ونقصد بالشمول أن الشريعة الإسلامية الغراء اشتملت على نظم وأحكام وتشريعات في كل جانب من جوانب التكوين والبناء والإصلاح ، وفي كل ناحية من نواحي المجتمع والحياة º سواء ما يتعلق بالعقائد ، والعبادات ، والأخلاق ، أو ما يتعلق بالقوانين العامة من مسائل مدنية ، وأمور جنائية ، وأحوال شخصية ، ونظم اجتماعية ، وعلاقات دولية …، أو ما يتعلق بأسس الحكم ، ومبادىء الاقتصاد ، وأصول المعاملات ، وركائز المجتمع الفاضل .
كل ذلك في مبادىء دقيقة محكمة ، وفي تشريعات ربانية خالدة º تعطى ولا تأخذ ، وتجمع ولا تفرق ، وتؤلف ولا تبدد ، وتبني ولا تهدم ، تنزيل من حكيم حميد .
ومما يدل على شمول الشريعة الإسلامية لكل أنظمة الحياة :
أولا - التجربة التاريخية التي بدأت منذ تأسيس الدولة الإسلامية الأولى بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية ، والتي انتهت بزوال الخلافة العثمانية على يد العميل الخائن الملحد "أتاتورك" ، فالإسلام في هذه العصور جميعاً كان يحكم الواقع والحياة .
وكانت التجربة رائدة وناجحة ومحققة الخير والأمن والاستقرار لبني الإنسان بشهادة الخصوم كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
ثانياً - النصوص القرآنية التي تنطق بالحق والهدى :
قال تعالى في سورة الأنعام : {ما فرطنا في الكتاب من شيء} .
وقال في سورة النحل : {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} .
ونوضح خاصية الشمول بالأمثلة :
ولنقتصر على المسائل المدنية والاقتصادية والدستورية ، والقوانين الجنائية ، والعلاقات الدولية º باعتبار أن هذه الأمور تأخذ من اهتمام المقننين والمشرعين في العصر الحديث ، ويعتبرونها الأساس لأنظمة الحياة :
ففي القضايا المدنية والاقتصادية يقول الله تعالى في سورة البقرة : {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل … واستشهدوا شهيدين من رجالكم … ولا تكتموا الشهادة ..} .
وفي القضايا الدستورية يقول الله تعالى في سورة الشورى :
{وأمرهم شورى بينهم} .
وفي المسائل القضائية يقول جل جلاله في سورة النساء :
{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} .
وفي العقوبات الجنائية يقول عز من قائل في سورة البقرة :
{كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر …} .
وفي الإعداد الحربي يقول القرآن الكريم في سورة الأنفال :
{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} .
وفي العلاقات الدولية يقول من بيده الخلق والأمر في سورة الممتحنة :
{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} .
إلى غير ذلك من هذه القواعد والأحكام والمبادىء المبينة : إما في قرآن كريم ، أو سنة مطهرة ، أو إجماع ، أو قياس .
وما ذلك إلا تأكيد شامل على ظاهرة الشمولية التي انطوت عليها شريعة الإسلام ، لترتشف الإنسانية على مر العصور من معينها الصافي ، وتغترف الأجيال على مدى الزمان من بحرها الهادر الزاخر {ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون} ؟.
من هذا المنطلق في خاصية الشمولية :
يقول العلامة الكبير "ساتيلانا " : (إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم إن لم نقل ما يكفي الإنسانية كلها) .
ويقول الدكتور "هوكنج" أستاذ الفلسفة في جامعة "هارفارد" : (إن في نظام الإسلام استعداداً داخلياً للنمو ، وإني أشعر بأني على حق حين أقرر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادىء اللازمة للنهوض ) .
ويقول القانوني الكبير "فمبري" : (إن فقه الإسلام واسع إلى درجة أنني أعجب كل العجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا منه الأنظمة والأحكام الموافقة لزمانكم ومكانكم..) .
وهذه الشهادة على شمولية الإسلام ، ومبادئه الحية الباقية هي شهادة أساطين الفقه والقانون في العالم .
فبأي حديث بعد هذا يؤمنون ؟.