وأن يكون المؤمن بين الخوف من عقاب الله، والرجاء لعفوه، يذكر ان الله سريع الحساب وأنه شديد العقاب، فيغلب عليه الخوف، ويذكر أنه عفو رحيم، وأنه أرحم الراحمين، فيغلب عليه الرجاء، فان ملأ قلبه الخوف وحده، يكون قد يئس من رحمة الله:
{إنه لا ييأس من رَوْحö الله الا القوم الكافرون}. وان ملأ قلبه الرجاء وحده، يكون قد أمن مكر الله. {فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون}. وقد قدمنا الكلام بأن الخالق لا يشبه المخلوق، والخوف منه ليس كالخوف من مخلوقاته، فأنت تخاف الأسد الذي يواجهك كاشرا عن أنيابه، مالئا الجو بزئيره، وأنت وحدك أمامه أعزل بلا سلاح، ولكن خوف الله ليس كخوف الأسد، لأن الأسد يمكن درء خطره عنك، ولو أرادك به، والله رب الأسد وخالقه، لا يمكن دفع قضائه اذا كتبه عليك.
وأنت تخاف السيل الهدار، يكاد يصل اليك وأنت في مجراه، لا قوة لك على دفعه، ولكنه ليس كخوف الله الذي أجراه، والذي يوقفه ويجففه اذا شاء ويرده إذا أراد، والسيل يمكن الفرار منه، والابتعاد عنه، وعذاب الله اذا وقع، ما منه مفر. وأنت تخاف الأمراض والآفات، وفقد الاحباب، وذهاب المال، ولكن ذلك ليس كخوف الله، الذي بيده الأمر كله، ان شاء ابتلاك به، وان شاء عافاك منه، وما في الوجود شيء يعافيك بما بيتليك به الله.
فالمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، اذا وقف في الصلاة فقال: {الرحمن الرحيم}. استشعر الرجاء، وان قال: {مالك يوم الدين}. احس الخوف. وأكثر المسلمين اليوم، غلبّوا الرجاء على الخوف، والأمل بالعفو، على توقي العقاب.
على ان المسلم اذا أتى الفرائض، واجتنب المحرمات يكون من الخائفين المتقين، لكنه يخسر الدرجات العالية في الجنة، فهو كالتلميذ الذي يحصل أقل درجات النجاح، لا يرسب في فصله، ولكن لا ينال تقديراً ولا مكافأة، ويكون نجاحه (وسطا) لا (جيدا) ولا (ممتازا).