نعم إن للدعوة الجماعية سلبيات ومحاذير كما سبق ذكر ذلك :
ِ فمن سلبياتها أنها معرضة لضرب الحكومات اللادينية وملاحقتها ..
ِ ومن سلبياتها أنها تؤخذ بزهو العجب والغرور ..
ِ ومن سلبياتها أنها قابلة للتورط فى المواجهة واستعجال النصر ..
صحيح أن الدعوة الجماعية معرضة لمثل هذه المحاذير والسلبيات .. ولكن العقلاء فى الجماعة والقائمين على تربية أبنائها ..يستطيعون بحكمتهم وحسن تدبيرهم وسداد تكوينهم .. أن يتخطوا هذه المحاذير والسلبيات حتى لا يقع شباب الدعوة فى حبائلها ولا تنزلق أقدامهم فى مزالقها .
ففى تجاوزها لضرب الحكومات اللادينية : فباستطاعة قيادة الدعوة الجماعية أن تضع من الخطط المرحلية والوسائل الدعوية .. ما تستهدف البدء بالتكوين التربوى الى التبليغ الدعوى .. الى التجميع الشعبى .. الى التركيز على القاعدة الصلبة ..
وهذا كله يستدعى أن تسير الدعوة الاسلامية بصمت وهدوء وتعقل وحكمة .. دون استفزاز لحاكم أو استشارة لطاغية . وفى هذا وقاية للدعوة من أن تتعرض لاضطهاد أو ملاحقة ..
وفى تجاوزها لآفات الانشقاق والانقسام : فبقدرة القائمين على العمل الجماعى أن يحكموا أصول التربية والاعداد وأن يعالجوا أسباب الخلاف المستفحل خطره فى الجماعة وأن يبعدوا عن اجواء الجماعة فئة المندسين والمشوشين وأن يضعوا الرجل المناسب فى المكان المناسب الى غير ذلك من هذه المعالجات الوقائية والحلول الايجابية .
وفى هذا وقاية للجماعة من أن تتعرض لانشقاق أو تتورط فى انقسام .
وفى تجاوزها لآفات العجب والغرور : فبقدرة الدعاة التربويين فى الجماعة أن ينظروا بعمق فى الأمراض النفسية وأن يسبروا أغوارها فإن وجدوا أن الإصابة عامة وخطيرة ..فما عليهم إلا أن يكثفوا من حلقات التوجيه والتربية وأن يضاعفوا من دروس الايمان والإخلاص والتوعية .. كما عليهم أن يختاروا من البحوث والبرامج ما يتناسب مع طبيعة العلاج وما يتلائم مع واقع الاصلاح وما يستأصل شأفة هذه الأمراض ..
وفى هذا وقاية من أن تتعرض الجماعة لآفة من آفات النفوس أو مرض من أمراض القلوب .
وفى تجاوزها لآفة الحماس واستعجال النصر : فإن قيادة الجماعة ورجال الدعوة والاصلاح فيها حين يضعون فى تصور من ينتمى اليهم ويصبون فى أذهانهم وبؤرة شعورهم : إن تجربة المقاومة والاستعجال وظاهرة ا لتهور والحماس التى قام بها بضع عشرات من الشباب المندفع المتحمس هى التى دمرت ا لبلاد والعباد واستأصلت الدعوة والدعاة وأثارت على المسلمين أحقاد أهل البغى والالحاد وحين يهمسون فى أذن المتعجلين والمتحمسين من الشباب : إن الجماعة الاسلامية حين تكون فى مرحلة الضعف فلا يجوز لها شرعا أن تسير فى طريق المقاومة ومجابهة ا لأعداء .. وحسبها فى ذلك إنها تأست بالنبى صلى الله عليه وسلم فإنه حين كان فى مكة وهى المرحلة التى تسمى بمرحلة الضعف ِ لم يأذن للمتحمسين من أصحابه أن يميلفوا على أهل مكة بمقاومة أوقتال ..وإنما كان يأمرهم بالصبر والمصابرة ويحضم على التعقل والانضباط الى أن أتت مرحلة الهجرة ا لى المدينة وهى مرحلة التجمع والقوة وولادة الدولة ففى هذه المرحلة أذن له وللمسلمين بالمقاومة والجهاد .. وهذه التوعية والتجسيد للحقيقة إن أحكمت وسيدت كانت من أعظم العوامل فى كبح جماح الشباب وفى تطويق عواطفهم فى استعجال النصر .
مما ذكرناه يتبين :
أن الدعوة الجماعية هى دائما فى مكان الصدارة بل هى فى المقام الأرفع لو وازناها مع الدعوات الفردية بل الفرق بين الفردية والجماعية كبير والبون بينهما شاسع . وإن كان للدعوة الجماعية سمة سلبيات أو محاذير فإن باستطاعة عقلاء الجماعة والقائمين عليها أن يطوقوها ويأخذوا بخناقها ويقتلوها فى مهدها .
وبذلك تسير الدعوة فى طريق الأمن والسلام دون أن تعترضها عقبة أو تحل بها كارثة أو تتعرض لمشكلة .. الى أن تصل الى النصر المؤزر والفتح المبين والله يقول الحق وهو يهدى ا لى سواء السبيل .