واذا قرأت سورة المزمل وجدت أن الله تعالى يأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أولها قائلا:{ يا أيها المزمل*قم الليل الا قليلا..} المزمل 1-2 ، أي أن الأصل عند النبي محمد أن يقوم معظم الليل أو نصفه على الأقل أو ينقص منه قليلا.. ومعلوم أن قيام الليل كان فريضة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو سنة مندوبة لأتباعه وأحبابه المسلمين { أو أنقص منه قليلا} المزمل 3، قد تعني ثلث الليل {أو زد عليه} كأن يقوم ثلثي الليل مثلا {ورتل القرآن نرتيلا} المزمل4º أي اقرأ القرآن بتأن واحرص على اعطاء كل حرف حقه ومستحقه وصفته..
ولذا أوصيك يا أخي أن تقوم الليل، ونقرأ القرآن كأنما أنزل عليك، وكأن الله تعالى يخاطبك أنت!
وعندما يقول تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا} فأعر سمعك وقلبك له تعالى وتدبر وانصت، فإنه اما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه. وإذا ما قرأت آيات عن الحساب فتخيل أنك واقف بين يدي ربك وأنه يحاسبك على أعمالك في الدنيا. وإذا قرآت آيات عن الجنة فتخيلها وابتسم، وتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يصلي بالمسلمين ذات مرة وعندما قرأ آيات عن الجنة مد يده كأن يقطف شيئا من ثمارها! وإذا قرأت آيات عن النار تخيل أهلها وهم يصطرخون فيها ويعذبون..{ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} المزمل5، وهو لوحي.. وهذا الوحي يحتاج الى استعداد لأنه ثقيل وتكليف بأوامر ونواه ومن ثم يحتاج الى عزيمة قوية وإيمان راسخ يستطيع الوفاء بهذه التكاليف وأداءها حق الأداء.
وعلى هذا فإن الأخ الذي يريد أن يكف نفسه عن لمعاصي ويردعها عن الشخوات الحرام، لا بد أن يؤدب النفس في الليل بحسن القيام وطول قراءة القرآن والتدبر والمراقبة والخوف من الله تعالى..
ثم يقول تعالى:{ واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا} المزمل 8، أي أقلع قلبك عن كل الشواغل الدنيوية وتنقطع الى طاعة الله عز وجل.. واجعل فرحك وحزمك لله وبالله.. لا بالدنيا وشهواتها وغفلاتها.
وأود ان أسألك أخي سؤالا: ما هو أول شيء في قلبك؟! والقلب سمي قلبا لسرعة تقلبه، وهو سريع التأثر بالأشياء من حوله.. وأنت سريع التأثر بزوجك وأولادك وأحبابك.. فهل جربت أن توجه هذه الحساسية لله تعالى؟! ولا تقل: أنا قلبي قاس أو أنا لا أستطيع البكاء أو أنا لا أتأثر بالقرآن... فالقلب فيه خير، ولكنك لم تستثمر هذا الخير. وجرب قيام الليل أسبوعا واحدا وسترى لذلك أثرا عظيما.
ونبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم كان يقوم معظم الليل ويشق على نفسه فتسأله أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: يا رسول الله.. ألا ترفق ينفسك.. ألا تنام قليلا؟ فيقول صلى الله عليه وسلم:مضى زمن النوم يا خديجة
وقد كان بعض الصحابة من شدة خوفهم من الله وحبهم له يقومون الليل كله، فنزلت آخر آية في سورة المزمل تخفف عنهم وتقول:{فاقرءوا ما تيسر منه} المزمل 20.
والسؤال: لماذا لا نقلد الصحابة رضي الله عنهم في قيام الليل واجتهادهم في الطاعة؟! واعلم أن قيام الليل صفة من صفات عباد الرحمن المذكورين في آخر سورة الفرقان. يقول تعالى عنهم:{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما* والذين يبيتون لربهم سجّدا وقياما} الفرقان 63-64، كانوا يبيتون لربهم ساجدين وقائمين، فكيف تبيت أنت وكيف تقضي ليلك؟!؟ أمام التلفزيون؟ أم في المسارح والملاهي؟ أو مع أصدقاء السوء؟! بعض الناس يظلون طوال الليل ساهرين أمام التلفاز، فإذا ما أوشك الفجر أن يؤذن ذهبوا الى مضاجعهم!! فيجاهدون أنفسهم في المعصية واللهو.. ولا جاهدونها في طاعة الله جل وعلا!!
ويقول تعالى عن المؤمنين في سورة السجدة:{ انما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكّروا بها خرّوا سجّدا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون* تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} السجدة 15-16.
ومعنى تتجافى جنوبهم عن المضاجع: أي أنها لا تستطيع الصبر على النوم، تكره الفراش اللين والراحة!! كأن بينه وبين السرير جفوة وخصاما فلا يستطيع أن يمنع نفسه من مناجاة الرحمن ومخاطبة الواحد المنّان! مسكين والله من لم يذق لذة القيام وحلاوة المناجاة!!
ويقول سبحانه عن جزاء هؤلاء وثوابهم:{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} السجدة 17، انهم أخفوا طاعتهم وعبادتهم عن الناس.. فأخفى الله ثوابهم العظيم.. وما تقر به أعينهم من المنح والعطايا.. والجزاء من جنس العمل.
فانظر يا أخي الى أعداد المسلمين وانظر الى نسبة الذين يقومون الليل منهم تجدها ضعيفة جدا... يقول جل شأنه:{ ان المتقين في جنات وعيون* آخذين من آتاهم ربهم انهم كانوا قبل ذلك محسنين* كانوا قليلا من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون} الذاريات 15-18. ووقت السحر، هو الذي يسبق الفجر بنصف ساعة.. وعباد الرحمن المؤمنون يقضون هذا الوقت في استغفار الله تعالى لا في اللهو واللعب.
ويأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:{ ومن الليل فتهجد به نافلة عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} الاسراء 79.. فالله تعالى يأمر نبيه بالتهجد والقراءة، ويبين له أن هذا أحد أسباب فوزه بالمقام المحمود.. مقام الشفاعة يوم القيامة.. وأن يمنّ عليه بالوسيلة وهي المنزلة العالية في الجنة.. ومعلوم أن الذي يقوم الليل لا يستوي مع الذي لا يقوم، ولذا يقول تعالى:{ أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر أولوا الألباب} الزمر 9.
واعلم أن هناك جنة في الدنيا، كما أن هناك جنة في الآخرة، وجنة الدنيا هي قيام الليل.. والخلوة بالرحمن سبحانه وتعالى.. بل انها أفضل من الدميا وما فيها كما أخبر المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه قال: ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها ذكره الزبيدي في اتحاف السادة المتقين 5\185 والهندي في كنز العمال 21426 و21435.. ركعتان فقط!
ويقول صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى الثلث الأخير من الليل، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟! من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يضيء الفجر رواه البخاري 1145 ومسلم 1769 والامام أحمد 2\282.. فهل يصح أن ينزل ربنا عز وجل من عليائه اليك وأنت مستغرق في النوم؟! ولو أن ضيفا مهما أتاك قبل الفجر ألن تستيقظ وتنتبه وترحب به وتكرمه وتحاول اسعاده بكل طريقة؟! فما بالك بالله تعالى؟!
ويقول صلى الله عليه وسلم: ان في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة الا أعطاه الله إياه.. وذلك كل ليلة رواه مسلم الحديث 1767 والامام أحمد 3\313.
ونزل جبريل عليه السلام الى سيد البشر فقال: يا محمد، اعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
صورة من قيام النبي صلى الله عليه وسلم:
روي أن رجلا أتى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقال: أخبريني عن أعجب ما رايت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقالت: وأي أمره لم يكن عجبا؟! أتاني ليلة صلى الله عليه وسلم فدخل معي في اللحاف حتى اذا مس جلده جلدي، قال: ذريني أتعبد لربي ساعة، فقلت له: والله اني لأحب قربك ولكني أؤثرهواك.. (انظر: ان هوى النبي صلى الله عليه وسلم في قيام اللسل! فهل رأيت أحسن من هذا؟!). فقام صلى الله عليه وسلم يصلي فبكى حتى كثرت دموعه، حتى رأيت دموعه تبل صدره..( ولم تقل تبل لحيته.. بل صدره)! ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى.. فما زال كذلك حتى طلع الفجر، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الفجر، فرآه يبكي فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم:{ وكيف لا أبكي يا بلال وقد نزلت عليّ الليلة هذه الآيات..{ ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} آل عمران 190-191.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ذكره السيوطي في الدر المنثور الحديث 2\111 والزبيدي 10\163.
ويقول سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: دخلت على النبي أصلي معه وحدي، فافتتح سورة البقرة، فقلت : يختم عند المائة فأكملها، فافتتح آل عمرن فقلت: يركع عند المائة فأتمها، فافتتح النساء فقلت: يركع عند المائة فأتمها، يمر بالآية فيها تسبيح فيسبح أو دعاء فيدعو أو تعوذ فيتعوذ.. ثم ركع فكان ركوعه قريبا من قيامه، ثم سجد فكان سجوده قريبا من ركوعه..!
ولا شك أن النبي كان يجد في لذة هذا القرب وفي تلك المناجاة. وإلا لما قام صلى الله عليه وسلم حتى تتورم قدماه ثم تتورم ساقاه، ثم تتشقق قدماه، فيقال له: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخذر؟ فيقول أفلا أكون عبدا شكورا! رواه البخاري 1130 ومسلم 7055 والامام أحمد 4\251. وكان صلى الله عليه وسلم يضلي فيراوح بين قدميه، أي يميل على إحدى رجليه أكثر من الأخرى، فإذا تعبت مال على الأخرى!!
ويروي البخاري في الحديث 1124 يقول: اشتكى رسول الله صلى الله عله وسلم فلم يصل ليلة أو ليلتين! . ولا أستطيع أن أتخيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمسك بأحد الصحابة فظل يوصيه بقيام الليل كما نفعل نحن الآنº اذ حبب اليهم قيام الليل وذاقوا حلاوته، فلم يحتاجوا الى من يدعوهم الى ذلك ويرغبهم فيه الا قليلا.