قال لي بعضهم يوماً: ألسنا على الحق، وخصومنا على الباطل؟
قلت: بلى.
قال: ألم يعدنا ربنا بأن ينصر الحق على الباطل، والإيمان على الكفر، وكان وعد ربي حقاً؟
قلت : بلى، ولن يخلف الله وعده. .
قال: فماذا ننتظر؟ ولماذا لا نبدأ المعركة مع الباطل؟
قلت: قد علمنا ديننا أن للنصر سنناً لا بدأن تراعى، وشروطاً لا بد أن تستجمع،ولولا ذلك لقام النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان الجهاد العسكري على الوثنية منذ أوائل العهد المكي،ولم يقبل أن يصلي عند الكعبة وحولها الأصنام من كل جانب.
قال : وما تلك السنن والشروط؟
قلت : أولاً، لا ينصر الله الحق لمجرد أنه حق، بل ينصره بأهله ورجاله المؤمنين المترابطين المتآخين على كلمة الله، كما قال تعالى لرسوله: ((هُوَ الذöي أَيَّدَكَ بöنَصْرöهö وبöالمُؤمöنينَ، وألَّف بَيْنَ قُلُوبöهم )) [الأنفال:62 ].
قال: وأين الملائكة التي تنزل بالنصر إعزازاً لحق، وإذلالاً للباطل؟ تلك التي أنزلت في بدر والخندق وحنين؟
قلت: الملائكة موجودة، ويمكنها أن تتنزل - بإذن الله - بالمدد والنصر،ولكنها لا تتنزل في فراغ، وإنما تتنزل به على مؤمنين يجاهدون ويعملون في الأرض، ويحتاجون إلى مدد من السماء يعينهم ويثبتهم، وفي هذا يقول القرآن في قصة بدر ((إذْ يُوحöي ربُّك إلى المَلائöكَةö أنّöي مَعكُم فَثَبöتوا الذين آمنوا ))، فلا بد أن يوجد الذين آمنوا أولاً، حتى يكونوا أهلاً لنزول الملائكة عليهم.
قال : وإذا وجد المؤمنون جاء النصر؟
قلت : لا بد أن يعملوا جاهدين لنشر دعوتهم، وتبليغ رسالتهم، وتكثير عددهم، وتوسيع قاعدتهم، وإقامة الحجة على مخالفيهم، وكسب الرأي حولهم، حتى يكون معهم القوة التي يقدرون بها على مواجهة أعدائهم، فليس من المقبول عقلاً ولا شرعاً أن يواجه الواحد مائة أو ألفاً، وأقصى ما ذكره القرآن أن يواجه الواحد من المؤمنين عشرة من الكافرين ((إöن يَكُن مّöنكُمْ عöشْرُونَ صَابöرُونَ يَغْلöبُواْ مöئَتَيْنö وَإöن يَكُن مّöنكُم مّöئَةñ يَغْلöبُواْ أَلْفًا مّöنَ الَّذöينَ كَفَرُواْ بöأَنَّهُمْ قَوْمñ لاَّ يَفْقَهُون َ)) [الأنفال:65 ] وهذا في حال القوة والعزيمة، أما في حال الضعف والرخصة، فقد قال تعالى: ((الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلöمَ أَنَّ فöيكُمْ ضَعْفًا فَإöن يَكُن مّöنكُم مّöئَةñ صَابöرَةñ يَغْلöبُواْ مöئَتَيْنö وَإöن يَكُن مّöنكُمْ أَلْفñ يَغْلöبُواْ أَلْفَيْنö بöإöذْنö اللّهö وَاللّهُ مَعَ الصَّابöرöينَ )) [الأنفال:66 ]
قال: ولكن خصوم أهل الحق لا يمكنونهم من نشر فكرتهم، وأداء أمانتهم، بل يزرعون الأشواك في طريقهم، ويطفئون الشموع بين أيديهم، ويضعون الألغام تحت أرجلهم.
قلت: وهنا يأتي شرط لا بد منه لاستحقاق النصر والتمكين، هو الصبر على الأذى وطول الطريق، والثبات في مواجهة الاستفزاز والتحدي كما في حديثه صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عبَّاس واعلم أن النصر مع الصبر .
ولهذا أوصى الله رسوله صلى الله عليه وسلم في ختام عدد من السور المكية بالصبر.
ففي آخر سورة يونس: ((وَاتَّبöعْ مَا يُوحَى إöلَيْكَ وَاصْبöرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكöمöين َ))
وفي آخر سورة النحل: ((وَاصْبöرْ وَمَا صَبْرُكَ إöلاَّ بöاللّهö وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهöمْ وَلاَ تَكُ فöي ضَيْقٍ مّöمَّا يَمْكُرُونَ . إöنَّ اللّهَ مَعَ الَّذöينَ اتَّقَواْ وَّالَّذöينَ هُم مُّحْسöنُون َ))
وفي آخر سورة الروم : ((فَاصْبöرْ إöنَّ وَعْدَ اللَّهö حَقّñ وَلاَ يَسْتَخöفَّنَّكَ الَّذöينَ لا يُوقöنُونَ )) وفي آخر سورة الأحقاف: ((فَاصْبöرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمö مöنَ الرُّسُلö وَلَا تَسْتَعْجöل لَّهُم ْ))
وفي آخر سورة الطور: ((واصْبöر لöحُكْمö رَبّöكَ فإöنَّكَ بöأَعْيُنöنَا وَسَبّöحْ بöحَمْدö رَبّöكَ حöينَ تَقُوم )).
قال صاحبي: ولكن الصبر قد يطول دون أن نقيم للإسلام دولة تحكّم شريعته، وتحيي أمته، وترفع في الأرض رايته.
قلت: ألا يتعلم على يديك جاهل؟ ألا يهتدي ضال؟ ألا يتوب عاص؟ ألا.. ألا..
قال : بلى ...
قلت: هذا في ذاته كسب كبير، وغنم عظيم، وكل فرد تنتشله من وحل الجاهلية إلى صراط الإسلام يقربنا من الهدف الأكبر، بل هو نفسه هدف تحقق، وفي الحديث الصحيح: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم .
ثم إن الذي علينا، والذي نحاسب عليه، أن ندعو ونربي ونعمل، وليس علينا أن نحقق النصر، علينا أن نبذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.. إن الله لن يسألنا: لماذا لم تنتصروا؟ ولكن سيسألنا: لماذا لم تعملوا؟!
((وَقُلö اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إöلَى عَالöمö الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö فَيُنَبّöئُكُم بöمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون َ)) [التوبة:105 ].