بقي أن نعرض لما قد يرد في خواطر بعضكم على ما قررناه من أن الجزية لا تحمل معنى الامتهان والإذلال، فيقول قائل: إذا كان الأمر كذلك فما معنى الصغار الوارد في آية الجزية ?حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون?؟ ولماذا كانت الجزية تؤخذ في بعض العصور الإسلامية بوضع مهين كالصفع وغيره؟
والجواب عن الآية: أن من الواجب تفسيرها بما يتفق مع مبادئ الإسلام العامة، ومع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في أخذ الجزية من أهل الكتاب، وقد رأيتم أن الإسلام يقرر حرمة عقائد أهل الكتاب وأموالهم ومعابدهم، كما يقرر تحريم إيذائهم حتى بالقول فيحرم اغتيابهم كما تحرم غيبة المسلم، وإذا رجعنا إلى التاريخ لم نجد في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب ولا في معاملة الخلفاء الراشدين لهم أي معنى من معاني الاحتقار والإذلال، ولم تكن تؤخذ منهم الجزية على أي وضع يشعر بالإساءة أو المهانة، فإذا كان الإسلام يحرم إيذاءهم حتى في حال غيبتهم، وإذا كان الرسول وهو صاحب الشريعة، والخلفاء الراشدون وهم أقرب صحابة النبي إليه وأكثرهم تمسكاً بشريعته، لم يؤثر عنهم أية حادثة من حوادث الإهانة في أخذ الجزية، كان من الواجب أن تفهم الآية على غير ما فهمها بعض الناس, وذلك أن نفسر "اليد" في قوله: ?عن يدٍ? بالقدرة، وفي نصوص القرآن واللغة ما يؤكد هذا المعنى، وقد رأيتهم في عهد خالد لصاحب قس الناطف قوله: "على كل ذي يد" أي قدرة، وهذا هو ما قررناه من أن الجزية لا تفرض إلا على القادرين على دفعها لذلك أعفي منها الصغار والعاجزون والرهبان والفقراء والنساء.
وأما قوله ?وهم صاغرون? فيتحتم تفسير الصَّغار هنا بالخضوع لا بالذلة والمهانة. ومن معاني الصغار في اللغة الخضوع، ومنه أطلق "الصغير" على الطفل لأنه يخضع لأبويه ولمن هو أكبر منه، والمراد بالخضوع حينئذ الخضوع لسلطان الدولة، بحيث يكون في دفع الجزية معنى الالتزام من قبل أهل الذمة بالولاء للدولة، كما تلتزم الدولة لقاء ذلك بحمايتهم ورعايتهم واحترام عقائدهم، وليس في الخضوع لقوانين الدولة وسلطانها غضاضة على المواطنين مهما اختلفت عقائدهم، هذا هو التفسير الصحيح الذي ينسجم مع نصوص القرآن ومبادئ الشريعة وواقع التاريخ في عصور الإسلام الذهبية الأولى...
وأما أن الجزية كانت تؤخذ في بعض العصور الإسلامية وخاصة في أواخر العهد العثماني بما يقترن مع الإهانة، فليس هذا حجة على الإسلام، ذلك أن الإسلام له مصادره التشريعية التي تقرر أحكامه وقوانينه، ومنها القرآن والسنّة والإجماع. وليس عمل أحد من المسلمين كائناً من كان حجة على الإسلام إلا عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، أماعمل الصحابة وهم تلامذة النبي وأكثر الناس إحاطة بمقاصد شريعته، فجمهور العلماء على أنه ليس حجة إلا أن يتفق مع أحكام الشريعة.. ويضاف إلى ذلك أن العلاقات بين المسلمين وغيرهم في العصور المتأخرة قد ساءت نتيجة لظروف متعددة، وفي مثل هذه الأجواء الموبوءة التي ساءت فيها علائق غير المسلمين بالدولة الإسلامية، قد ينحرف حاكم فيجنح إلى الانتقام، وقد يخطئ فقيه فيقرر ما لا تؤيده روح الشريعة ومبادئها العامة. والذنب في ذلك كله ذنب المنحرف أو الجاهل، لا ذنب الإسلام العظيم الذي رأيتم من عظمة تشريعه ما ترتد عنه سهام المتعصبين عليه مفلولة لم تنل شيئاً منه...
? ? ?
وبعذ فهذا هو مجمل القول عن نظام السلم والحرب في الإسلام، وهذا هو القول الفصل في الجزية، وهي كما رأيتم تتفق مع أرفع المثل العليا للأخلاق والسماحة والنبل، وما أحسب أن الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار الغربي في القرن العشرين، تلقى من العناية بحقوقها والضمانة لعقائدها والحماية لأرواحها، بعض ما كان يلقاه المحاربون المغلوبون في الدولة الإسلامية أيام الفتح والعزة قبل أربعة عشر قرناً، وقد كنت أود أن أذكر لكم بعض الوقائع التاريخية للحروب الإسلامية، لتروا إلى أي حد تقيد المسلمون بهذا النظام واسترشدوا به في علاقاتهم مع الأمم الأخرى في السلم والحرب، ولكن ضيق الوقت يجعلني أقتصر على ما قدمت.