والمسلم بين نعمتين، ان أصابه خير فشكر كان له اجر، وان مسه ضر فصبر كان له أجر، فلا يعدل أجر الغني الشاكر، أو يزيد عليه، الا أجر الفقير الصابر.
{ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.
وهذه الحياة الدنيا، ليست دار نعيم، وليست تخلو من المكدرات، من انحراف الصحة، أو ضياع المال، أو فقد الحبيب، أو غدر الصديق، أو ذهاب الأمن، هذه طبيعتها التي لا تتغير..
جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الاقذار والاكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين...}.
لأنهم مع الأيام ينسون المصاب، ويجدون الثواب، وغيرهم يحمل الألم. ولا ينال شيئاً.
مصاعب ومصائب لا بد منها، فإما أن تداويها بالصبر فتنال الاجر، وإما أن تثور عليها، فتزيد ثورتك من عذابك، ولا تدفع عنك ما بك. هذا هو النوع الأول من الصبر، الصبر على المصائب.
والنوع الثاني هو الصبر عن المعاصي، صبر الشاب الذي يرى العورات البادية ونفسه تميل اليها، فيغض بصره من خوف الله عنها، ويعرف سبيل اللذات المحرمة، فيمنع نفسه عن سلوكها، على رغبته فيها. صبر الموظف الذي تعرض عليه الرشوة، تعدل راتبه عن ستة أشهر، فيكف يده عنها، على حاجته اليها. صبر التلميذ في الامتحان اذ يتمكن من سرقة الجواب من الكتاب، فلا يقدم عليها، وان كان نجاحه منوطا بها.
المعاصي لذيذة للنفس، فان امتنع عنها، مع تمكنه منها، كان مع الصابرين.
والثالث الصبر على الطاعات، على القيام لصلاة الفجر، وترك لذة المنام ودفء الفراش، في الغداة الباردة. على احتمال الجوع والعطش في شهر الصيام، في الصيف الملتهب. على اكراه النفس المحبة للمال، على اخراج الزكاة، وبذل الصدقة.
الصبر على التمسك بالدين في هذا الزمان الفاسد، الذي عاد فيه الدين غريبا كما بدأ غريبا، وصار القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وصار المتدين فيه معرضا لسخرية الناس، وايذاء الحكام، ونقص المرتب، والاخراج من الديار، فمن احتمل ذلك لله وحده قاصدا ثوابه، كان من {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون... أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا... وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم...}.