الانسان مخلوق متميز، فيه شيء من الملائكة وشيء من الشياطين، وشيء من البهائم والوحوش، فاذا استغرق في العبادة، وصفا قلبه إلى الله عند المناجاة، وذاق حلاوة الايمان في لحظات التجلي، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الملكية، فأشبه الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
فاذا جحد خالقه، وأنكر ربه، فكفر به، أو أشرك معه في عبادته غيره، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الشيطانية.
واذا عصف به الغضب، فأوتر أعصابه، وألهب دمه، وشد عضلاته، فلم يعد له امنية الا ان يتمكن من خصمه فيعضه بأسنانه، وينشب فيه أظافره، ويطبق على عنقه بأصابعه، فيخنقه خنقاً ثم يدعسه دعسا، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الوحشية، فلم يبق بينه وبين النمر والفهد كبير فرق، واذا عضه الجوع، وبرّح به العطش، وانحصرت آماله، في رغيف يملأ معدته، وكأس تبل صداه أو تملكته الشهوة، وسيطرت على نفسه (الرغبة الجنسية) فغلا بها دمه، واشتعلت بها عروقه، وامتلأ ذهنه بخيالات الشبق وأمانيه، غلبت عليه في هذه الحال الصفة البهيمية، فكان كالفحل أوالحصان، أو ما شئت من أصناف الحيوان.
هذه حقيقة الانسان، فيه الاستعداد للخير، والاستعداد للشر، أعطاه الله الأمرين، ومنحه العقل الذي يميز به بينهما، والارادة التي يستطيع بها أن يحقق احدهما، فان أحسن استعمال عقله في التمييز، وأحسن استعمال ارادته في التنفيذ، ونمّى استعداده للخير، حتى تخلق به وأنجزه، كان في الآخرة من السعداء. وان كانت الاخرى، كان من المعذبين.
صحيح أن النفس مطبوعة على الحرية، والدين قيد، ولكن لا بدّ من هذا القيد، ولو تركناها تأتي الفواحش كما تشاء انطلاقا من طبع الحرية فيها، لصار المجتمع (مارستانا) كبيراً، لأن الحرية المطلقة للمجانين. المجنون يفعل كل ما يخطر على باله، يمشي في الطريق عارياً، ويركب على كتفي سائق السيارة العامة، ويستحسن ثوبك فيأخذه من فوق كتفيك، وتعجبه بنتك فيطلبها منك بحق الغرام، لا بشرعة الاسلام.
المجنون هو الحر الحرية المطلقة، وأما العاقل، فان عقله يقيد حريته. وما العقل؟ انه قيد، ان لفظه مشتق من الاصل الذي اشتق منه (العقال) أي الحبل، الذي يقيد به الجمل. والحكمة، قريب معنا، من (حَكَمة الدابة) وهي كذلك قيد، والحضارة قيد، لأنها لا تدعك تفعل ما تريد، بل توجب عليك مراعاة حقوق الناس وأعراف المجتمع. والعدالة قيد، لأنها تضع نهاية لحريتك، حيث تبدأ حرية جارك.
ثم ان المعاصي لذيذة، لأنها توافق طبيعة النفس، انك تجد لذة في سماع الغيبة والمشاركة فيها، لأنها تشعرك بأنك خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل. والسرقة لذيذة لأن فيها امتلاك المال بلا كد ولا نصب، والزنا لذيذ لأن فيه إعطاء النفس هواها، وانالتها مشتهاها، والغش في الامتحان لذيذ، لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد، والهرب من الواجب – مهما كان – لذيذاً على النفس، لأن فيه الراحة والكسل.
ولكن الانسان حين يفكر ويستعمل عقله، يجد أن هذه الحرية المؤقتة لا تساوي ما بعدها من سجن في جهنم طويل، وهذه اللذة المحرمة، لا تعدل ما بعدها من العذاب.
من يرضى أن نجعل بيننا وبينه عهداً، (اتفاقية عند الكاتب العدل) مدتها سنة، نعطيه خلالها كل ما يطلب من مال، ونسكنه في القصر الذي يريد، في البلد الذي يختار، ونزوجه بمن شاء من النساء، مثنى وثلاث ورباع، ولو طلق كل عشية واحدة، وتزوج كل صباح أخرى، ولا نمنع عنه شيئا يريده، ولكنا اذا انقضت السنة، علقناه من عنقه على المشنقة حتى يموت؟ الا يقول: "تعساً وبعداً للذة سنة بعدها الموت؟" الا يتصور نفسه ساعة يعلق على المشنقة، فيرى أنه لم يبق في يده شيء منها؟ مع أن ألم الشنق بعض دقيقة وعذاب الآخرة دهر طويل.
ليس منا أحد لم يقارف في عمره معصية، ولم يجد لهذه المعصية لذة، أقلها انه آثر متعة الفراش مرة على القيام لصلاة الفجر، فماذا بقي في أيدينا الآن من هذه اللذة التي أحسسنا بها قبل عشر سنين؟ وليس منا أحد لم يكره نفسه على اداء طاعة، ولم يحمل لهذه الطاعة ألماً، أقله الجوع والعطش في رمضان، فماذا بقي في نفوسنا الآن، من ألم الجوع في رمضان، الذي جاء من عشر سنين؟ لا شيء.
ذهبت لذات المعاصي وبقي عقابها، وذهبت آلام الطاعات وبقي ثوابها. وساعة الموت، ما الذي بقي لنا – تلك الساعة – من جميع اللذائذ التي ذقناها، والآلام التي حملناها؟
ان كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله، ولكنه يؤجل، ويسوف، أنا كنت أقول: اذا حججت تبت وأنبت، فبلغتها وما تبت، وجاوزت الستين وما تبت، وشبت وما تبت، ليس معنى هذا اني مقيم على المحرمات، مرتكب للفواحش، لا وبحمد الله. ولكن معناه، ان الانسان يرجو لنفسه الصلاح، ولكنه يسوف، يظن ان في الاجل فسحة، يحسب أن العمر طويل، فيرى الموت قد طرقه فجأة. وقد رأيت أنا الموت مرتين، وعرفت ما شعور الميت، لقد ندمت على كل دقيقة أضعتها في غير طاعة... إي والله. فلما نجوت، بقيت على هذا الشعور شهوراً، صرت فيها صالحاً، ثم انغمست مرة ثانية في غمرة الحياة، ونسيت.. نسيت الموت.
كلنا ننسى الموت، نرى الاموات يمرون بنا كل يوم، ولكن لا نتصور اننا سنموت. نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا، يظن كل واحد منا ان الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه، مع ان الانسان يعلم ان الدنيا مولية عنه، وأنه مُوَلٍّ هو عنها.
مهما عاش الانسان فهو ميت. ليعش ستين سنة، ليعش سبعين، ليعش مئة سنة، الا تنقضي؟ الا تعرفون من عاش مئة سنة ثم مات؟ نوح لبث يدعو قومه تسع مئة وخمسين سنة. فأين نوح الآن؟ هل بقيت له الدنيا؟ هل سلم من الموت؟ فلماذا لا نفكر في الموت، ونستعد له، ان كان لا بد منه؟
من كانت أمامه سفرة لا يعرف موعدها الا يتهيأ لها، حتى يكون جاهزا، فاذا دعي أجاب؟ رأيت (وكنت الصيف الماضي في عمان) المعلمين الاردنيين، الذين تعاقدوا مع المملكة العربية السعودية للعمل فيها، وقد خبروهم ان الطيارات تنقلهم تباعا، فليستعدوا، فمن أنجز جواز سفره، وأكمل حزم متاعه، وودع أهله، ووضع إلى جنبه ثيابه، فإنه يلبي في أي ساعة يدعى فيها، فيلبس ثيابه ويمضي إلى المطار. ومن أهمل وأجّل، حتى اذا دعي قال لهم: امهلوني حتى أنزل إلى السوق فأشتري متاعي، وأذهب إلى القرية فأودع أهلي، وأراجع الحكومة لاستخراج جوازي؟ لم يمهلوه، بل ذهبوا وتركوه. ولكن ملك الموت اذا جاء لا يتركه ويذهب، بل يأخذه كرها، يأخذه ولو كان آبياً، لا يمهله ساعة، ولا دقيقة، ولا لمحة، ولا يملك أن يمهله. وليس يعرف أحد منا متى يأتي ليأخذه ملك الموت.
وما الموت؟ ما حقيقته؟ ان لحياة الانسان مراحل، فمرحلة وهو جنين في بطن امه، ومرحلة وهو في هذه الدنيا، ومرحلة وهو في البرزخ بين الدنيا والاخرة، من يوم موته إلى يوم القيامة، والمرحلة الدائمة وهي الحياة الحقيقية، مرحلة الآخرة. ونسبة كل مرحلة لما قبلها كنسبة ما بعدها اليها.
ان سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الام، كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا، وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ. ان الجنين يحسب دنياه هذا البطن، ولو عقل وفكر، وسئل وأجاب، لقال بأن خروجه منه موت محقق، ولو كان في البطن توأمان، فولد أحدهما قبل الاخر، ورآه نزل قبله، ففارقه وقد كان معه، لقال بأنه مات، ودفن في الاعماق. ولو رأى المشيمة التي كانت من جسده، ملقاه مع القمامة لظن بأنها هي اخوه، وبكى عليها، كما تبكي الام حين ترى جسد ولدها، التي كانت تخشى عليه مس الغبار قد أودع التراب، لا تدري أن هذا الجسد كالمشيمة؟ قميص توسخ وألقي؟ ثوب انتهى وقته، وانقضت الحاجة اليه.
هذا هو الموت، انه (ولادة جديدة)، خروج إلى مرحلة أطول وأرحب من مراحل الحياة، وما هذه الدنيا الا طريق، حياتنا فيها كحياة المهاجر إلى اميركا، انه يحسن اختيار غرفته في الباخرة، ويحرص على راحته فيها، ويهتم بها، ولكن هل ينفق ماله كله على تجديد فرشها، ونقش جدرانها، حتى لا يبقى معه شيء فيصل إلى اميركا مفلسا خالي الوفاض؟ أم يقول: ان مدة بقائي في هذه الغرفة اسبوعا، فأنا أرضى فيه بما تيسر، وأمشّي فيه الحال وأدخر المال لاعداد الدار التي سأسكنها في اميركا. لأن فيها المقام؟
أتعرفون ما مثال الدنيا والاخرة؟ أعلنت اميركا مرة عن تجربة ذرية تجريها في جزيرة صغيرة من جزر البحر الهادي، وكان ذلك من خمس عشرة سنة (أو نحوها)، وكان في الجزيرة بضع مئات من السكان من صيادي الأسماك، فطلبت اليهم اخلاء مساكنهم، على أن تعوضهم عنها وعما فيها، ببيوت مفورشة، في أي بلد يريدون من البلدان، على أن يعلنوا استعدادهم لاخلائها، واحصاءهم لما فيها، قبل موعد كذا (وحددت لهم موعدا) ثم تأتي الطيارات فتحملهم من الجزيرة.
فمنهم من أعلن الاستعداد للاخلاء، وقدم الاحصاء قبل الموعد، ومنهم من أهمل وأجل حتى قرب الموعد،ومنهم من قال: هذا كله كذب. ما في الوجود مكان اسمه اميركا. وما الدنيا الا هذه الجزيرة. ولسنا نتركها، ولا نرضى أن نفارقها، ونسي أن الجزيرة ستنسف كلها فتكون أثرا بعد أن كانت عيناً.
هذا مثل الدنيا، والاول مثل المؤمن الذي يفكر في آخرته، ويستعد بالتوبة والطاعة دائما للقاء ربه، والثاني مثل المؤمن المقصر العاصي، والثالث مثل المادي الكافر، الذي يقول: انما هي حياتنا الدنيا، لا حياة بعدها، وان الموت نوم طويل، وراحة دائمة، وفناء محقق..
وليس معنى هذا ان الاسلام من المسلم، أن يزهد في الدنيا مرة واحدة، وينفض أصابعه منها، ولا أن يسكن المساجد فلا يخرج منها، ولا أن يأوي إلى مغارة يمضي حياته فيها، لا .. بل ان الاسلام يطلب من المسلمين أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين، وفي المال أغنى الاغنياء، وفي العلم – العلم كله – أعلم العلماء، وأن يعرف كل مسلم حق جسده عليه بالغذاء والرياضة، وحق نفسه بالتسلية والاجمام والمتعة بغير الحرام. وحق أهله بالرعاية وحسن الصحبة، وحق ولده بالتربية والتوجيه والعطف، وحق المجتمع بالعمل على كل ما يصلحه، كما يعرف حق الله بالتوحيد وبالطاعة.
يجمع المال ولكن من الحلال، ويستمتع بالطيبات المباحة، ويكون في الدنيا على أحسن ما يكون عليه أهلها، بشرط أن يبقى صحيح التوحيد، لا يداخل ايمانه شرك ظاهر أو خفي، صحيح الاسلام، يدع المحرمات، ويأتي الفرائض، وأن يكون المال في يده لا في قلبه، لا يكون اعتماده عليه، بل يكون اعتماده على ربه، وأن يكون رضا الله هو مقصده ومبتغاه.