأحاديث، في كتاب سماه الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني وشرح أحاديث الفتح الرباني وذكر ما فيها ن حöكَم وأحكام في كتاب سماه: بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ولما وجد ضخامة بلوغ الأماني اختصره فسماه مختصر بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني وهو يتكون من أربعة وعشرين جزءاً بالحجم الكبير.
والذي يقرأ مذكرات الإمام البنا يجد أن الرجل كان على جانب كبير من الذكاء، فهو قد تخرَّج من دار العلوم وهو لا يتجاوز واحداً وعشرين عاماً وقد كان الأول على طلبة العلوم في ذلك العام، ودار العلوم فرع من جامعة الأزهر، وفيها تدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية، وهذا ردّñ على أولئك الذين يزعمون أن البنا لم تكن دراسته شرعية.
هذا وزيادة على سَعَةö مطالعاته في كتب التفسير والفقه والحديث والقانون، كان يحفظ متوناً متنوعة في اللغة والفقه والتوحيد والمنطق.
فهو كما يُخبر في مذكراته: مذكرات الدعوة والداعية، أنه حفظ ملحةَ الإعراب للحريري و ألفية ابن مالك في النحو وقواعد اللغة.
وحفظ عن ظهر قلب الياقوتية في الحديث النبوي الشريف.
وحفظ الجوهرة في علم التوحيد.
وحفظ الرحيبة في علم المواريث.
وحفظ بعض السلم، وهو كتاب في علم المنطق.
وحفظ في فقه أبي حنيفة فتح القدوري.
وحفظ في فقه الشافعي متن الغاية والتقريب لأبي شجاع.
وحفظ في فقه الإمام مالك بعض منظومة ابن عامر.
وكان أبوه يشجعه على المطالعة وحفظ المتون ويقول له: من حفظ المتون حاز الفنون، والفنون هنا العلوم المختلفة.
و أو لا وقبل كل شيء يَسَّر الله له حفظ القرآن الكريم وفَهْمَ معانيه، فكان في محاضراته وكتاباته يُكثöرُ من الاستدلال بالآيات القرآنية، ويذكر وجه الاستدلال فيها، كما كان يؤيد وجه الاستدلال بما يحفظ من الأحاديث النبوية الشريفة. وهذا ما نجده في رسالته الجهاد وسائر رسائله التي كتبها للمسلمين عامة وللإخوان المسلمين خاصة. وكذلك مقالاته في الصحف والمجلات.
أضف إلى ذلك ثقافته القانونية ومعرفته الدقيقة بالدساتير الوضعية والقوانين الوضعية وبخاصة الدستور المصري والقوانين المصرية، وما كتبه شُرّاحُ الدستور والقانون، ويظهر ذلك في تقويمه للدستور والقانون تقويم المطّلع الخبير والعالم التحرير.
أما سعة إطلاعه على كتب الفقه العام وكتب الفقه السياسي فيدلّك على هذا اقتباس الأحكام الفقهية من كتب الفقه العام وكتب الفقه السياسي في كثير من رسالاته وكتبه ومقالاته.
وإن المقام يتسع لذكر هذه الحادثة الطريفة الدالة على سعة إطلاعه وهو غلام ومفادها أن الطالب البنا رحمه الله وهو لا يتجاوز عشر سنوات قد شكل جمعية في المدرسة اسمها جمعية منع المحرمات، وتولى رئاستها، تقوم هذه الجمعية إذا رأت من شخص من أهل البلد مخالفةً لحكم شرعي نبّهته إليه بطريقة طريفة هي أن ترسل له رسالة تذكر له ذلك وتطلب منه أن يلتزم بالحكم الشرعي. وقد كانت نشيطة إذ لم يمض وقت قصير على إنشائها إلا ووصل لأغلب المواطنين في بلده كتب بذلك، وأخذ الناس يتساءلون عن الجهة التي ترسل إليهم الرسائل، وظن أهل البلدة أن شيخ الطلاب وأستاذهم الشيخ زهران هو وراء ذلك فكان ينفي ذلك حتى وصله رسالة –وكان ضريراً- تلفتُ نظره إلى أنه صلى الظهر بين سواري المسجد وذلك مكروه وهو عالم البلد فيجب عليه أن يبتعد عن المكروهات ليبتعد غيره من العوام عن المحرمات. فأخذ الشيخ يسأل أنا لا أعرف هذا الحكم واستعان بالطالب حسن الذي كان يرافقه ويقرا له وسأله عن الحكم فقال: موجود يا سيدي في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري قال الطالب حسن: فقرأتُ له الحكم وأنا أضحك. أنظر مذكرات الدعوة والداعية 14-15.
تأمل هذا الحديث وما فيه من دلالة على سعة إطلاع هذا الرجل ومعرفته للأحاديث والأحكام، فهو يعرف ما لا يعرفه إمامه وشيخه وأستاذه. وصدق الله العظيم (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) [البقرة].
وقد كان خبيراً بالقضايا الإسلامية والأحداث السياسية في العالم الإسلامي وخارج العالم الإسلامي، ويُحدّöث المسلمين ومنهم الإخوان المسلمون بهذه الأحداث والقضايا، ويقدم المواقف الشرعية من هذه الأحداث. فإنك تجد في رسائله الحديث عن الاستعمار الغربي، والدول الاستعمارية وما استعمرته من بلاد المسلمين، وحركات الجهاد في تلك البلاد، ويحدد بوضوح أن العلاج هو الجهاد فقط.
وعن سعة اطلاعه قال روبير جاكسون: (لم تكن هناك دعوة، ولا نزعة ولا رسالة مما عرف العالم في الشرق أو في الغرب في القديم أو في الحديث، لم يبحثها أو يقراها، أو يدرس أبطالها وحظوظهم من النجاح أو الفشل، يعرف لغات الأزهريين والجامعيين والأطباء والمهندسين، والصوفية، وأهل السنة. ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها .. التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين ص 132 نقلاً عن كتاب حسن البنا الرجل القرآني.
وقال عنه الدكتور إسحاق الحسيني: هو دائرة معارف واسعة كاملة يتحدث في أي موضوع بدون إعداد مهما كان نوع هذا الموضوع، ويتخير في أحاديثه الأسلوب السهر والتعابير المناسبة. الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية للدكتور زكريا سليمان سليمان بيومي ص77.
وكان رحمه الله خبيراً بالأحزاب السياسية من حيث فكرها وولائها وأهائها ومصالحها ولهذا قد حدد الموقف منها بشكل واضح وحازم في أكثر من موطن.
أضف إلى ذلك أنهم أسهم في الأحداث السياسية وهو طالب وبعد عهد الطلب، بل كان يجمع العلماء وهو طالب ويحاورهم في ضرورة العمل لدين الله واستئناف الحياة الإسلامية. بل كان هذا الهمّ السياسي المنبثق عن فقه سياسي إسلامي يُؤرّöقه ويؤَهّل نفسه إليه ويعدّها معاهداً الله تعالى على العمل لذلك.
وها هو ذا في سنة التخرج من المدرسة وقبل أن يتخرج طلب الأستاذ منه ومن زملائه أن يكتبوا موضوع إنشاء بعنوان: أعظم آمالك بعد إتمام دراستك وبيّن الوسائل التي تعدها لتحقيقها. فيكتب موضوعاً طويلاً جاء فيه.
وأعتقد أن قومي بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها، والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم وبتأثير المدنية الغربية والشبه الأوروبية والفلسفة المادية والتقليد الفرنجي بعدوا عن مقاصد دينهم ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم.
كل ذلك أعتقده عقيدة تأصلت في نفيسي جذوتها، وطالت فروعها، واخضرّت أوراقها، وما بقي إلا أن تثمر. فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان: خاص: إسعاد أسرتي وقرابتي، وعام: وهو أن أكون مرشداً مُعَلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم. تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف بالكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة. ذلك عهدñ بيني وبين ربي أسجله على نفسي وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطّلع عليه إلا اللطيف الخبير (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) [الفتح] انظر مذكرات الدعوة والداعية 54-57.
أخي القارئ الكريم: تأمل هذه العبارات الرائعة وهذه الاصطلاحات التي لا تجدها عند أساطين السياسة، وهذا التشخيص البارع لأمراض الأمة والتحليل الرائع للأحداث السياسية، والفقه الواعي لحقيقة المدنية الغربية القائمة على الفلسفة المادية المنغمسة في الشهوات إلى الأذقان ومدى تأثير هذه المدنية في المسلمين وانحرافها بهم عن دينهم، ويضع العلاج الناجع وهو العودة إلى الإسلام والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال عمل السياسية، والتعميم على ذلك، وقطع العهد مع الله كذلك ببيعة بينه وبين الله ويشهد أستاذه عليها لأنه سيقرأ ما كتب.
كل هذا من طالب مدرسة لم يتخرج إلى الحياة والعمل، إنه الفقيه الإسلامي السياسي الذي فقه واقع العالم الإسلامي واستنبط فقه السياسي من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن تخرج للحياة أنشأ جماعة الإخوان المسلمين وقادها حتى استشهد. وأسهم في الأحداث السياسية وأثر فيها سواء كانت في مصر أو في العالم الإسلامي. ووضع لهذه الحركة الإسلامية منهاجاً إسلامياً رائعاً وفقهاً سياسياً عجز غيره أن يصل إليه، وبخاصة إنه فقه سياسي حكم فيه على الواقع الآسن الذي يعيشه المسلمون، وحدد فيه كذلك وجوب العمل لتغيير هذا الواقع وفق مراحل محددة، ووسائل واضحة ومتعددة.
هذه المراحل ليست متناقضة، ولا متناثرة، وإنما هي مراحل متناغمة، كلُّ مرحلة لها صلةñ بما قبلها وما بعدها، فهي مبنية على ما سبقها وتستند إليها، وما تلاها كان مكملاً لها، وكانت كل مرحلة اقترح لها من الوسائل ما يناسبها.
وحدد بفقهه السياسي أهداف الحركة العامة والخاصة، ووسائلها العامة والخاصة وحدد موقف الحركة من الأحزاب السياسية والحكومات الوضعية والإصلاحات القانونية واتخذ من الخطوات العملية ما يترجم فقهه السياسي على أرض الواقع، وحقق في كثير من المواقف انتصارات وتأثيرات شهد لها القاضي والدتي.
ثم سار على فقهه السياسي أنصاره وتلامذته فأحدثوا في العالم الإسلامي وعياً سياسياً ملموساً ليس في مصر وحدها وإنما هو في العالم الإسلامي كله، بل تعدى ذلك أرجاء العالم الإسلامي إلى شتى أنحاء المعمورة. فلا تكاد تجد بقعة من الدنيا إلا ولفقهه أثر بل آثار على اختلاف الأجناس والألوان واللغات.