ولا يخشع في صلاته الا من أحب الله تعالى.. ومن أمثلة المحبي لله تعالى حقا وصدقا ابن القيّم، رحمه الله، والذي يقول:
في القلب شعث ( أي تمزق) لا يلمه الا الاقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها الا الأنس بالله، وفي القلب خوف وقلق لا يذهبه الا الفرار الى الله.. فهل أحسست مرة بهذه المعاني؟! هل شعرت اخي القارئ أنك تريد أن تفر الى لله عز وجل؟! وتقول بلسان حالك: أنا محتاج لدينك يا رب! محتاج الى أن آنس بك يا رب! هل أحسست أن في قلبك شوقا وتطلعا لا يطفئه ولا يشبعه الا الرضا بالله عز وجل؟!
ويقول ابن القيّم أيضا: اذا استغنى الناس بالدنيا فاستعن أنت بالله، واذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، واذا أنس الناس بأحبابهم فأنس أنت بالله، واذا ذهب الناس الى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون اليهم فتودد أنت الى الله.
وهذا أيها الأخ الكريم كلام لرجل أحب الله تعالى حقا، فهل تحس أنت أنك تحب الله؟ واسأل نفسك دائما: ماذا تريد؟ هل تريد الدنيا أم تريد الجنة؟ لماذا تعيش؟ حدد هدفك حتى أستطيع أن أدخل معك الى موضوع الخشوع في الصلاة.
وأذكرك أولا بقول ابن القيم رحمه الله: لا تسأم من الوقوف على باب ربك.. ولو طردت!
أي لا تمل من الوقوف على باب الحق جل وعلاº حتى لو لم يتحقق لك الخشوع في البداية، فلا تتعجل وتترك مجاهدة نفسك لتحصيل الخشوع، بل ابك كثيرا وداوم طرق باب الملك، فانه ولا شك، سيفتح لك، اخشع لله وادعه ولا تقطع الأعتذرا والاحساس بالتقصير.. ولو عصيته فارجع سريعا اليه وتب واستغفر.. ورحم الله من قال: فاذا فتح الباب للمقبولين، فادخل دخول المتطفلين.. يعني لو فتح الله بابه لعباده الذين يحبهم فادخل في وسطهم، فاذا كان هناك مثلا درس علم في مسجد أو نحوه، فاذهب واجلس مع الجالسين فعسى أن تكون في قوم لا يشقى جليسهم.. واذا كان هناك اخوة ذاهبون للاعتكاف فاعتكف معهم.. وصل معهم قيام الليل.. فالجليس الصالح مثله كمثل حامل المسك اما أن يهديك واما أن تبتاع منه واما أن تشم منه رائحة طيبة..
اذا فتح باب الرحمن في أوقات السحر واجابة الدعاء كالسجود وغيره فأسرع بالدخول.. وابسط يدك للرحمن وقل له: مسكين فتصدق عليّ.. وستشعر حينئذ بحلاوة المناجاة.. وحلاوة الخلوة بالرحمن عز وجل..
وأسألك أخي بالله عليك ما هي آخر مرة خشعت فيها لله في صلاتك؟! وهل كنت تتمنى ألا تقوم من السجود أبدا؟! وما هي آخر مرة وقفت فيها بين يدي الله فخشعت جوارحك واضطرب قلبك؟!
وأنا أخاف ألا نشعر بأهمية هذا الكلام.. لأن بالقلوب بعض القسوة، نحن نأكل ونشرب ونتزوج وننجب ونموت وننسى لماذا خلقنا؟ لقد خلقنا لغاية تخالف هذه الأشياء التي فعلناها ونفعلها ونهتم بها ونحرص عليها! خلقنا لنكون في كنف الله الرحمن وفي خدمة الواحد المنان.. وكفى بك عزا أن يكون لك رب، وكفى بك فخرا أن تكون له عبدا.
وقد جلست مرة مع بعض الشباب وأردنا أن نتذاكر نعم الله علينا، فمنّا من قال الصحة.. ومنا من قال الأولاد.. ومنا من قال السمع والبصر.. وآخر قال امي، وآخر قال المال.. وآخر قال الاسلام.. حتى قال شاب عمره 18 سنة: أعظم نعمة انعم الله بها علينا أن ربنا هو ربنا!!
أفهمت هذا المعنى؟! فهذا الشاب الصغير يشعر بأن أعظم نعمة في الوجود بان ربنا وحده هو القائم على أمورنا.. وهو الذي يتكفل بنا وياخذ بقلوبنا وأيدينا ونواصينا الى طريق الخير والصلاح.. فأعظم نعمة أن الله، والله وحده، هو ربك سبحانه وتعالى.
فاستشعر هذا المعنى –أيها الأخ- أنت ملك من؟ أنت عبد من؟! هل أنت عبد ذاتك؟ هل أنت عبد شهواتك؟ هل أنت عبد للمال؟! احذر أن تكون من هؤلاء، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على عباد الدنيا والشهوات والزينة فقال صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدرهم والدينار.. تعس عبد القطيفة.. تعس عبد الخميصة تعس وانتكس، واذا شيك فلا انتقش رواه البخاري 2886 وابن ماجه 4135، يدعو عليه بأنه لو دخلت فيه شوكة ألا يجد من يخرجها منه!!