فإنهم لم يبتدعوا منهاجًا، ولم يأتوا للناس بدستور صاغوه من بنات فؤادهم، ولم يستعينوا في وضعه بفقه "بلجيكي"، ولم يشكلوا لجنة لتضع هذا الدستور، ولكنهم تقدموا للناس في يقين المسلم، وثقة المستبصر فيما يفعل وفيما يقول وقالوا للناس جميعًا (القرآن دستورنا) وكان أكبر الظن عندي، أن المشتغلين من المسلمين بالسياسة، سوف يرحبون قبل غيرهم بهذا الدستور الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحاط بها، ولم يدع مشكلة أيًّا كان وضعها إلا قدم لها الحل الناجح الكامل البديع، ولكن الظن في أولئك وهؤلاء الساسة المسلمين، أن تنكروا له، وحاربوا الإخوان في ندائهم هذا أبشع حرب رآها الناس بين بشر وبشر. وقد كان من الممكن أن يتقبل الساسة هذا الدستور في ترحاب، ويعملوا به، ويحاربوا الإسلام مثلاًº لأنهم لم يحرصوا على الدقة في التزام هذا الدستور، ولكن كانت الحرب التي أعلنها محترفو السياسة موجهة إلى هذا الدستور في صميمه، مما يقطع بأن الحرب لم تكن ضد الإخوان أنفسهم، قدر ما كانت ضد المنهاج الذي بشر به الإخوان المسلمون. وهكذا ضاعت على الأمة المسلمة، سنوات من أعز سنوات الحياة في مواقف الأزمات، وكانت النتيجة ما ترى من تخاذل وفقر وهزائم وانتكاس. والسبب في ذلك حرص الساسة على النفوذ الذي تهيئه لهم الدساتير الوضعية بما في نسيجها من ثقوب وثغرات تحقق لهم ما يريدون.
وسعد الناس واستبشروا خيرًا، عندما صدر الدستور الحالي معلنًا أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتقنين في مصر، وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، لا أريد أن أتعرض هنا لمكانة اللغة في خطب الرسميين وأحاديثهم، ولا عند المذيعين والمذيعات، فذلك أمر يسخر منه العامة والخاصة، عندما يسمعون محافظًا أو وزيرًا يرفع المجرور، وينصب الفاعل، ويجر المفعول.. ما علينا!! وقال الناس الحمد لله الذي هدى المسئولين فينا إلى هذا النص العظيم. وظهر للناس كلهم أن الإخوان المسلمين، كانوا أصدق الناس وأبعدهم نظرًا عندما طالبوا بالقرآن دستورًا لهذا الوطن الكريم، وأنهم كانوا على الحق كل الحق في ذاك النداء.